لطالما حصر
<<حزب الله>> صورة احتفاله السنوي بالتحرير بأمينه العام السيد
حسن نصر الله. أما أن يحضر وليد جنبلاط، فهذا استثناء، ولأنه
كذلك، تهافت الكثيرون، في الداخل والخارج، وخاصة سفارات عدد من
الدول الغربية، في التدقيق بأمرين: الأول خطاب نصر الله
والثاني معنى حضور جنبلاط ومضمون كلمته.
في النقطة الثانية تحديداً،
لا بأس من رصد ذلك الأسى مجبولاً بعتب الكثيرين من حلفاء <<حزب
الله>>. ربما قال بعضهم في سره انه لو علم أن جنبلاط سيدعى إلى
بنت جبيل ويلقي كلمة لما كان حضر في الأصل وربما قدم تقريراً
طبياً لتبرير غيابه. لقد فوجئ هؤلاء بوليد جنبلاط يحضر حيث
يفترضون أنفسهم أصحاب الدعوة أو الأحق بالصورة، خاصة أن الموسم
انتخابي ومن غير المستحب شرعاً وسياسةً الغياب. فعلها حسن نصر
الله وخيّب آمالهم، فأصبح وليد جنبلاط هو النجم بحضوره وليس
البعثي أو القومي أو غيرهما من الذين طالما استخدموا خطاب
التخوين ضد جنبلاط، فإذا بمن لم يصدق حقيقة أن التحالف
الرباعي، أصبح أقوى من غيره من التحالفات، قد أيقن أن مصطلحات
المعارضة والموالاة صارت من الماضي ولا بد من البحث عن توصيفات
جديدة للانقسامات السياسية الجديدة. حلف رباعي الخ.
عندما كان وليد جنبلاط في
طريقه إلى بنت جبيل، سلك طريق المختارة نيحا جزين الخردلي برج
الملوك حولا عيترون بنت جبيل. ليست المرة الأولى يعبر من هناك
بعد التحرير. لكن شعوراً راوده إزاء الخطر الذي يحدق بلبنان
بعدما أصابه التدويل. <<لعل البلد مقبل على توترات سياسية
كبيرة. كثيرون لا يرتبون جداول أعمالهم أو حسب المصطلح المستجد
<<أجنداتهم>> ربطاً بتلك الاستحقاقات الكبيرة. من جهة، لجنة
تحقيق دولية بقضية اغتيال رفيق الحريري يخشى أن تتدخل دوائر
غربية لحرف مهمتها باتجاهات سياسية معينة. من جهة ثانية، هناك
القرار الدولي الرقم 1559 الذي صار بنده الثاني، عنواناً لأحد
احتمالين لا ثالث لهما، إما الجنون أو التعقـل. تماماً كما أكد
حسن نصر الله. الرجل يقول للبنانيين: <<سلاحي بتصرفكم، هل
تريدونه عنواناً وطنياً إجماعياً من أجل حماية بلدكم أبعد من
مزارع شبعا أم لا تريدون ذلك>>؟ يقول وليد جنبلاط.
عندما وصل جنبلاط، استقبل في
ملعب بنت جبيل بأكثر مما كان ينتظر. علا التصفيق والهتاف. لولا
الأعلام الصفراء، لشعر بأنه على عتبة بلدة شوفية ولكن بحشد ندر
أن يصل إلى مئات الآلاف. أرادها الحزب وجنبلاط مناسبة لتكريس
المصالحة بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح. كان يمكن للمشاركة
الجنبلاطية أن تكون عادية، لكنها اكتملت وتميزت بالكلام،
وبالإشارات التي أريد لها أن تصل إلى بعض اللبنانيين والى
الخارج بالدرجة الأولى.
قال البعض إن <<حزب الله>>
كرّس تحالفه مع جنبلاط وتيار المستقبل في بعبدا عاليه. بمجرد
أن بثت وسائل الإعلام صورة جنبلاط في بنت جبيل. ربما الأمر
محسوب لكن في الحسابات ما هو أبعد من ذلك بكثير. في الأصل، لم
يكن جنبلاط ينتظر رداً من الحزب، بل كان الحزب ينتظر الصياغة
النهائية للائحة التحالفية لكي يبدي ملاحظاته أن وُجدت أو
تبريكاته، فيسلك التحالف طريقه نحو الصناديق مباشرة.
ماذا أبعد من بنت جبيل
وبعبدا عاليه؟
ستنتهي الانتخابات في التاسع
عشر من حزيران. في العشرين منه، سيكون الهم الأول من يأتي
رئيساً للمجلس النيابي الجديد وفي اليوم التالي أية حكومة نريد
ومن هو رئيسها؟ بعد ذلك، يأتي دور جدول أعمال السلطة الجديدة.
في الطليعة، سينحسم الموضوع الرئاسي سلباً أو إيجاباً، وبعد
ذلك، لا بد من التحوط للبند الثاني في القرار 1559. كيف ستقارب
السلطة الجديدة موضوع سلاح <<حزب الله>>.
لسان حال العارفين بطبيعة
التعامل الغربي مع لبنان في ضوء المسلك المتكامل من الحكومة
الميقاتية إلى الانتخابات في موعدها مروراً ب<<قانون
الألفين>>، أن أفضل ضمانة لنزع سلاح المقاومة لا تأتي من القوى
المسيحية في السلطة الجديدة، بل من المسلمين الذين سيكتسحون
ويكتسبون مشروعية كبيرة تؤهلهم هم، لا أحد غيرهم، للقول
للمقاومة <<تفضلي بالتي هي أحسن وناولينا سلاحك وإلا..>>.
في بنت جبيل، قال وليد
جنبلاط للمراهنين على هكذا مسلك بأنه من الخطورة بمكان أن يكون
هناك مجانين في البلد يراهنون على نزع سلاح حزب الله بالقوة.
<<هؤلاء مجانين>>. العبارة طالما استخدمها جنبلاط من قبل حسن
نصر الله وزاد عليها: <<هؤلاء يريدون تفجير البلد. لا أكثر ولا
أقل>>. هل يعني ذلك ان جنبلاط يوافق على نزح سلاح المقاومة
بالحوار؟ القناعة الجنبلاطية تقول الحوار ربطاً بوجود قوى أخرى
في البلد تملك هواجسها إزاء طائفة مسلحة. يجب أن نعطي ضمانات
للآخرين بأن هذا السلاح لا حيثية داخلية له. هذا الامر يعالج
بالحوار وإلا ماذا يعني قول جنبلاط في بنت جبيل <<لبنان لا
يقوم إلا بالحوار بعيداً عن القرارات الدولية المشبوهة وبتعزيز
قدراته لمواجهة أي اعتداء>>. جوهر المعادلة الجنبلاطية ويقول
مقربون من جنبلاط، انه على توافق تام بشأنها مع سعد الحريري ان
أي حوار يجب أن يضع سقفاً له مرتبطاً أولا بمصلحة لبنان
الوطنية العليا ثم الموقع الاقليمي للبنان ثانياً، فإذا اتفق
اللبنانيون انه بغياب التسوية من الخطأ أن يفرط لبنان بأوراق
قوته وبغياب التسوية الاقليمية، لا يمكن للبنان أن يغامر بأي
تسوية منفردة، فإن ذلك يعني في جوهره التوافق على فكرة حماية
المقاومة ولا بأس من البحث عن أساليب تخدم هذا الهدف، لكن ليس
على طريقة جمع السلاح في المستودعات أو توكيل الجيش اللبناني
بمهمة المقاومة!
أراد جنبلاط لمشاركته في
مهرجان التحرير الخامس في بنت جبيل، مشهداً ومضموناً وتقاطعاً
آنياً وبداية بلورة لرؤية مستقبلية مشتركة. احتار كثيرون في ما
يريده حسن نصر الله من وراء الدعوة. قال بعضهم ان <<السيد>> في
مأزق ولعله أراد مخاطبة جنبلاط مباشرة وكذلك سعد الحريري عندما
استشهد بكلام رفيق الحريري حول إيمانه بالمقاومة ورفضه تنفيذ
البند الثاني من القرار 1559 وانه يقسم بولده الراحل حسام انه
لن يقاتل المقاومة ولو كلفه الأمر الاستقالة ومغادرة البلد،
إنما كان يذكّر سعد الحريري بواقعة يعرفها جيداً لأنه كان
حاضراً في تلك الجلسة التاريخية مع والده الشهيد.
لعل المصيبة التي يطرحها
خطاب نصر الله أن نقاشاً لبنانياً مفترضاً لم يحصل إزاء
مضامينه السياسية. وربما المصيبة الاكبر، حقيقة معرفة أن
السفارات الاجنبية في بيروت اهتمت كثيراً بخطاب نصر الله الى
حد طلب النص الحرفي من مصادر الحزب الرسمية، أي الاعلام
المركزي.
لقد تعمد <<حزب الله>> تعويم
جنبلاط شيعياً بعد فترة التباسات طويلة. هناك شراكة تتكون
تدريجياً وتجتاز الكثير من الحساسيات وتوطد جسور الثقة في
مواجهة أيام صعبة سيواجهها لبنان.
في طريق العودة الى
المختارة، حالت الحشود دون العودة من الطريق التقليدية نفسها.
اختار عيناتا باتجاه تبنين وصور ومن ثم قعقعية الجسر النبطية
صعوداً الى جزين فالمختارة. رحلة دامت حوالى الساعتين تقريباً
مر خلالها وليد جنبلاط بصور انتصار تاريخي سها عن بال كثيرين
الاحتفال به، حتى ان من يمثلونه في اللقاء البريستولي الوداعي
الاخير مرروا عبارة تقول ان لبنان عرف انتصارين في تاريخه
الحديث: استقلال العام 43 واستقلال 26 نيسان 2005. وغاب عن
بالهم ان فئة كبيرة من اللبنانيين قدمت تضحيات أعطت للبنان
والعرب عنواناً تاريخياً هو الخامس والعشرين من أيار ألفين.
السفير 27 05
2005