|
|
|
آخر تحديث Wednesday July 13, 2005 الساعة 01:11:45 AM |
|
الطائفية ومأزق نظامها الديمقراطي بقلم أسامة سمعان¨ الطائفية عصبية فئوية تقوم على مبدأ كره الآخر، وهي إن سئلت عن حسبها ونسبها قالت: والدي الحقد وأمي الضغينة، أخي الاستئثار وأختي الفتنة، وأولادي هم، اليتامى والأرامل والثكالى. ولهذا ليس للطائفية من علاقة بالدين الذي يتصف بدعوته للمحبة سوى علاقة المزور بالأصل. والطائفية ليس لها علاقة بالوحدة الوطنية، إلا بمقدار العلاقة بين التوحيد والتقسيم. والطائفية، شأنها شأن العصبيات الجاهلية التي تقوم على مبدأ العداوة للإنسانية، لما تتصف به من تمييز بين إنسان وآخر، وهذا أمر رفضته الأديان السماوية والشعوب المتحضرة، ولهذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أكد بما نصطفيه منه من رفض للاستعباد والتمييز بين البشر لأي سبب كان إذ جاء فيه: "يولد جميع الناس أحراراً متساويين في الكرامة والحريات". وقبل صدور هذا الإعلان، كان ميثاق الأمم المتحدة المعلن في العام 1945 قد أورد في ديباجته: "نؤكد مجدداً إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره، وما للرجال والنساء، والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية". وجاء في المادة الأولى من الميثاق ما يؤكد تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء".([1]) أغرب ما في الأمر، أن السياسيين في لبنان العضو المؤسس للأمم المتحدة، ينقضون توقيع أسلافهم على ميثاقها، بتطبيقهم نظاماً طائفياً يقوم على مبدأ التمييز بين مواطن وآخر بسبب انتمائه الطائفي. ميزة لبنان الطائفية ليس جديداً القول أن لبنان لم ينشأ بناءً لإرادة لبنانية عامة، بل بناء لرغبة أقلية لبنانية يمثلها البطريرك الماروني الياس الحويك، وجدت في قيام كيان مسيحي في لبنان بضمانة فرنسية، على غرار الكيان اليهودي بالضمانة البريطانية، ما يؤمن للمسيحيين إطاراً صالحاً لمستقبل أولادهم وحمايتهم من تعسف دولة إسلامية قد تقوم في الشرق على غرار الدولة العثمانية، لتلتقي هذه الرغبة مع إرادةٍ فرنسية طامحة منذ أمد بعيد، قد تعود جذورها إلى الحروب الصليبية، يوم أقامت الأسرة الفرنسية "دي ابلن" بارونية في بيروت (1110-1291 م). فزار البطريرك الحويك فرنسا عام 1919 وكتب إلى رئيس وزرائها كليمنصو كتاباً طلب فيه توسيع حدود لبنان بما اعتبره "إعادة حدود لبنان التاريخية والطبيعية وإرجاع الأراضي التي سلختها تركيا" ([2]). فكان رد كليمنصو الذي لم يعر أي اهتمام إلى الحقوق التاريخية التي أثارها البطريرك، بل كان همه كما جاء في الرد ما يؤمن للجبل المسيحي دون سواه من المناطق "اللبنانية"، المفترض ضمها إليه، حاجته بقوله "تخويله الأراضي السهلية والمرافئ البحرية اللازمة لعمرانه"([3]). على هذا الأساس سار النظام الطائفي في لبنان، فالموارنة الذين يشكلون أقل من 26 % من سكان لبنان ظلوا، منذ قيام الجمهورية الأولى ولغاية العام 1990 تاريخ قيام الجمهورية الثانية، ينعمون بالسيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة وثرواتها العامة، تارة من خلال الدعم الفرنسي المباشر وطوراً من خلال الصلاحيات التي منحهم إياها الدستور اللبناني الطائفي. وهذا ما دفع باللبنانيين، من غير الموارنة، لرفع الصوت تكراراً في معرض الاعتراض على الغبن اللاحق ببعض اللبنانيين. فاحتجوا لدى المفوض السامي الفرنسي على اثر انعقاد مؤتمر الساحل عام 1933 قائلين: "إن بلادنا التي نتكلم باسمها، أي المضمومة إلى لبنان القديم، لم تعد سوى منطقة استثمار إلى لبنان الصغير، بدليل الأرقام الناطقة، أي 82 % من واردات خزينة جمهورية لبنان اليوم تجبى من البلاد الملحقة بلبنان القديم، وفوق ذلك فان 18% الباقية لا تجبى من لبنان الصغير لوحده، بل يشترك بها أبناء البلاد الملحقة الذين لهم أملاك واسعة ومصالح في قرى لبنان الصغير ومصاريفه. مع ذلك فإن 80 % من مصاريف حكومة الجمهورية المذكورة تنفق على لبنان القديم وأبنائه بصفة رواتب وإصلاح طرقات وتشجيع اصطياف وإعانة بلديات ومدارس ومستشفيات الخ … وهذه الأرقام هي الأرقام الرسمية التي تذيعها حكومة الجمهورية اللبنانية وتنشرها كل عام"([4]). لم تتغير هذه الحالة بعد جلاء القوات الفرنسية عن لبنان، بل استمرت حتى عام 1975 تاريخ بدء الحرب الأهلية، وليس أدل على ذلك ما جاء في اتفاقية الطائف التي نصت على"اعتماد خطة إنمائية موحدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً". الديمقراطية الطائفية حرص الانتداب الفرنسي على جعل لبنان وطناً للمسيحيين. وقد بدأت تجليات هذا الموقف في العام 1932 عندما ترشح لرئاسة الجمهورية الشيخ محمد الجسر، وقد مال إليه النواب المسلمون والأرثوذكس بما يضمن فوزه بالرئاسة. مما أثار حفيظة البطريرك الماروني أنطوان عريضة الذي اعترض، من الوجهة المبدئية، على ترشيح مسلم لرئاسة الجمهورية ([5]). عاد البطريرك عن اعتراضه بعد أن اطمئن إلى عدم قبول المفوضية الفرنسية لكون مسلم رئيساً للبنان، ولما أصر الشيخ الجسر على المضي في الترشيح بادر المفوض الفرنسي هنري بونسو إلى إبلاغ الجسر بصفته رئيساً لمجلس النواب، تعليق العمل بالدستور، وبالتالي تعطيل الانتخاب، وصار التجديد للرئيس شارل دباس سنة أخرى ([6]). وفي العام 1943، عندما كلف الرئيس أيوب ثابت بتشكيل حكومة لإجراء الانتخابات، حرص على وضع قانون انتخابي تكون فيه الغلبة للنواب المسيحيين، على نفس النسبة التي كانت أيام المتصرفية 5/7، خمسة نواب للمسلمين مقابل كل 7 نواب للمسيحيين، أي 22 للمسلمين مقابل 32 للمسيحيين، دون أي اعتبار لزيادة عدد السكان بضم أراضي الولاية إلى متصرفية جبل لبنان التي يكثر فيها المسلمون. وعلى الرغم من الضجة التي أثارها المسلمون على القانون الانتخابي الذي جاء مجحفاً للغاية بناءً على إحصاءات عام 1932 التي بينت أن المسيحيين، بما فيهم الأرمن الذين نالوا الجنسية اللبنانية لا يزيدون على المسلمين بأكثر من نائب واحد. إذ بين الإحصاء ان عدد المسيحيين هو 396950 نسمة مقابل 386465 نسمة للمسلمين، والفرق البالغ 10485 نسمة لا يوازي النسبة التي يحق لنائب فيها وهي 14507 نسمة. وقد دافع ثابت عن وجهة نظره بحجة وجود مغتربين مسيحيين، لهم حق الانتخاب([7]). وكأن المغتربين هم فقط من الطوائف المسيحية. وعلى الرغم من إقالة أيوب ثابت إرضاءً للمسلمين وتعيين بترو طراد لإكمال مهمة الانتخابات، تنكب المفوض السامي جان هللو مهمة الإجحاف بالمسلمين فجعل عدد النواب للمسلمين 25 نائباً مقابل 30 للمسيحيين أي بنسبة 5/6 وهي النسبة التي عرفت ب6-6 مكرر، بفارق خمسة نواب بدلاً من المساواة. وبعد كارثة فلسطين عام 1948 استغلت السلطة اللبنانية لجوء عدد من الفلسطينيين المسيحيين إلى لبنان ومنحتهم الجنسية اللبنانية أملاً في تأمين أغلبية مسيحية دائمة. ثم استكملتها بمنح الجنسية للآشوريين والكلدان وغيرهم من الطوائف المسيحية. وإذ لحظ أهل ميثاق الطائف أن لعبة الأقلية والأكثرية لم تنطل على أحد، لا سيما وأن عدداً كبيراً من المسلمين يحملون جنسية لبنانية "قيد الدرس" وأن لا بد من منحهم الجنسية اللبنانية عاجلاً أم آجلاً بادروا إلى الاتفاق على جعل المجلس النيابي مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. واليوم، بعد ان أعلنت لوائح الشطب لانتخابات العام 2005 وتبين أن الناخبين المسلمين يفوقون المسيحيين بـ 542132 ناخباً. ولكي لا تدفع هذه الأرقام المسلمين الى المطالبة بالعدل والإنصاف بزيادة النواب المسلمين 28 نائباً ليصبح عددهم 92 نائباً مسلماً مقابل 64 نائباً للمسيحيين، علا صراخ مجلس البطاركة الموارنة في محاولة إستباقية مشوبة بالضباب ليقولوا العكس تماماًَ، ويتحدثوا عن إجحاف حاصل بحق المسيحيين، لأن، حسب زعمهم، لا ينتخب المسيحيون من النواب المسيحيين ألـ 64 سوى 15 نائباً فقط، وينتخب المسلمون ما تبقى. فبدلاً من المطالبة بالعدل والإنصاف الذي يحدد قواعده واقع الحال شنوا هجومهم على القانون الانتخابي منذرين بالويل والثبور وعظائم الأمور. وأمام هذه الحقيقة المرة، يحدد غبطة البطريرك الماروني صفير منطق الديمقراطية الطائفية على أنها ديمقراطية توافقية([8])، بمعنى خضوع الأكثرية المسلمة للأقلية المسيحية واستعبادها، بحجة الخصوصية اللبنانية القائمة على الطوائف وليس على الأحزاب السياسية. أن هذا المنطق سيسقط قريباً جدا، إذ لم يعد أحد يقبل بالعبودية. تماماً كما سقط منطق الفيلسوف الطائفي كمال يوسف الحاج عندما دافع عن النظام الطائفي الذي اعتبره مانعاً لوصول يهودي إلى سدة رئاسة الجمهورية في لبنان. لقد سقطت حجته عندما أوصل النظام الطائفي رئيساً للجمهورية اللبنانية صديق لمناحيم بيغن وشارون وكل قادة "إسرائيل". يذهب الطائفيون المسيحيون إلى رفضهم توطين الفلسطينيين المسلمين، ليس من أجل المحافظة على الحقوق الوطنية الفلسطينية في فلسطين، بل خوفاً من تغيّر ديمغرافي يحدث خللاً في التوازن لصالح المسلمين ما يهدد لبنان، حسب زعمهم، بحرب أهلية جديدة، هم لا يرغبون بها. أمام هذه الحقائق، لا يسع اللبناني إلا أن يجد نفسه أمام الخيارات التالية: أولاً: ولوج حرب أهلية جديدة، تحاول الأقلية عبثاً الانتصار على الأكثرية ومحاولة فرض هيمنتها عليها، فيقع لبنان من جديد تحت وصاية دولة أخرى عربية كانت أم غربية. ثانياً: تقسيم لبنان وفق نظام فدرالي، بهدف تأمين حقوق كل من المسيحيين والمسلمين، فيتعرض لبنان الى تمزيق تساوي فيه عدد كانتوناته عدد الطوائف. وينتهي لبنان من الوجود. ثالثاً: وهو الخيار الأفضل، حيث يقدم اللبنانيون إلى إلغاء النظام الطائفي، جملة وتفصيلاً، من السياسة والقضاء، واعتماد النظام المدني العلماني التوحيدي، لكي ينجو لبنان من الكارثة المحدقة به. وبذلك يحتل موقع النموذج والريادة في تطوير البلدان العربية الأخرى. الكرك 20/6/2005 ¨ باحث في تاريخ الفكر السياسي. [1] - لبنان عضو مؤسس للأمم المتحدة، وقد وقع على ميثاقها منذ إعلانه في مؤتمر سان فرنسيسكو عام 1945. [2] - الأب إبراهيم حرفوش، دلائل العناية الصمدانية، ص600 [3] - المرجع نفسه، ص 600 [4] - القلم الصريح، العدد 93، تاريخ 18/12/1933 ص 10 [5] - كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث، ط4 ، دار النهار ، بيروت،1978 ص 222 [6] - المرجع نفسه،ص222 [7] - المرجع نفسه ، ص 235 [8] - حديث تلفزيوني لغبطة البطريرك صفير خلال شهر أيار 2005 |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||