|
|
|
آخر تحديث Tuesday August 02, 2005 الساعة 12:37:34 PM |
|
نشوة الوراثة في الحكم! كارول كرباج تعتبر الوراثة السياسية أحد قواعد اللعبة المتبعة في أروقة السلطة في لبنان. هكذا يعلمنا التاريخ. بعد وفاة زعيم ما، تختلط اللوعة بالإبتهاج بتنهيدة: "عاش الملك، مات الملك!"، ويستبدل المرحوم بوريثه على الفور ويلقى البيعة ويقود الطائفة أو البلاد بأسرها لمجرد أنه ابن الزعيم. هكذا نرى أن معظم السياسيين في لبنان صُنعوا وفق هذا المبدأ التقليدي المتوارث الذي يكرّس الزعامات والقوى الطائفية. من هنا، نجد العائلات نفسها تتوارث السلطة في لبنان لتجعل الدولة مكاناُ لاقتسام المغانم على العائلات السياسية "العريقة". ترى، هل من الضروري أن يكمل الوريث مسيرة القائد أو الزعيم؟ في الواقع، اذا عاينا التاريخ نجد العديد من الأمثلة تؤكد أنه ليس من الضروري ان يكمل الوريث مسيرة القائد، وتبطل بالتالي كل الشعارات التي ترافق وفاة شخصية مهمة، أمثال "على دعساتك"، "على دربك يا قائد"... وليس المطلوب، على أية حال، ان تكون الشخصيتان متطابقتين بالكامل ولكن ان يحافظ الوريث على الأقل على الخلقية السياسية والقيم الإنسانية وأن يتوافر لديه الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة. من المسؤول عن هذه المهزلة ذات الجذور التاريخية؟ أهو شعبنا المنغمس بلا وعيه أم الزعيم نفسه؟ نقع هنا في جدلية معقدة حيث لا نستطيع إلقاء اللوم على الشعب دون الزعيم والعكس صحيح. فالوراثة السياسية تعكس، بالدرجة الأولى، عقلية شعبنا العشائرية الطائفية، إلا انها تعكس أيضاُ نشوة زعمائنا الى مقاعد السلطة، أي استخدامهم الشعب آداةً لمآربهم الشخصية. وعلى سبيل المثال، بعد الفاجعة التي أصابت اللبنانيين اثر استشهاد المعلم كمال جنبلاط، اهتزت الزعامة الدرزية وبويع فوراُ نجله الأستاذ وليد جنبلاط الذي اضطر لقبول الوضع من أجل وقف حمام الدم بين الدروز والمسيحيين. وشبيه لذلك الذي حصل مع الأستاذ سعد الدين الحريري ولكن بظروف ومعطيات أخرى طبعاُ. وكل ذلك يؤكد ان شعبنا المنغمس في لا وعيه يعزز هذا التقليد الرجعي من حيث يدري او لا يدري... ولكن، أين تقع مسؤولية الزعماء؟ تبرز مسؤولية هؤلاء من خلال التجييش العاطفي والطائفي الذي يبلغ ذروته اثناء الإنتخابات: فالأستاذ وليد جنبلاط يخاطب عشيرته الدرزية مذكراُ باستشهاد والده، والأستاذ سعد الدين الحريري يخاطب عشيرته السنية مستخدماُ استشهاد والده (حيث كل صوت للائحة الخصم هو صوت لقتلة الشهيد!) والسيدة صولانج الجميّل تخاطب شعبها المسيحي- الماروني على وجه التحديد!- مستخدمةُ جملاُ من خطابات زوجها الرئيس بشير الجميّل... أخيراُ، ما انعكاسات نشوة الوراثة في الحكم على صعيد الديمقراطية والمواطنية؟ وهل يمكن التحدّث عن دولة الحداثة والتقدم والعدالة في ظل هذا التقليد الرجعي؟ إن الوراثة في الحكم تجعل السلطة ملك حصري لبعض العائلات والأشخاص حيث توزع المقاعد النيابية والوزارية عليهم بغض النظر عن برنامجهم الإنتخابي، وكم نسمع أيام الإنتخابات "معقول بيت فلان ما طلعلن شي بهل انتخابات؟". أكثر من ذلك، فإن هذا التقليد ينعكس سلباً على دولة الحداثة والتقدم، إذ ان المسؤولية السياسية هنا لا ترتبط بالكفاءة والنزاهة والخلقية ولكنها تُقدم على طبق من فضة لأصحاب المال والإستطاعة. وهل ننسى ماذا حصل بعد استشهاد الأستاذ رفيق الحريري، حيث بويع أولا نجله الأستاذ بهاء بعبارة "بالروح بالدم نفديك يا بهاء" ومن ثم بعد فترة وجيزة بويع نجله الأستاذ سعد بالعبارة نفسها. من هنا، لم تعد شعوبنا تأبه لخصال حكامها، انما لانتماءاتها الطائفية والعائلية، مما يعكس حالة الخضوع التي يعيشها شعبنا المنحني تماماُ لزعيم طائفته. هكذا، تحول شعبنا الى مجموعة "غنم" تسعى لانتماءٍ يحد من قدرة تفكيرها في شبه سكرةٍ مميتة. هذا من دون أن ننسى خطر الوراثة السياسية على الديمقراطية والمواطنية التي تجعل المساءلة والمحاسبة أمراً مستحيلاً، فكلما انتقدنا سلوك الأستاذ سعد الدين السياسي، على سبيل الدلالة لا الحصر،نسمع من أكثرية الناس المأخودة بالموجة الحريرية أن الأمر يتطلب وقت وأنه جديد في أروقة السياسة. أيعقل أن جديداُ في السياسة احتل الأكثرية النيابية وسيبني تجربته على كاهل وطن مرهق من الطائفية السياسية والركود الإقتصادي والفساد الإداري..!؟ ألا يوجد في البلاد شخصيات كفوءة قادرة على النهوض بالوطن، لكنها في الخسوف، عاجزة عن الظهور في ظل المحادل التقليدية؟ أيجوز في دولة عصرية أن تمتلك عائلات القرار وتتوارث القدرة، فيما السواد الأعظم من الشعب يعيش في الظلام، مادياً ومعنوياً. وما يتمتعون من سوانح من وجودهم بسوى الفتات؟ أيجوز في هذه الحضارة الإنسانية أن يتوارث أشخاص القدرة والنفوذ، و لو فاسدة مسيئة، وآخرون لا حول لهم ولا، مع انهم كفؤون نزيهون..؟ هكذا نستخلص أن الوراثة السياسية تقليد رجعي يحفظه خضوع شعبنا وتصونه نشوة زعمائنا الى الحكم. هو عقبة أمام كل تقدم وكل حداثة يعزز الخضوع والتبعية في منأى عن الحوار والمساءلة والمحاسبة، هو استمرارُ دولة المغانم والمحسوبية بعيداُ عن قيم العدالة والديمقراطية. لذا، فلنحاسب كل سياسي يستخدم شعبه أداةُ لمآربه السياسية والانتخابية، فلننبذ كل زعيم يستصغر عقولنا مستخدماُ الشحن الطائفي والعائلي بعيداً لغة العقل والمنطق، فلنتحرر من التبعية لطائفة ولأشخاص ولمؤسسات حزبية..، فلنخرج من نفق السلف والتقاليد البالية، فلننهض بثورةٍ ثقافية فكرية ديكارتية... |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||