|
|
|
آخر تحديث Friday August 26, 2005 الساعة 12:12:34 PM |
|
لكم دينكم.. ولنا سياستنا لمى إزرافيل إذا قبلنا معهم طروحاتهم على مضض احتراماً منا لمراكزهم، اعتبروا أنفسهم محقّين واستمروا بسياستهم المعتادة. و إذا عارضناهم وانتقدنا تصرفاتهم، اعتبروا أننا نهاجم الدين أو الطائفة و نلوّح لحرب أهلية. لكن تمادي رجال الدين في السياسة وسوء تقديراتهم التي تقود البلاد لأزمة ثقة بينهم وبين الشعب تستحق عناء المحاولة. فإلى متى سيبقى رجال الدين يتحكمون بالقرارات السياسية ويحوّلون قضاياها من مسائل وطنية الى مسائل طائفية، وكأن مصير الطائفة متعلّق بهذه القضية أو تلك وذلك لتجييش رعاياهم، ومن ثم يحذرون من حرب أهلية قادمة؟! ألم يرى هؤلاء الى أين أوصلتنا نصائحهم والقرارات التي اتّخذَت اكراماً لهم؟ ألم يشعروا بالهزات الوطنية و انعكاساتها من جرّاء خطاباتهم التحريضية؟ لن أعود بالزمن الى الوراء البعيد رغم أن تدخّل رجال الدين في السياسة اللبنانية يرجع الى ماقبل قيام دولة لبنان _ وربما كان سبباً في قيامها _ لكنني سأكتفي بالأحداث القريبة والتي تشبه بالطبع كل التدخلات السابقة . كما أنني لن آتي على ذكر الإنتخابات الأخيرة وما رافقها من تعديات وانتهاكات من قبل أهل الدين والسياسة _ خاصة عندما انحاز مفتي طرابلس لفئة دون أخرى وطلب من المواطنين الإقتراع لها دون سواها واعتبر أن هذا من صلاحياته، كما أبدى سخطه من الحملات التي تعرّض لها اثر هذا الموضوع واعتبر أن مقامه لا يجب أن يمس (فإذا كان يخاف على مركزه وما يمثّله من مرجعية دينية فلمَ أدخل الفتاوى الدينية إذاً في هذه المواضيع الدنيوية؟) _ لأن للإنتخابات اللبنانية مقاييس خاصة وشوائبها تتخطى مسألة الفتاوى الدينية. الموضوع يتعلّق بتدخل البطريرك المستمر في السياسة اللبنانية. (ولماذا البطريرك دون سواه؟ فلأنه يُعتبر المرجع الروحي الأعلى على صعيد الوطن، ولأنه وبسبب غياب أو ضعف القيادات المسيحية في الفترة الأخيرة كان البطريرك بمثابة رجل دين وسياسة في آن معاً ما جعله يبرز أكثر من باقي رجال الدين في الطوائف الأخرى، وبالتالي فالإنتقادات حوله تكون أكثر، إضافة الى أن الطائفة المارونية ما زالت حتى اليوم تعتبر أنها كانت وراء قيام لبنان وتحاول حماية وجوده من خلال رجال دينها). وبقدر ما يكون تدخّله أحياناً لخير لبنان وشعبه بقدر ما يظهر أحياناً تدخلاً بقصد حماية المارونية السياسية على حساب لبنان. و البطريرك باعتباره مرجعاً روحياً أعلى، يسعى جميع المسؤولين إلى كسب رضاه وبركته، فالمقبول منه غير مقبول من غيره. كما تجدر الإشارة الى أن الموارنة هم الطائفة الوحيدة التي ما زالت سلطتها الدينية أقوى من سلطتها السياسية وهذا أمر يسيء الى البطريرك والطائفة نفسها اذ أننا مضطرّون للتعامل معه كأي زعيم سياسي آخر و هذا ما يقلل من مكانته وبالتالي انتقادنا لسياسته تعتبر تجريحاً للطائفة. فمتى سنتمكن من فصل الدين عن السياسة؟ (محبةً في الدين لا في السياسة) كان البطريرك_والتاريخ يشهد له_ من أوائل الذين طالبوا بإنهاء الحرب وسعى بنفسه للمصالحة الوطنية علماً أن قلّة من السياسيين تجاوبوا معه ومن تجاوب تأخر كثيراً وكانت نظرته للمصالحة نظرة مصلحة انتخابية لا أكثر، بينما البطريرك كان يرى المصالحة من منظور مصلحة الوطن والمواطنين. كما تجرّأ و انتقد إنتهاكات المخابرات السورية في لبنان وطالب بتطبيق اتفاق الطائف في وقت كان الحديث عن الطائف يعتبر خيانة وطنية! ولم يتوان يوماً من اعطاء الدعم المعنوي والنفسي لأهالي المفقودين في السجون السورية، في حين كان يعجز المسؤولون حتى من تبني فكرة وجود مفقودين لبنانيين في سوريا. فكان البطريرك يحمي لبنان وشعبه ويوظف جميع طاقاته لخدمة الوطن وكان يعوّض عن تقاعص السياسيين. وعلى الرغم من أن معظم المواضيع التي تطرّق اليها البطريرك هي مواضيع سياسية لكنها في معظم الأحيان لم تحدث مشاكل ولم تعرّضه لإنتقادات لأنها مواضيع غير قابلة للبحث ولا تحتمل نقاشاً. لكن المشكلة تكمن في بعض مواقف البطريرك التي بنطبق عليها مبدأ الأخذ والرد والتي قد لا تحظى بإجماع وطني أو قد تكون خاطئة فإذا راعينا البطريرك كما هي الحال في العديد من المواضيع نخسر القضية ونفتح من جهة الطريق أمام باقي رجال الدين للتدخل في السياسة، والمشكلة عندها تكون أصعب إذ أننا نكون حينها دوماً أمام صراع رجال الدين وتأخذ عندها المسائل السياسية بعداً طائفياً نحن أدرى بنتائجه فنكون قد حجزنا لوطننا مقعداً دورياً في ساحة الحرب الطائفية من جهة، ونكون قد قضينا على الأمل في علمنة لبنان وانقاذه من التجاذبات الطائفية من جهة اخرى. هذا إذا راعيناه، أمّا إذا عارضناه فنكون قد وقفنا في وجه طائفة بكاملها تعتبر الموضوع تحدياً لها وعندها تشتعل العصبيات الطائفية فلا نعود قادرين على مصالحة الفرقاء الطائفيين من جهة، ولا على حلّ المعضلة موضوع الخلاف فنكون قد حجزنا لوطننا المقعد نفسه في ساحة الحرب الطائفية. في الفترة التي سبقت الإنتخابات تعددت الآراء حول قانون الإنتخاب وطرحت قوانين عدّة لكل منها سلبيات وإيجابيات، و إذا أخذنا القانون الذي أيده البطريرك نجد أنه يحقق تمثيلاً حقيقياً ويحفظ حقوق الأقلّية في المناطق، لكنه من جهة أخرى يرسّخ الإنقسام والإنشطار بين اللبنانيين ويزيد لديهم الشعور بالإنعزال والتقوقع (مع العلم أن مشاريع القوانين الأخرى لم تكن بدورها مقنعة)، هذا بالإضافة الى معطيات أخرى قد دعت بعض الفرقاء الى رفض اقتراحه الاّ أن هذا الرفض قابله هجوم مضاد من البطريرك والمطارنة الموارنة وأصدروا بياناً يحمل انذاراً و عبارة «أعذر من أنذر» مستنفرا الشارع اللبناني. وعوض أن نهتم بإجراء الإنتخابات كيفما كانت (فهي بأسوأ حالاتها تمثّل رأي الشريحة الأكبر من كل طائفة) ونرضى بنتائجها لأن التغير والإصلاح لا يتمان دفعة واحدة، فهناك دوماً أولويات وكانت الأولوية يومها لتعزيز الوحدة ووقف مسلسل التفجيرات والإبتعاد عن أي قضية قد تثير نعرات طائفية نحن بغنىً عنها، رحنا نحاول ارضاء البطريرك وتلمس بركته والأسوأ أنه ينسى دوماً أن المواضيع السياسية ليست كالمواضيع الدينية واضحة، صريحة، ولا ريب فيها، بل تحتمل دوماً الصح والخطأ وفق مقاييس غير ثابتة. بالتالي فإن البطريرك ليس مضطراً لأن يكون فريقاً سياسياً يعادي الفرقاء الآخرين في مواقف لا يمكن البت بصحتها . من جهة ثانية، فإن البطريرك _كما مفتي طرابلس_ راح يدعم، منذ مدّة، فرقاء على حساب آخرين من أبناء طائفته. فلطالما كان أركان قرنة شهوان في الشمال يحتمون بغطاء بكركي (من خلال عقد لقاءاتهم لدى المطران بشارة الراعي) أما باقي موارنة الشمال فلم يكن لهم راع. فهل أن سلطته الدينية تمنحه حق التدخل في قناعات أبناء رعيته؟ وهل يمكنه عدم البقاء على نفس المسافة من الجميع بسبب آرائهم السياسية؟ ثم أخيراً هناك مسألة وطنية عليا يكثر اللغط فيها ويحاول البطريرك تحويلها الى مسألة طائفية، وهي قضية رئاسة الجمهورية. فإذا كان البعض يظن أن رئاسة الجمهورية موضوع يخص الموارنة وحدهم دون سواهم فهو مخطىء (كذلك الأمر بالنسبة لرئاستي مجلسي الوزراء والنواب) اذ أن الرئيس ليس مطراناً ولا هو ناطق باسم الموارنة فهو رئيس للجميع يمثل الجميع ومسؤول أمام الجميع عن تصرفاته. واذا كان اتفاق 1943 قد جعله مارونياً فهذا لا يعني أن على الموارنة اختياره بمفردهم. أما طروحات البطريرك اليوم فهي تخيف الموارنة وتصور لهم أن المسلمين سوف يختارون عنهم رئيس البلاد. الحديث بهذا المنطق غير مقبول اذ أن المسلمين بما أنهم أبناء هذا البلد فمن حقهم المشاركة كما باقي الفئات في اختيار الرئيس، وهذا أمر طبيعي بل إنه من غير الطبيعي أن تنفرد فئة في هذا الإختيار. وبغض النظر عن شخص الرئيس الحالي، فإنه لا يحق للبطريرك دعم رئيس الجمهورية لحماية الموقع الماروني وكأنه اذا تعرض الرئيس لحملة شعبية ضده فإن الطائفة في خطر. علينا الإنتهاء من هذا السجال وفصل الطائفة عن السياسة فمن حق السياسيين انتقاد بعضهم البعض دون أن تكون الطائفة متجسدة في هذا السياسي أو ذاك. وربما يجدر بالبطريرك مراجعة حساباته لأنه من بين الذين أفشلوا (من دون قصد )محاولة نهوض لبنان وقضوا على وحدة 14 أذار وحولوا انتصار الشباب الى هزيمة وقضوا على أملهم. فهل ما فعله كان لمصلحة لبنان؟ الحياة السياسية اللبنانية تشوبها مئة شائبة ووطننا غارق في لعبة الحصص والمصالح. والمشكلة، كل المشكلة، أن المسائل ينظر اليها من زاوية الطوائف وعلى أساسها ينسج الحل، والحلول لم تكن يوماً لمصلحة الوطن. ولبنان الذي ما عاد يحتمل طائفية السياسيين المقنّعة فهل يتحمّل طائفية رجال الدين وتدخلهم؟ 25/8/2005 |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||