كانت سوريا موجودة في لبنان. ثم
ابتعدت إلى حد الغياب الذي لا يذكّر به سوى التصريحات المعادية
لوجودها الافتراضي. وها هي تعود لتكون حاضرة عبر أرتال الشاحنات
المتوقفة عند الحدود.
يقول المسؤولون في دمشق، من باب
التفسير لما يجري، إن المشكلة ليست سوى أمنية. لو قيل هذا الكلام
من دولة حيال دولة أخرى لكان عادياً. ها هي فرنسا، مثلاً، بعد
تفجيرات لندن تميل إلى تطبيق بنود في <<شنغن>> تسمح بالتشدد عند
الحدود. ولكن عندما يقال هذا الكلام نفسه من سوريا عن لبنان فهو
يعني الكثير لأن نظرية التدخل، منذ ثلاثة عقود، تؤكد على أن أمن
بلد هو من أمن البلد الثاني.
الإشارة إلى الأمن، بهذا المعنى،
إعلان موقف إجمالي من لبنان، وإسقاط سوري لعنصر طمأنينة حاسم. لقد
كان الأمن السوري موجوداً مباشرة في لبنان، وكان مندوباً عنه يحضر
الاجتماعات المركزية، وثمة جهات دولية تؤكد أن الأجهزة اللبنانية
كانت ملحقة بالسورية... ولكن بعد أن حصل ما حصل، وبعد إزاحة معظم
قادة الأجهزة، وبعد التعثر الأمني المتلاحق في لبنان، وبعد اعتراف
المسؤولين الجدد بالنقص، وبعد حصول مواجهات في سوريا نفسها، وبعد
اتضاح مدى الاضطراب في المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان، فإن
الذريعة الأمنية للتشدد عند الحدود هي موقف يتجاوز الأمن بمعناه
الحصري إلى القول بأن لبنان بلد <<غير صديق>> أو أنه غير صديق
بالمعايير الخاصة السورية للصداقة مع لبنان.
ليس سراً أن هناك في سوريا من
يخشى بعض <<الصادرات>> اللبنانية. قد تكون هذه الصادرات على شكل
<<ثورة الأرز>>، كما قد تكون على شكل حلقات ربط بين الحدث اللبناني
وأحداث مرغوبة في سوريا. أي أنها <<صادرات>> تعني في ذهن البعض ردم
هوة التفاوت في النمو بين المعارضتين اللبنانية والسورية. كما قد
تعني، في ذهن البعض الآخر، تحويل لبنان إلى منصة انطلاق لضغوطات
متعددة الشكل لا تستبعد التوتير الأمني المحدود. وفي وسع المسؤولين
السوريين الإعلان أن إجراءاتهم، ضد <<المخاطر من صنع لبنان>>، تتم
بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن داخل عربي عراقي وخليجي.
إلا أن شيئاً ما يوحي للبنانيين
وغيرهم أن اعتبارات أخرى تلعب دوراً مؤكداً. ثمة مرارات واضحة لدى
القيادة السورية (والشعب السوري؟) مما جرى. ثمة جرح يصعب التعالي
عليه. وليس من المستبعد أن هناك من راقب الانتخابات النيابية،
وشعاراتها، وتحالفاتها، ولاحظ كيف أن مناطق نفوذ تاريخية وتقليدية
تعود إلى ما قبل 1975 انقلبت، وقرّر، بناء على ذلك، وفي المرحلة
الفاصلة عن تشكيل حكومة جديدة، أنه لا بد من توجيه رسالة. ويمكن،
لمن يرى الأمور من بيروت، أن يدرك ضرورة التذكير بأن سوريا حاجة
حيوية للبنان. لم يعد الأمر بديهياً وإن كان يرد في التصريحات
كلها.
تقضي الصراحة القول إن الأسلوب
الذي اختارته دمشق، حتى لو أثبت نجاحاً، هو أسلوب خاطئ على المدى
البعيد.
إن الذريعة الأمنية غير مقنعة
تماماً بدليل أنه كان يمكن أن نطبّق على الحدود ما تطلب سوريا
تطبيقه على حدودها مع العراق: التنسيق. وفي هذه الحالة يصبح
الممتنع عن التنسيق مسؤولاً عن الأضرار الناجمة عن ذلك.
والأسلوب خاطئ لأنه يولّد المزيد
من المرارات ويقود إلى تعميق الهوة بين الشعبين. أضف إلى ذلك أن
اعتراف مسؤولين سوريين بأخطاء ارتكبت في الماضي كان يجب أن يقودهم
إلى الاعتراف بمشروعية بعض الاعتراضات اللبنانية ومن جانب فئات لم
تنتظر التدخل السوري حتى تكون في خندق النضال من أجل عروبة لبنان.
يستدعي الوضع الراهن التوقف عند
نقطتين.
لو أحسن اللبنانيون والسوريون
الاستفادة من المرحلة الماضية لبناء علاقاتهم على أسس اقتصادية
متينة، وعقلانية، وتلبي مصالح الطرفين، لكان الحظ أكبر في تجنب ما
حصل. كان يمكن استنهاض قوى شعبية واسعة لمواجهة أي ضغط خارجي أو
داخلي يتعرض إليه البلدان الشقيقان. إلا أن منطق بناء العلاقات ذهب
في اتجاه آخر ولم يستحضر الاقتصاد والتبادل إلا في لحظة تغليب
الرغبة في <<الضغط>>. هذه النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية فهي ما أشار إليه وليد المعلم في حديثه الأخير
عن <<قلة الوفاء التي تسبّب غصة>>. في كلام المعلم إشارات إيجابية
عديدة. ولكن ذلك لا يلغي <<الغصّة>> عند قراءة تعبير <<قلة
الوفاء>>. لماذا؟ لأن التعبير يوحي أن المعلم ينتمي إلى التصور
الإيديولوجي الذي أشيع في دمشق وبيروت عن <<العمل الخيري>>. هذا
غير صحيح على الإطلاق. وفي الإمكان البرهنة أن <<سوريا>> استفادت
من علاقتها مع <<لبنان>> بقدر استفادته منها. ولقد آن أوان
الانتهاء من هذه النظرة الأبوية التي إذ تحاول تفسير ما تعتبره
علاقة بين أشقاء، كبير وصغير، فإنها تشط كثيراً، وتوحي أن القائلين
بها يتجاهلون ألف باء المصالح الوطنية التي لا تنهض علاقات سوية من
دونها. ولعل الخطير في كلام المعلم هو أنه أقرب طريق إلى تبادل
مشاعر العنصرية بين الشعبين اللبناني والسوري. ففي لبنان، أيضاً،
هناك من يزعم أن سوريا وحدها هي استفادت خلال ثلاثة قرون وأنها
غلّبت نظرتها الضيقة على سواها بما أضرّ بلبنان ومنع بناء شراكة
جديرة بهذا الاسم.
لا تفسير أخلاقياً لما جرى بين
البلدين. أي لا مجال لخطاب إيديولوجي عن الوفاء وقلة الوفاء. يتوجب
على الطرفين فهم ما جرى بواقعية والتساؤل عن المسؤوليات المشتركة
في تبديد الفرصة التي امتدت في الزمن. وفي الإمكان تقديم مطالعة
طويلة حول إيجابيات وسلبيات الأواصر التي شدت سوريا إلى لبنان،
وتحديد تطورها حسب الشروط الإقليمية والدولية، وإسنادها إلى ما كان
يحصل داخل كل بلد على حدة... وما لم نفعل ذلك لن نفهم تعقيدات
العقود الماضية وما انتهت إليه من كارثة قومية مؤكدة.
إن النظرة القومية الرحبة كانت انتقادية حيال أوجه عديدة من الواقع
السابق. واستمرت انتقادية في الأشهر الأخيرة حيال سلوكيات سورية
معينة في لبنان وحيال المعارضة والموالاة في البلد. وانطلاقاً من
هذه النظرة لا بد من الجهر بأن العلاج عبر الضغط ليس هو الأفضل.
إن المسؤولية الوطنية والقومية
تفرض التأكيد، اليوم، أن الكرة في الملعب اللبناني، وفي ملعب
الأكثرية الجديدة تحديداً. على هذه الأخيرة أن تدقق كثيراً في
خطابها السياسي، وأن تضبط العشوائية في الاتهامات، وأن تقترح
تصورات للمستقبل، وأن تذكّر مواطنيها بأن تطبيق الاتفاقات القائمة
مصلحة لبنانية إلى حين التوصل إلى توافق على تعديلها. غير أن ذلك
لا يعفي السلطات السورية من مسؤولياتها وأبرز هذه المسؤوليات
الاستفادة من الدرس الكوني القائل بأن العقوبات الجماعية ليست
مفيدة دائماً.