بعيدا عن الحوار <<المخنوق>>
داخل صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، وما <<يُحكى>> عما يجري
في أطره التنظيمية من اصطفافات وما يقال عن <<انتصار>> لفريق ضد
آخر في انتخابات رئاسة الحزب. بعيداً عن كل ذلك، فإنه يمكن القول
بأن الحزب السوري القومي الاجتماعي يبدو نموذجاً معبراً عن وضعية
الاحزاب القومية في لبنان والمنطقة العربية، سواء في تراجع حضورها،
أو في خفوت تأثيرها، الامر الذي يدعو للتساؤل عن عوامل هذا الخلل
ومبرراته، ومدى انعكاس هذه الوضعية على فكرة الحزب ودعوته القومية
والوحدوية.
لقد خسر الحزب السوري القومي
الاجتماعي الكثير من بريقه، وبهت الكثير من وهجه. غير أن هذا
التوصيف العام والأولي غير مُستحب عند العديد من الحزبيين. فإحدى
مظاهر الازمة أن الحزب القومي، كما غيره، يُعيد دوماً أسباب تراجعت
الى العوامل الخارجية المعادية سواء التي تستهدف الامة ومستقبلها،
أو تلك المتربصة في الاطر والمؤسسات المعبرة عنها، وبالتالي فإن
الحزب قلما يبحث عن مواطن الضعف الداخلية، ولا يسأل عن الارتباكات
التي تفتك ببنيته وتهز كيانه وتعيق حركته السياسية والنضالية.
فالنظرة <<للذات الحزبية>> لم
تزل محكومة <<بالقدسية>>، وصورة الحزب لم تزل مسكونة بشيء من
<<الصنمية>> وبالكثير من الاستعلاء وتضخيم <<الانا>>، الامر الذي
يجعل الحزب أكثر تخبطاً عند مقاربته لأوضاع الامة وأوضاع كياناتها.
وهذا ما يزيد التخبط ويُضعف الفاعلية ويجعل الحزب يدور في <<حلقة
مفرغة>> وحول ذاته.
النموذج
الباهت
إن السؤال الابرز الذي يمكن أن
يُثار في هذا المجال يتعلق في طبيعة النموذج الذي قدمه الحزب بعد
الحرب الاهلية. ما هي ملامحه؟ وما هي مجالات تمايزه عن الاحزاب
السياسية الاخرى في لبنان؟
والقول بالتمايز والنموذج المحدد
الذي بلوره بعد الطائف بالتحديد يعود اولا الى أن مرحلة الحرب
الاهلية تحتاج الى وقفة خاصة ومراجعة أدق. ويرجع ثانيا الى أن
مرحلة ما بعد الطائف هي البداية الفعلية لمشاركة الحزب في السلطة
عبر الندوة البرلمانية أو السلطة التنفيذية. لدرجة غدا الحزب
القومي من <<الثوابت>> التي من الصعب تغييرها أو تحويلها. ويعود
ثالثا الى أن المرحلة المقصودة هي مرحلة حساسة جدا نتيجة لما
اعتراها من خضات وما رافقها من تحولات على المستوى الرسمي والشعبي،
كان للحزب فيها دوره وحضوره الدائم واليومي.
إن التركيز على السؤال حول
النموذج الذي قدمه الحزب خلال مشاركته المباشرة في إدارة البلاد
وقيادة العباد تنطلق من أن الحزب طرح في مبادئه ووثائقه وتاريخه
النضالي مبدئية امتاز بها ومناقيبية أصر عليها مما جعله مميزاً عن
غيره، الى حد بعيد، في هذا الجانب.
لقد قدم الحزب السوري القومي
الاجتماعي نفسه على أنه نموذج للأمة وصورة حية عن مستقبلها
والمؤتمن على قضاياها. لذلك اعتبر الحزب <<حركة نهضوية>> بكل ما
تعنيه هذه <<الحركة>> وما تتضمنه. من هنا ركز الحزب على
<<النموذج>> المتجسد لا المتخيل، وأكد على أن سلوكه وحياته
الداخلية وممارساته ومواقفه... يمكن الاقتداء بها، وهي المؤشر
والحكم الذي <<يُغري>> الناس ويُقنعها بما يدعو اليه ويبشر به.
بناء عليه غدت السياسة حياة
يومية وممارسة مميزة، والفكرة التي يدعو اليها واقعاً حياً يعيشه
الحزب و<<تراه>> أعين الناس وتلمسه متجسداً في حياة الحزب كمؤسسة
وحياة أعضائه كأفراد أو جماعات، الامر الذي يُعزز التساول ويبرزه.
فإلى أي مدى بقيت هذه التطورات حية في حياة الحزب وممارساته؟ والى
أي مدى عبر الحزب خلال مشاركته في السلطة عن هذا الصفاء وتلك
المُثل؟
لا يمكن التشكيك عملياً بطبيعة
الحزب العلمانية، رغم أن النقاش حول انحسار كتلته النيابية بطائفة
محددة دون غيرها مسألة مُلتبسة ومثيرة للريبة. كما لا يمكن التشكيك
بصدقية التزامه القومي ودعوته الوحدوية. غير ان للمواطنين الحق في
السؤال: ماذا بقي من الفكرة القومية؟ وماذا بقي من الدعوة
الوحدوية؟ والى أي مدى ساهم الحزب السوري القومي الاجتماعي في
تدعيم هذه الافكار وتجسيدها وإبقائها حية في وعي الناس ولا وعيهم؟
وهل يمكن للفكرة أن تبقى فعلاً يومياً تنبض بالدفق والحياة في ظل
التمويه وتراكم الاخطاء التي ترتكب باسمها، أو في ظل التشويهات
التي تطالها وتشوهها، أو في ظل السلبيات التي تحاصرها وتفتك بها؟
والى أي حد استطاع الحزب أن يحمي فكرته القومية ودعوته الوحدوية
ويجددها وبالتالي يقربها للناس؟
وهم القوة
إن انخراط الحزب السوري القومي
الاجتماعي كما غيره من الاحزاب التي شاركت في السلطة بعد اتفاق
الطائف كان أمراً ضرورياً وحقاً طبيعياً، خاصة بعد أن عمد النظام
الطوائفي في مرحلة ما قبل الحرب الاهلية، الى استبعاد الاحزاب
التغييرية ومطاردتها. غير ان هذه الضرورة وذلك الحق غدا عبئاً
ثقيلاً على الحزب ينوء بحمله، وتطاله سلبياته وأخطاؤه. خاصة ان هذه
المشاركة في السلطة غدت هدفاً بحد ذاتها وغاية <<الغايات>> يسعى
الحزب اليها ويطلبها بأية طريقة وعبر أية وسيلة، الامر الذي جذب
السلوك الحزبي وقربه الى <<المنطق>> المكيافيلي من جهة، وأفقد
المشاركة معناها وجوّفها من مضامينها ومراميها وأهدافها الحقيقية.
لقد ارتبطت مشاركة الحزب في
السلطة بالضرورات الاقليمية وتأثيراتها الداخلية، أكثر مما ارتبطت
بحضور الحزب وقوة تمثيله. من هنا أقنع الحزب نفسه وحاول أن يُقنع
المواطنين في الوقت عينه، ان هذا الحضور السلطوي تعبير صادق عن قوة
الحزب واتساع امتداده. وقد كشفت الانتخابات النيابية الاخيرة كيف
تقلص حجم المشاركة وتراجع. بل بينت هذه الانتخابات كيف عمد الحزب
الى مسايرات غير مبررة ومواقف غير موضوعية وعلاقات غير مفهومة مع
العديد من القوى والقيادات ليحظى بمقعد زائد في الندوة البرلمانية،
لكن دون جدوى. لدرجة تخلى عنه عامداً متعمداً بعض الاصدقاء
والحلفاء الجدد وتبرز معركة المتن والشمال كمثال صارخ، حيث تم
التضحية بالحزب رغم كل التسهيلات التي قدمها.
إن القول بأن الحزب أخذ أكبر من
حجمه الحقيقي، لا يعني مطلقاً الانتقاص من تجذره وعمق حضوره في
البيئة المجتمعية اللبنانية. فهذا الامتداد التنظيمي الذي يتصف به
الحزب على امتداد الكيان اللبناني ومساحته حقيقية لا غبار عليها.
لكن المشكلة تكمن في أن <<أحزابنا>> التي تكرس حضورها في السلطة
بعد الطائف توهمت للحظة قوة غير دقيقة وحضوراً غير حقيقي من جهة،
وعاملت الناس على هذا الاساس من جهة اخرى.
لقد وقع الحزب السوري القومي
الاجتماعي في المطب الذي تخبط فيه، ولم يزل الى حد بعيد، الحزب
الشيوعي في لبنان، مع فارق أن الاخير لم يكن <<معتمداً>> إقليمياً
ولم يكن هناك اطمئنان لاعتماده. هذا المطب الفخ يتمثل في رهن قوة
الحزب بعدد المقاعد النيابية وحجم كتلته البرلمانية.
إن <<أحزابنا>> العلمانية خاصة
والاحزاب القومية عامة والحزب القومي نموذجها اقتنعت أو توهمت
للحظة بأن النظام الطائفي سوف يسمح لها أن تكون حاضرة بمبادئها
وصدقيتها وعلميتها وأفكارها للمشاركة في السلطة. هذا الوهم جعل هذه
الاحزاب تلجأ الى وسائل اخرى لتأمين حضورها السلطوي على حساب
قناعاتها في بعض الاوقات وعلى حساب امتدادها الشعبي واتجاهاته.
لذلك غابت كأحزاب عن قضايا الامة وهموم الناس غياباً شبه تام. بل
أصبح هناك <<حَوَل>> سياسي في رؤية هذه القضايا وتلك الهموم، الامر
الذي أفقد الحزب الاحزاب الكثير من وطائفها. ويمكن للحزب السوري
القومي الاجتماعي أن يقارن بين <<قوته>> الشعبية قبل مشاركته في
السلطة وخلالها، ليدرك الكثير من الحقائق اذا لم نقل البديهيات في
هذا المجال.
الفكرة
المحاصرة
يبدو أن <<أحزابنا>> التغييرية
قلدت في هذا الجانب وتماثلت مع الاحزاب الكيانية الاخرى، على
اختلاف مشاربها. لكن دون المقدرة على مجاراة الاحزاب التقليدية في
<<تقليديتها>> في ظل <<نظام>> الزبائنية ومتطلباته، لذلك فإنها
كأحزاب حديثة بقيت في <<منتصف>> الطريق، لا تاريخها يسمح لها
بالارتداد، ولا حضورها <<المُستحدث>> قادر على إقناع الآخرين بأنها
ستتكيف مع مستلزمات الواقع الجديد ومتطلباته. وفي الحالتين ازدادت
ارتباكاً وتخبطاً. فهل يمكن للحزب السوري القومي الاجتماعي أن
يتخلى عن وهم القوة عبر الحجم البرلماني وتستعيد مؤسساته قوة
الحضور الحقيقي من خلال متابعة مطالب الناس وهمومهم.
إن الاشارة الى تجربة الحزب في
السلطة لا تقود الى القول برفض المشاركة والابتعاد عن المسؤولية.
لكن النقد ينصب على مسار الحضور الحزبي في السلطة وطريقته والغاية
منه. والملاحظ أن الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يستطع مثلا أن
يعدل نظرة بعض اللبنانيين بالاتجاه الايجابي نحو فكرته القومية
ودعوته الوحدوية. وتراجع نموذجه في هذا المجال. فكان مع الفكرة
<<ظالمة هي أو مظلومة>> دون أن يقوم بدوره في <<ردعها عن ظلمها>>،
خاصة انه ربط الفكرة بحالة جد ضيقة، الامر الذي جعلنا <<جميعاً>>
ندفع الاثمان الباهضة لما علق <<بفكرتنا>> من شوائب وسلبيات. من
هنا فإن السؤال الذي يمكن طرحه يتمثل في دور الحزب السوري القومي
الاجتماعي وغيره من الاحزاب الوحدوية في إعادة <<توظيف>> حضوره
لإحياء دعوته في الكيانات القائمة. وكيف للحزب أن يكون رافعة جدية
في إعادة الاعتبار لنموذجه الفكري وتطلعاته الوحدوية؟
إن الاقطار العربية ومنها كيانات
الامة السورية تمر بمرحلة حرجة جدا، ووضعيتها قريبة من وضعية
<<أحزابها>> حاضراً ومستقبلاً. بل ان هذه الاحزاب مسؤولة بنسب
مختلفة وبشكل مباشر أو غير مباشر عن تردي أوضاع أقطارنا، وبالتالي
أحوال وطننا الاكبر. فكيف يمكن أن تستعيد الاحزاب التغييرية دورها
والحزب السوري القومي الاجتماعي أساسي ضمنها؟
استدراك
ضروري
قد يثير هذا التوصيف الاولي
والمحدد العصبية الحزبية التقليدية ورداتها الانفعالية غير المبررة
وغير الموضوعية، خاصة أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يحفظ في
جعبته الكثير من الاجوبة الجاهزة التي تعيد القارئ أو المستمع الى
بديهيات عامة ومنطلقات تنظيرية مطلقة تلتف على الوقائع وتبتعد عن
الحقائق، خاصة أن الحزب كما غيره لم يقدم مراجعة نقدية للتجربة أو
نقداً ذاتياً لحضوره وممارساته من جهة، كما ان المناقشة قد تكون
غير متجذرة في الثقافة الحزبية من جهة اخرى، أو لعلها خفت حضورها
كمناقشة قياساً لما كانت عليه. من هنا يبقى الحزب <<كاملا>>
متكاملا لا تشوب صورته شائبة أو تطال ممارساته هفوة. لذلك قد يكون
من الصعوبة بمكان إقرار القوميين أو بعضهم بأزمة ما داخل أحزابهم.
فالاحزاب العقائدية عادة تكاد تلغي الحوار حول وضعها الداخلي،
وتسطح أي نقد يوجه اليها، وتُسفه أي نقاش يطال بنيتها، وتتهم أية
محاولة لمساءلتها، وتنظر بالشك والريبة تجاه التساؤلات التي تناقش
مسيرتها ولهذه الوضعية مقاربة اخرى خارج سياق هذه المداخلة ويأخذ
هذا المناخ مداه الاقصى عندما يكون المحاور أو الناقد أو المناقش
من خارج الاطر التنظيمية وغير منضو في صفوف الحزب.
وعليه، نخشى أن يُحشر هذا النقاش
وتلك التساؤلات في خانة هذا المناخ وإطاره الضيق، أو أن يُجير
لخدمة هذا الاصطفاف الحزبي أو ذاك، في ظل مرحلة نحتاج فيها الى
المزيد من المكاشفة والمحاسبة لنبقى وتبقى أحزابنا في مستوى
أفكارها وطروحاتها ومُثلها.
(*) أستاذ جامعي