|
|
|
آخر تحديث Thursday July 21, 2005 الساعة 01:04:06 AM |
|
«باب الحرية» يفتح نوافذ الأسئلة: لا حرية بدون إنسان حرّ ونظام حريّوي سركيس ابو زيد في زمن انتشار شعار «الحرية» كم نحن بحاجة إلى معرفة معنى الحرية، خاصة أن فئات مختلفة، وأحياناً متناقضة، تردّد العبارة نفسها. الدكتور ناصيف نصار طرق «باب الحرية» ودخله من زاوية فلسفية، محاولاً إضاءة مفهوم الحرية وتعريفها ومراميها. صدر كتابه عن دار الطليعة مستبقاً انفجار «انتفاضة الحرية». فهل يقرأه المتظاهرون والمعتصمون والهتّافون ليدركوا أكثر معنى الحرية وأبعادها؟ تقسم كتابات الدكتور ناصيف نصار إلى نوعين، الأول نقد المفاهيم والأفكار السائدة لإبراز الأصيل منها وتجاوز ما هو تقليدي. أما النوع الثاني فهو محاولة جريئة وشجاعة تستهدف بناء عمارة فلسفية مستقلة جديدة، يمكن تلمسها في مختلف كتاباته، وقد توقف عندها بشكل بارز في كتابه «منطق السلطة» وكتابه الأخير «باب الحرية». كتابات ناصيف نصار تحمل الكثير من الجدّة والتمييز، وأهم خاصية لها هي الوضوح في التعبير والتسلسل المنطقي. فعندما تكون الفكرة واضحة يصبح الأسلوب أوضح والكلمات تنساب بسلاسة. بلاغة ناصيف نصار تتجلى بأن الفيلسوف والمواطن العادي يقرأه ويفهم مقاصده، بينما بعض الكتاب بحاجة إلى من يترجم أفكارهم لتفهم ماذا يريدون. «باب الحرية» هو دعوة إلى التفكير في إعادة بناء حقل الحرية بعد أن غيّبت عن مختلف ميادين الحياة، بينما هي على حد تعبير نصار «صفة جوهرية للإنسان في علاقته مع ذاته ومع الآخر ومع الطبيعة ومع المطلق». يميّز د. نصار الحرية عن الأمركة، ويعتبرها الأصل من أجل استئناف مشروع النهضة العربية التي انطلقت في القرن التاسع عشر وتعثرت، مما يستوجب نهضة عربية ثانية عمادها الحرية. وبواسطتها ندخل حضارة الحرية التي هي نتاج عطاءات المجتمعات المتفاعلة. إن النهضة العربية الثانية ترتكز على رؤية فلسفية للإنسان، وتعمل على تجاوز الأزمة الحضارية الشاملة التي تعيشها الشعوب العربية الحالية باتجاه إعادة البناء على ما طرحته النهضة الأولى ومن ثم وضع تصور لعملية التغيير في الأنظمة والمؤسسات والتقاليد وثالثاً إبداع نهضة حضارية حقيقية تطلق قوى الحرية والعقل والخيال، وهي تستلزم المبادرة والتخيل والمغامرة. وكم نحن اليوم، أفراداً ومؤسسات دينية وحزبية ومنظمات أهلية، بعيدون أيضاً عن الجرأة والإبداع. يرى د. نصار أن النهضة العربية الثانية هي تجاوز لثنائية التراث والمعاصرة، ويدعو إلى التعامل الخلاق مع العولمة التي تفرض تحدي الحرية، وتضع الشعوب العربية أمام مفترق حاسم: إما طريق الحرية والإبداع والنهوض، وإما طريق التبعية والقمع والتخلف. لذلك يدعو د. نصار إلى إنشاء ليبرالية عربية بعد أن يستعرض دلالات المصطلح، ويقول إنه حاول تجنب اللفظة لارتباطها بمذهب معروف ويقول بالحرف «لم أجد حتى اليوم لفظة تفي بالمراد كما هي حال الليبرالية في اللغات الغربية». وأنتهز هذه المناسبة لأقترح اعتماد تعبير «نظام حريوي» بديلاً من تعبير «نظام ليبرالي» تجنباً للالتباس الذي يثيره المعنى الأخير المترجم. الليبرالية العربية التي يدعو الدكتور نصار الشعوب العربية إلى إعادة بنائها هي لمصلحة النهضة العربية الثانية ولمصلحة الحضارة المعولمة التي أصبحت بحاجة إلى أنسنة. وإعادة بناء الليبرالية فلسفياً تقوم على الميادين الأربعة التالية: ـ مبدأ اجتماعية الإنسان الطبيعية والجدلية. ـ مبدأ الترابط بين الحرية والعقل. ـ مبدأ الترابط بين الحرية والعدل. ـ مبدأ الترابط بين الحرية والسلطة. وبعد أن يستعرض هذه الميادين وأبعادها يقترح الدكتور نصار تسمية «الليبرالية التكافلية» على الليبرالية العربية المعاد بناؤها. ثم ينتقل إلى نقد الليبرالية الفردانية والأخطار التي تهدّد الحرية أحياناً من خلال «الخوف على الحرية» وأحياناً أخرى «الخوف من الحرية». لقد سبق أن تراجعت الليبرالية العربية بحجة الوحدة أولاً، وحجة الثورة على الاستغلال والقهر ثانياً، وحجة رفض الأمركة ثالثاً، ورابعاً حجج الروابط الاجتماعية التقليدية. ينقد الدكتور نصار الوحدانية العقائدية الدوغماوية في المجتمع كما ينقد الفوضى والبلبلة التي يمكن أن يسفر عنها التطبيق المتطرف للفردانية ويخلص إلى تبنّي العقلانية النقدية المنفتحة بارزاً الجدلية بين المثلث الذي تؤلفه الرغبة مع الفكر والحرية. الحرية المفكرة والحرية الراغبة تعني تحرير الحرية من طغيان الرغبة وتدبير الرغبة بحكمة العقل المنفتح ومسؤولية الإرادة الحرة. ومع تصديه للرغبة يعالج الدكتور نصار تدبير المصلحة, معتبراً أن المفكرين العرب لم يبذلوا مجهوداً يستحقّ الذكر لبناء مفهوم المصلحة. وبعد أن يستفيض في شرح المصلحة ومستوياتها وفعلها ودور الدولة والمجتمع الوطني في تحديدها وتحقيقها بواسطة القرار الحر، يعتبر الدكتور نصار أن الحرية ليست غاية الإنسان، لأنها في صميم كيانه، لكن الإنسان يتطلع إلى «ممارسة الحرية ويرغب رغبة عميقة ومستمرة في العيش بحرية، والعيش في الحرية، وعيش الحرية، والاستمتاع بشعور الحرية، لكي يتسنى له أن يختار بنفسه غايات حياته ونمط حياته، لأن الحرية لا تكتفي إطلاقاً بذاتها». هذا الكلام الجميل يستدعي طرح أسئلة استناداً إلى نهج الدكتور نصار: هل يمكن العيش بحرية في ظل الفقر والمرض والفساد؟ هل يمكن عيش الحرية في ظل مؤسسات دينية وحزبية وتقليدية أصولية متخلفة تقيّد التفكير وتشجع التكفير؟ يفرد الدكتور نصار فصلاً لنقد ثقافة الليبرالية كما يتخيلها الفيلسوف الأميركي المعاصر ريتشارد رورتي، كما يخصّص فصلاً آخر لرفض الليبرالية المتوحشة وطرح مبدأ التضامن على قاعدة الهوية، معتبراً أن الفرد يجد نفسه جزءاً من نحن كما أن الواقع يندرج في إطار متحدات متدرجة من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني القومي. ويرى الدكتور نصار أن ما يجري في أوروبا هو إعادة بناء المتحدات القومية في مُتّحد إقليمي من نوع جديد... وهو أيضاً إعادة بناء المتحدات ما دون القومية، من أجل الحفاظ على انتماءات وهويات صغرى توازن الانتماء إلى المتحد الإقليمي الكبير. ثم يخلص إلى أن التضامن في حدّه الأعلى هو الدولة الوطنية / القومية، موكداً على الطابع الكوني للتضامن، ويرى أن الحرية شرط أصلي للفعل كما أن الحرية مسؤولية تستلزم التضامن، وبالتالي لا يفقد الكائن الحر حريته عندما يقوم بالواجب. ويعالج الدكتور نصار مفارقات تتعلق بحياة الحرية على العموم متجاوزاً مجالات تطبيق مبدأ الحرية التي ليست في موضوع هذا الكتاب. هذه المفارقات هي: 1 ـ فقدان الحرية بإطلاقها، والمقصود هو الحرية الاجتماعية لأن الحرية الكيانية لا يمكن فقدانها، والحرية الاجتماعية بالضرورة غير مطلقة. لا حرية من دون قانون، لذلك تستدعي الحرية سلطة القانون والاعتبارات الأخلاقية. 2ـ منع الحرية عن أعدائها: تنظيم ممارسة الحرية من أجل حمايتها واحترام حرية الفكر والتعبير. 3 ـ الإكراه على الحرية: تحقيق الحرية يمرّ عبر مسالك لا تخلو من الإكراه والصراع. والخطر على الحرية ليس من أعدائها فقط بل أحياناً كثيرة من ذاتها أي من أمراضها ومنها: الاستكفاء الذاتي، فالحرية ليست غاية لذاتها بل لها حدود من خلال علاقة الحرية بالعقل والسلطة والعدل. وبالتالي هي اختيار والتزام. ثم إن الواقع يدل على أن جوهر العلاقات الاجتماعية هو التنازع، والتنازع يخضع للقوة بحجة أن العدل نسبي، ويخضع تالياً لقانون الإرادة والقوة ونتائج الصراع بين الإرادات الحرة والقوة القاهرة. ولذا، لا يتحدث الحق عما هو واقع بل عما هو مسموح له بأن يقع. والعدل ليس منظومة حقوق فقط. إنه منظومة حقوق وواجبات. والواجب يتولد أولاً من محدودية الحق وثانياً من علائقية الحق، وصعوبة التمييز بين الحق والقوة، وهكذا تقترن الحرية بالقوة: فئة تمارس الحرية المتجبّرة القاهرة وفئة تمارس الحرية المترددة الحائرة. ويخلص د. نصار إلى تأكيد أولية الحرية في الوجود الإنساني، لكن هذه الأسبقية لا تعني إطلاقاً الاستكفاء الذاتي بالحرية واعتبار هذا الوجود يبنى بالحرية وحدها. لذلك لا بد لإبداع الوجود الإنساني بالحرية من بناء علاقات سليمة بين الحرية والرغبة والعقل والعدل والسلطة. ثم يتصدى د. نصار لمقولة فوكوياما رافضاً نظريته بأن الليبرالية هي نهاية التاريخ فيقول: إذا كانت الليبرالية نهاية فإنها نهاية لأشكال معينة من الصراع التاريخي من أجل الحرية، وليست نهاية تاريخ الحرية بإطلاق، ولا نهاية للتاريخ البشري بأسره. ويعتمد د. نصار على مقولة الصراع ليؤكد أن الصراع حول الحرية يستمر داخل الليبرالية لأن صراع الإنسان من أجل الحقيقة ومن أجل المعنى ـ وهو صراع لا يقل أصالة وضراوة عن صراعه من أجل الحرية ـ لا ينتهي إطلاقاً بانتصار الليبرالية، بل ينتقل إلى مرحلة ليس لها نهاية. يتقاطع الصراع من أجل الحقيقة ومن أجل المعنى، مع الصراع من أجل السيطرة على الطبيعة وعلى مصادر الثروة والطاقة. إن الصراع الذي يحرك التاريخ يتخذ مع الليبرالية أشكالاً جديدة وأبعاداً جديدة. ومع تأكيده على مقولة الصراع يؤكد الدكتور نصار ما سبق وأن قاله أنطون سعادة: الحرية صراع. صراع العقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل، ولا معنى للحرية وراء ذلك. الحق والحرية هما قيمتان أساسيتان من قيم الإنسان والمجتمع. ملاحظة أخيرة من وحي الكتاب: إن ممارسة الحرية تستوجب قيام نظام حريوي متكامل على مستويات عدة. المستوى الاقتصادي يستلزم قيام نظام حريوي تعاوني يحقق التنمية والبحبوحة والعدالة بديلاً عن نظام الرأسمالية المتوحشة. على المستوى السياسي ما يستلزم قيام نظام حريوي ديمقراطي يحقق المواطنية والمساواة ويعبر عن مصالح الناس وتطلعاتهم وفق برامج وخطط ورؤى إنسانية بديلاً من النظم الدكتاتورية والأوليغارشية والشخصانية. والمستوى الاجتماعي يستلزم قيام نظام حريوي يحترم حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وتحقيق سيادتها على أرضها ومواردها، وبناء إنسان جديد واعٍ يمارس المسؤولية بنفسه بالرجوع إلى قيم يهتدي بنورها ويعمل بمقتضاها. وهذا النظام الحريوي على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي يستوجب قيام ثورة نهضوية تغير المؤسسات التقليدية، الدينية والحزبية والعائلية وغيرها، من أجل بناء مؤسسات صالحة لتوفير شروط العيش بحرية وكرامة. فلا حرية مع الاستبداد والاحتلال والاستغلال، ولا حرية مع الطائفية والعشائرية والإقطاعية والتزلم والتبعية. إلى أي مدى الإنسان حرّ داخل المؤسسات التي يعمل فيها وينتمي إليها ويلتزم بها؟ أين نحن اليوم من قيم الحرية والحق والكرامة؟ أين نحن اليوم من مسيرة الصراع من أجل الحرية والتحرّر؟ أسئلة يحرّض عليها كتاب الدكتور ناصيف نصار وتفتش عن أحرار ليناضلوا من أجلها.
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||