موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Monday September 05, 2005 الساعة 09:09:28 AM

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

عندما قال جـورج حاوي للشيوعييـن اللبـنانييـن:

احـتـرام الـمـيـت دفـن الجـثـة

سمير سعد مراد *

قميص نصف الكم الصيفية الناصعة، المقلمة بالبني او هكذا تراءى اللون لي، في حر بيروت المكتوية بحرائق الاغتيال. ووجه محايد، مرتد الى الوراء على غير عادة. وزندان بعافية قل نظيرها وظلت طافحة بتلك السياسة الخلاقة النبيلة التي لازمته شغفا لا شفاء منه. ورأس استلقى، بنضجه الفضي المتهدل والمتماوج، على ما لا يرى، وعينان ساكتتان للمرة الاولى بحياته في ساعات الصباح.

انه المنظر الاخير لأبي انيس، للجزء منه الذي شاء التفجير الموجه ان يبقيه متعة للنظر، بمتناول العين العابرة، من خلف الزجاج المعجون لا المكسور، على مقعد السيارة المفخخة بالتفجير الموجه والاعلام الموجه والقضاء الموجه والثقافة الموجهة والفن الموجه والامن الموجه والمجتمع الموجه والسياسة الموجهة والحياة الموجهة.

بوضعية كهذه يزاول الموجه استبداد "حقه المطلق" في التصرف بالحياة بأن يضع حدا لها: دائرة وتنقفل.

اما ذلك الجورج فكان لساعات خلت، حتى الاولى والنصف بعد منتصف الليلة الآيلة الى ذلك المنظر، يضج كيانه اندفاعا بقص حلمه. قل سيرة عمره او التغيير. فمعه، وهو الذي ما كف عن الحلم، يكون آخر العمر آخر حلم تراءى. ترى ما الذي التمع كبارق الحلم على ثغر فرج الله الحلو الراسخ صلابة، وهزءا بمذوبي جسده بالاسيد؟

لذا، حسنا فعل كريم مروه، عندما تحاشى ان يعتبر ما اورده عن لسان ابي انيس، في ما كتب بعنوان "العشاء الاخير مع جورج حاوي" ("النهار" 18 تموز 2005) بمثابة وصيته الاخيرة.

فهذا الجورج لم يخطر بباله ثانية واحدة ان يدبج وصية. حتى مذكراته التي سئل كتابتها لم يكن التكاسل او التقاعس، على ما ارى، سبب عدم التلبية. بل يبدو انه لم يجد وقتا للتقاعد يمضيه في تدبيج رواية الماضي وتظهير العبر، فيما هو منخرط في مسائل الحاضر وقضاياه، بعدما بكر بالاقدام على اجراء نقد الذات والماضي وفي اوانه، باعتبار هذه المهمة جزءا لا يتجزأ وركنا اول من اركان الحث في آفاق التغيير والاسهام برسمها.

احسب لأنه قائد نزيه: ظل يتعلم فيما هو يقود. وظل همه ان يستثير وعيا ويوقظه، لا ان يعظ او ان يلقن. اي تجربة غنية حقا لا تملك الا ان تحض بمنطقها الداخلي بالذات على نقد مجرياتها والتجاوز ابدا. ولذلك، فغالبا ما بدا الاطمئنان الى التلقين والركون اليه مظهرا من مظاهر المحافظة، والتخلف عن الخلق الذي لا يتفتح الا في مجرى التصدي لمصاعب الحاضر وتناقضاته الملموسة.

اما الهرب اعتصاما بالصمت بازاء الحاضر، وبالحرن عند الماضي بصفحاته الناصعة بخاصة، وجعله ارادويا كأنه لا يمضي او "بالاستيقاظ" المتأخر جدا بالزمن الى نقده ما يعني افراغه من اي فاعلية لوظيفته التحريرية، فيفوته النقد والحاضر والتجاوز في آن، بعد اشاحة الوجه عن مسؤوليات الحاضر باستحضار الماضي بديلا من، او تمويها عن، البحث في تناقضات الحاضر بتعيين حلقاتها الاساسية والامساك بها والتصدي لها.

ولعله كان من الاجدر والاجدى في آن، بالنسبة لبعض من رفاق درب جورج حاوي في الحركة الوطنية ممن استيقظوا اخيرا بعد استشهاده الى النقد الذاتي، ان يشتركوا معه ومن زاويتهم ونظرتهم الخاصة بالطبع – بدل ان يعترضوا او يمتنعوا او يركنوا الى الصمت المطبق – في الممارسة النقدية، الكتابية والسياسية الملموسة، التي لم تتأخر بقلم جورج حاوي ولسانه عن تحميل حزبه الشيوعي واطراف الحركة الوطنية الحليفة الاخرى مسؤولية اثقال كاهل لبنان، دفاعا عن القضية الفلسطينية بأعباء قصوى، يعجز موضوعيا عن حملها (حديثه عام 1983 مع مجلة "الطريق").

مثلما لم تتأخر، من جهة اخرى، عن استشعار الاهمية الاستثنائية للمبادرة الى المصالحة الوطنية اللبنانية فور وقف الحرب الاهلية. ففضلا عن كون هذه المصالحة مطلوبة لذاتها من اجل تثبيت السلم الاهلي واستئناف لبنان المسار الديموقراطي لتطوره، فانها كانت تشكل العنصر الاساسي جدا بل المحدد، لتوفير ما راح جورج حاوي يسميه – وما لم يكف عن الدعوة اليه – ملء الفراغ السياسي اللبناني لبنانيا، وقبل ان يترك للآخرين غيرهم امر ملئه المحتوم.

وهذا منذ مبادرته باتجاه حزب الكتائب في لقاء فوار انطلياس ثم باتجاه "القوات اللبنانية" والدكتور سمير جعجع في 1990 و1991. وهي مبادرة تكمن اهميتها البالغة بجزء كبير منها في كونها تمت في اوانها دون اي تلكؤ. لكنه لم ينظر اليها بعين الرضا، لا من القريبين ولا من الابعدين. لا من قوى الصف الواحد في الحركة الوطنية، ولا بخاصة من قبل الممثلين المباشرين في لبنان لسوريا التي يتوافق الكثيرون على انها فوضت دوليا وعربيا بالتصرف بشؤون لبنان على اساس تطبيق اتفاق الطائف.

اما في ذلك الصباح الذي لم يبتعد فيه ابو انيس عن البيت الا قليلا فيبدو انه كان مستغرقا، كما في معظم عادته وحيويته، في تفكر ومعالجة تناقضات لم تجد حلولها بعد. اوليس المستقبل، في احد ابرز اوجهه، كناية عن تناقضات لم تحل، حتى بالمعنى ذاته الذي اعطاه للكناية اساتذة البيان العربي وبلاغيوه الاصلاء؟ لقد شوهد دائما هذا القائد متلبسا بالمستقبل. رغم انها المرة الاولى التي تراه فيها وقد فر من قبضته الوقت الضروري، اليسير انما الكافي ليتفحص مسؤوليته الذاتية عن الغلط الذي ارتكبه متمثلا، هذه المرة، بالغفلة عن المتربصين به اغتيالا.

الى متى سوف يظل الحزن هو الباقي الاوحد على هذه الارض؟

لكأنه، هذا الحزن لازمة الحياة. بل رائحتها الاخيرة التي تخلفها فيما هي تغادر. وليس غريبا ان يتميز القائد النزيه الحقيقي السعي الى التغيير، بهذا الاحساس الضمني الناضح بتراجيديا الزمن، والتي لا تدور رحاها الا على ارض الحاضر بالطبع. حاضر يتنازعه اثنان في اللحظة ذاتها: الماضي بالركون الى معطياته ومحضها طابع المسلمات الصالحة ابدا بل تقديسها، والمستقبل بالقلق عليه فيما هو يتكون جنينا رخصا كتباشير الحلم. فاذا كانت محاولة الجديد امرا صعبا، فالتخلص من القديم امر اشد صعوبة، لكأن عبارات الحياة التي بها يتفكر المناضل مهمة التغيير وسعيه اليه انما تتشكل، او هي محكومة بأن تتشكل، وان بقسط غير قليل منها على الاقل، من مفردات الموت وفجيعته.

عن اصطدام جورج حاوي بتلك الصعوبة الاشد، صعوبة التخلص من القديم، تجدر الاشارة، حسبما ارى، الى مرتين اثنتين على الاقل، شكلت كل منهما حدثا تاريخيا بالنسبة الى الحزب الشيوعي اللبناني انما باتجاهين متعاكسين: النجاح في المؤتمر الوطني الثاني للحزب (1968) والمراوحة بل الاخفاق في مؤتمره السادس (1992).

ففي المرة الاولى نجح جورج حاوي مع مجموعة من الشيوعيين الشباب في التغلب على عقود من الستالينية المستحكمة بالحزب. ولقد تبدى تمكّنهم من عقد المؤتمر الوطني الثاني (1968) بمثابة ولادة حقيقية جديدة اعادت الروح الى هذا الحزب بكونها قد اعادت تأسيسه بصورة شبه جذرية اخرجته من استنقاعه المزمن في التقوقع والعزلة والتحجر الفكري والسياسي والتنظيمي، وحررته من نهج قيادي طالما ابقاه من دون خط ولا برنامج سياسي، وفرض عليه، بالتلازم، الانقطاع عن قضايا شعبه ومجتمعه وبلده وقواه الحية، والالتحاق حتى درجة التبعية بمركز الانتماء الشيوعي العالمي خارجيا. وبمواقع ومواقف قوى سياسية واجتماعية. داخليا، هي من حيث المبدأ وعلى سبيل التبسيط، الخصم السياسي الاجتماعي لعملية التغيير ولطروحات الاحزاب الشيوعية ومسلماتها التقليدية بعامة.

وهنا، فان المتتبع لمسار الحزب الشيوعي اللبناني لا يسعه الا ان يلاحظ الدور المتميز الذي لعبه بخاصة جورج حاوي شخصيا في المضي قدما بالمؤتمر الثالث للحزب (1972) بطرح وتطوير موضوعات جديدة لم تألفها الحركة الشيوعية العالمية وطالما كانت ترفض مبدأ النقاش فيها. وعلى اساس ذلك راح الحزب يتميز عن مقولات ومسلمات الحركة الشيوعية العالمية. وهذا ليس على مستوى المواقف السياسية اليومية بل بشأن مسائل فكرية اساسية تتصل عميقا بجوانب ما كان اصطلح على تسميته بالعملية الثورية، انما بمعطياتها وخصوصياتها وشروطها الملموسة في لبنان والبلدان العربية بعامة. وهي موضوعات ومسائل عادت لتبرز وتتركز بأكثر دقة ووضحا، في نقاشات وتوجهات وخلاصات المؤتمر السادس.

هذا الانعطاف النوعي جعلته النضالات المتراكمة على اساس اطروحات المؤتمرين الثاني والثالث وبرنامجيهما الاستراتيجيين، حدثا تاريخيا اصبح معه الحزب الشيوعي حزبا لبنانيا عربيا ذا حضور فاعل، بل نوعي مجدد، بمبادرات استراتيجية مفصلية في مراحل وتحديات معينة انتزع فيها شرف الاسهام المنزه بصنع لحظات تاريخية فعلا في الحياة اللبنانية والعربية.

وما جبهة المقاومة اللبنانية الا واحدة من هذه اللحظات المشرقة، على اساس التمسك بها ومتابعتها بصفتها خيارا استراتيجيا ضد الاحتلال الاسرائيلي وليس اداة تكتيكية يستساغ ويستسهل امر التنازل عنها او تسليم مقاليد قرارها الى اي نظام عربي كان، يستخدمها من وجهة مصالحه التكتيكية في اطار الصراع العربي الاسرائيلي الذي لم تراكم فيه الانظمة العربية غير الهزيمة والتنازل تلو التنازل بمجرد ان اعتقلت الديموقراطية فأعطبت مجتمعاتها وأودت طاقات شعوبها التي لا تتفتح الا بالديموقراطية.

ما كان لذلك الانعطاف ان يحصل لو لم يعقد جورج حاوي مع تلك المجموعة من رفاقه الاولوية المطلقة للانتباه الى الواقع، الى حركة الواقع، الى الواقع بحركته، باعتباره المرجعية الاولى. فمهمة التخلص من القديم التي كانت مطلوبة على مستوى الحزب، هي في الاصل ومن حيث الاساس مطلب يستدعيه الواقع بتحولاته، قبل ان تستنبط من بطون الكتب والمؤلفات.

جورج حاوي الذي اخذ عليه احيانا الاكثار من الكلام كان من حيث الاساس واحدا من اكثر الذين احسنوا الاصغاء الى نذر التحولات وهمهمتها وهديرها قبل ان تصبح دويا صاعقا، وسيلا جارفا من غير منجى للغافلين عنه. لقد تميز دائما بيقظة الثوري الاستقرائية والاستشرافية التي تتجلى اول ما تتجلى بالانتباه الى "التحليل الملموس للواقع الملموس" – وهو ما لم يكف لينين عن اعتباره "روح الماركسية".

اذا كان ما انجز على اساس المؤتمر الثاني هو الذي محضه طابعا تاريخيا، فان ما لم ينجزه المؤتمر السادس (1992) ما فوت انجازه في اللحظة المناسبة وبصورة حاسمة، هو الذي محض تضييع هذه الفرصة طابع الاخفاق التاريخي. وانا لا اقدم، في هذا الصدد، سوى مجرد قراءة خاطفة، شخصية بالطبع، لمحطة اساسية جدا في مسيرة الحزب الشيوعي اللبناني، المستمرة منذ المؤتمر السادس في خط من التراجع والنكوص والانحدار ارتد بالحزب ذاته، حسبما يتراءى لي من خارجه، الى وضعية ما قبل المؤتمر الثاني.

كما انني لا انسب الى نفسي بالتأكيد قربا قريبا حميما من جورج ولا معرفة وثيقة تواصلت عن كثب مع افكاره واقتناعاته بتطورها، بعد استقالته من الامانة العامة للحزب بخاصة. وهي معرفة ربما تخول ممتلكها ايراد افكار جورج بصفتها اقوالا له ونقلا لها عن لسانه دون ان يجازف بالوقوع في مغبة التقويل. ان كريم مروه وجورج البطل، وربما غيرهما من الرفاق ايضا، يجمعهما الى جورج مثل هذه العلاقة الحميمة بالتأكيد.

اما عن قراءتي لآراء جورج بخصوص ما اراه اخفاق المؤتمر السادس في ان يشكل لحظة تأسيس جديد لتحول نوعي مختلف على مستوى اداة التغيير وقوته المحركة التي لم تعد صيغة الحزب الشيوعي ذاتها بقادرة على ان تكونها، قراءتي هذه انما تستند اولا الى ما سمعته على لسانه شخصيا خلال النقاشات في اطار الاعمال التحضيرية للمؤتمر السادس بصفتي عضوا باللجنة المركزية منذ المؤتمر الخامس 1987، ثم في سياق النقاش والعمل في اطار المتابعة التنفيذية لتوجهات المؤتمر السادس الذي انتخبت فيه عضوا بالمكتب السياسي، والى ما قاله حرفيا في رسالة استقالته من الامانة العامة للحزب بعدما كان المؤتمر السادس ذاته قد اعاد انتخابه لهذا الموقع. (الرسالة بتاريخ 7/9/1992 ونشرت في جريدة "النداء" الاسبوعية في 26/9/1992).

اما بعد انسحابي من العمل الحزبي مع انتهاء اعمال المؤتمر السابق (1993) فلا تستند قراءتي الا الى ما سمعته منه شخصيا في لقاءين اثنين فقط معه. اولهما تم بالصدفة، اذ كنت مع كريم مروة، واتصل هو هاتفيا بكريم قاصدا رؤيته بشأن موضوع معين، ثم انضم الينا. اما اللقاء الثاني الذي تم بعد اقل من شهر ونصف من الاول، فلم يكن غير اللقاء الاخير الذي بدأ نصفه الاول بمشاركة جورج البطل في منزله ويوسف مرتضى ومصطفى احمد، وانتهى نصفه الثاني "بالعشاء الاخير" في وسط بيروت مع كريم.

في اي حال انا مدين، بتظهير قراءتي هذه، الى الرفيق كريم، لاسيما وانه توسع بالقضايا التي طرحها مقاله بما تعدى المسألة الوحيدة التي تركز عليها حديث جورج، فهو قد تناول بالتحديد طبيعة الحركة السياسية الجديدة التي بات على اقتناع حاسم بالعمل من اجل انشائها بوتيرة لم يعد يرى انها تحتمل تأجيلا، واقترح لها تسمية "التجمع الوطني الديموقراطي" على اساس اعلان نص ميثاقي برنامجي لا يتجاوز حجمه الثلاث او الاربع صفحات، يصدر عن "لجنة تأسيسية" وتكون مهمتها دعوة الموافقين على توجهات النص المعلن والموزع الى جمعية عمومية تأسيسية لهذه الحركة او الحزب.

ولقد اعلمني جورج البطل لاحقا عقب جريمة الاغتيال ان جورج حاوي كان قد كلفه بكتابة المشروع الاولي للنص المقترح.

في هذا اللقاء جرى التداول، وعلى سبيل المثال الملموس ليس اكثر، بأسماء عدد من الديموقراطيين اللبنانيين بمن فيهم اسماء شيوعيين سابقين، والذين يمكن ان يكونوا في عداد هذه اللجنة التي يتعين ان تكون إطاراً مقنعاً بانفتاحه لإطلاق المبادرة التأسيسية باتجاه جميع اللبنانيين المهتمين بالشأن العام وبالتطور الديموقراطي لبلدهم. فلا ينبغي، تالياً - أن يطغى عليها – بصفتها لجنة تأسيسية – حضور شيوعي سابق، من شأنه أن يولد الانطباع امام الرأي العام بأن هذه الحركة ليست، ولن تكون، اكثر من تجمع لعدد من شيوعيين سابقين مضافاً اليهم عدد من أصدقاء الحزب سابقا او راهناً، يستعيد تجربة الحزب الشيوعي، وان – ربما – بطبعة منقحة.

غير ان جورج لم ينطلق، في حديثه عن المشروع، من موقع يوحي، لا من قريب ولا من بعيد، بأن المحرك الأساسي لتأسيس هذا العمل السياسي الجديد هو السعي  الى استعادة الحزب الشيوعي اللبناني على صورة يريدها او يعتبرها افضل من تلك التي تظهرها قيادته الحالية بنهجها، قبل تعابير اشخاصها ومواقفهم.

ان أي اجتهاد او تأويل ينحو بتحرك جورج الأخير هذا المنحى انما ينم عن تعويل، على قدرة قائمة بعد لدى هذا الحزب، ومن داخله، على أن يخلق بديلا منه، كي لا أقول نقيضا له. اما جورج نفسه فقد كان، ومنذ فترة طويلة، بصدد أمر آخر تماماً. امر مختلف نوعيا عن الحزب الذي أعطاه زهرة شبابه وزهوة نضجه وعمره من دون حساب. ومحاولة هذا الأمر المختلف نوعيا ما انفكت تراوده فعلا منذ مبادرته الاولى في هذا الاتجاه في المؤتمر السادس.

وهذا بعدما أيقن بصورة جازمة ان هذا الاطار، بطبيعته وهيكليته وبنظرته الفلسفية الى الكون والانسان والمجتمع، وأسسه الفكرية والتنظيمية العريقة الراسخة، وبالمدرسة – الكنيسة التي ينتمي  اليها، ورغم كل النجاحات الملموسة للتخلص من أسر جمودها وتقليديتها في جوانب هامة... ان هذا الاطار لم يعد مؤهلا، عبر المحافظة عليه وعلى طبيعته، ليكون أداة التغيير المطلوبة. لقد أدى خدمته بكل شرف وتفان وتضحيات، لكنه وصل الى نهايته.

وهنا، فثمة عديدون غيري بالطبع ما زالوا يتذكرون عبارة جورج التي أكدها بتكرارها مرات خلال التحضير للمؤتمر السادس الذي استغرق أكثر من سنة (منذ أواخر 1990 على الاقل)، والتي تقول حرفياً: "احترام الميت وإكرامه دفن الجثة".

مهما بدت هذه الصورة، حتى ولو في ظاهرها فقط، على مثل هذه الدرجة البالغة من القساوة والإيلام، لا يجوز على الإطلاق أخذها على محمل التنكر للحزب ولتاريخه ولأجيال مناضليه. كما لا يجوز، من جهة اخرى، إشاحة النظر عما تنطوي عليه من شجاعة كبرى ووفاء بالغ الإخلاص فعلا لذلك التراث، بالاقدام على إعلان حدوث الموت، وإن بدا انه كان من بالغ الصعوبة فعلا على اهل الميت تقبّل هذه الحقيقة او تصديق حدوثها.

وهذا حتى وان كان لينين الذي كان يشغل موقعاً ملهماً جداً، بل ومقدساً في ذلك التراث، يلجأ الى التذكير في أحيان كثيرة بكون "الحقيقة دائماً ثورية". ذلك لأنها تحرر. تحرر من الخوف من كل مجهول بالطبع. ومن العبودية بالتأكيد. إنما من الصنمية كذلك، وأيضاً من تحويل الثورة بل أداتها أي الحزب ذاته الى غاية بذاته، والى ضرب من أسطورة هي أقرب الى ميتولوجيا تعيش خارج تبدل الأزمنة، بل تقتات من ذلك اللاّ تبدل الإرادوي الموهوم، ويصار الى تقديسها والتعبد لها. لكن نشدان الحقيقة، كما الصدق في السعي اليها، لا يحتمل مجاملة، ولا مراوغة ولا مواربة. الموت حق، بالنسبة لكل ما هو حيّ. فلماذا يعتبر الاعلان عنه جحودا وكفرا؟

اما الحياة ذاتها فتأخذ على محمل الجد بالطبع ذلك الحنين الى من وما مضى. إلا انها تتجاوزه، بتميزها المفترض عن الموت، بأن تعيد صياغته شوقاً وسعياً الى وليد جديد. فالحلم الى ذلك الغد الغناء الذي طالما رنا اليه فؤاد الشمالي وفرج الله الحلو ونقولا الشاوي وأرتين مادويان وسليم خياطة وعمر فاخوري ورئيف خوري ومصطفى العريس وغيرهم من الرواد الأوائل، ثم جورج حاوي ورفاق جيله، قد تحول فعلا الى تجربة كفاحية طاعنة في هذه الارض متغلغلة في شرايين تربتها ونسغها ونسيجها وتلاوينها وأريجها. وهذا بكل ما أصابت به، وبكل ما اخطأت فيه، وبكل ما أخفقت الى بلوغه وإدراكه.

وبالانطلاق من ضرورة التمييز بين الماضي ذاته وبين التراث والتجربة، فإن احترام التراث وتجارب الماضي لا يمكنه ان يتجلى بترك الماضي يصادر وعود المستقبل فيقتل الحلم او يعين هوله سلفا السقف والمعالم والحدود. ان تكريم التاريخ، في النهاية، لا يكون بالنظر الى الوراء، بل بالتقدم به الى الامام. والنظر ذاته لا يزاول مهمته حقا الا بعيون ترى، وليس بعيون تعودت ان تعتقد لا أن ترى.

جورج حاوي كان من القلائل النادرين الذين تميزوا بقدرة على رؤية الحدث بظاهره وجوهره وبما بعده، في الآن معاً. ولم يدع الاعتقاد يتحكم بالرؤية، او يحل محل البصر والتبصر. ولقد بادر الى دعوته بوجوب احترام الحزب الشيوعي بدفن صيغته واستبدالها بصورة جذرية بوليد جديد، مندفعاً الى ذلك بفعل انتباهه السباق لطبيعة التحولات والتحديات النوعية عالميا وعربيا وداخليا، وهي كانت من العصف بحيث احدثت – او كشفت – تأزما حقيقياً كان ينتاب وضعية الحزب، بعدما وضعت الحرب الأهلية اوزارها. ولربما كان من محاسن الصدف ذلك التزامن بين التحولات ذات الطابع العالمي وتلك المتصلة بالظروف اللبنانية والعربية المختلفة المستجدة آنذاك.

فثورة أكتوبر التي كانت قد هزت العالم وغيرت وجهه عند قيامها عام 1917، هزته مجددا وغيرت وجهه كذلك جذريا بانهيار النظام الذي اعتبر نفسه بحزبه القائد وريثها الشرعي والوصي الأوحد عليها وحارسها ومرجعها النظري والسياسي الاساس كونيا، فيما كان فعلا يصادر روحها ومثلها المحركة بصورة منهجية.

بل ان التجربة الشيوعية ذاتها على مستوى بلدان العالم بأسره كان لا يمكنها الا ان تنهار بالتلازم، سواء على مستوى احزابها الموجودة في السلطة او تلك التي كانت ما تزال تعمل للوصول اليها. وهذا تبعا لتهافت النموذج المركز الكنيسة الأم بالطبع.

واذا كان الحزب قد بدا بالنسبة لجورج كما لو انه لحقت به لعنة "استيراد" التأزم الناجم عن ذلك الانهيار بحكم الانتماء العالمي للحزب، فهو لم يفته الوعي النقاد بأن الشيوعيين اللبنانيين كانوا "منتجين" لهذا التأزم بدورهم ايضا، بفعل قصورهم عن انتاج ثقافة بعملية التغيير تكون عضوية العلاقة بشروطها اللبنانية والعربية وبظروف التحولات الجارية فيها، رغم كل الذي قدموه على هذا الصعيد، لاسيما قبل اندلاع الحرب الاهلية بخاصة.

ربما اكون مخطئا لو قلت هنا إن مأساة جورج، على المستوى الشخصي بخاصة، تتمثل في المؤتمر السادس بكونه بدا شبه وحيد – على ما أظن – في ما تجرأ على طرحه، ولم يتراجع عنه. فالقيادة على مستوى اللجنة المركزية بدت آنذاك خلال التحضير للمؤتمر السادس بغالبية المتدخلين الساحقة في المناقشات ومن منطلقات مختلفة رافضة لما طرحه - وانا كنت لأشهر على الأقل من ضمن هذه الغالبية. مثلما بدا أن قيادة الحزب الفعلية، أي المكتب السياسي بغالبية أعضائه بمن فيهم مجموعة من الذين رافقوا جورج قبل وبعد المؤتمر الثاني، افترقت عنه هذه المرة، وعملت على أساس أولوية أولى يمكن إيجازها بشعار واحد يقول: "اذا كان الاتحاد السوفياتي قد انهار، فإن الحزب الشيوعي اللبناني لن ينهار". وهذا كان اصلا لسان حال الغالبية الساحقة من الاحزاب الشيوعية، غير الحاكمة في العالم.

غير ان جورج من جهته لم يقتنع بالابقاء على تماسك الحزب بأي ثمن. إن تجنب انهيار الحزب، برأيه، بات مرهونا بالتمكن من خروجه او اخراجه تماماً من حجرات جلده العتيق ومن أسوار الانتماء للمدرسة الفكرية التنظيمية التي أنجبته. فلا التجميل ولا الترميم ولا التصحيح من داخل الانتماء ذاته والجسد ذاته سوف ينقذ من الانهيار. أسطع برهان على تمسكه بذلك اليقين لديه استقالته ذاتها من الامانة العامة رغم كل الاجماع في المكتب السياسي واللجنة المركزية على مناشدته العودة عنها. وإن في النص الحرفي لرسالته بهذا الخصوص ما يؤكد يأسه القاطع من إمكان التعويل على ولادة الجديد من ضمن القديم العريق القدم.

فرغم كل محاولات جورج الصادقة في أن لا تكون رسالته عاملا آخر على انفراط عقد الشيوعيين، فهو لم يتمكن من إخفاء أو كتم العنصر الاساس الذي حدا به الى الابتعاد. ولعل المقطع الآتي ان يكون من اهم الاستخلاصات المسوّغة فعلا لانعدام فرص التجديد من داخل ذلك البناء، لأنه مجاف للديموقراطية بطبيعته وبالتربية التي كان يتأسس أعضاؤه وينشؤون عليها.

لقد ختم جورج رسالته قائلا: "... على الذين سيتابعون المسيرة ان يتقنوا الاجابة على جملة من الاسئلة تبدأ بالهوية الفكرية بحثا عن حل أفضل لأزمة الانتماء، لتمر بتحديد اكثر دقة للقضية الوطنية ومقوماتها، ولتقف عند المسألة الأساس بالنسبة للعامل الذاتي الا وهي امكانية إنتاج علاقات ديموقراطية في بناء قديم لم يتعود الديموقراطية الحقيقية يوما وفي مجتمع لا ديموقراطي، وإمكانية نسج علاقات احترام متبادل وحب وصداقة على قاعدة تراث مثقل بعلاقات النفاق والكبت والانتهازية...".

في ضوء هذه الشهادة الجريئة الجريحة الموجوعة الموجعة، على قلم أبرز قائد شيوعي عربي معاصر ولسانه هو في الوقت ذاته واحد في عداد البارزين من القادة الشيوعيين في العالم في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن المنصرم، ربما بات من الممكن تفسير النجاح في تجديد الحزب في المؤتمر الثاني ومتابعته وتطويره في المؤتمر الثالث، بكونه عملية تمت من حيث الاساس ضمن اطار البناء ذاته.

اما الإخفاق في المؤتمر السادس فلأن العملية لم يعد يمكن حصولها من داخل الحزب ذاته. حتى لو لم يكن جورج شبه وحيد، حتى لو توفرت مجموعة من القياديين، فإن مجرد الانطلاق من عدم الاعتراف بموت هذا الحزب سوف لا يؤدي الا الى تحويله الى عقبة وإعاقة جدية تعرقل التجديد. وهكذا، وبدل ان يكون عاملا اساسياً من عوامل حل تأزم الاوضاع اللبنانية سوف يصبح عنصراً من عناصر المشكلة والتازم. ان السنوات الخمس عشرة الاخيرة من مسيرة هذا الحزب لم تغالط جورج حاوي بل اكدت صحة نظرته.

ان الفشل في هذا المضمار آنذاك لم يثن جورج عن متابعة هذه المحاولة التي اعتبرها مهمة استراتيجية تستدعيها طبيعة التحولات النوعية ووقائعها وفي أي حال، ففي كل النضالات التي خاضها، وتلك التي أطلقها وقادها، لا الانتصارات كانت تسكره ولا الهزائم كانت تقعده او تسمره في هوة اليأس. بل إنه لم يدع للنصر فيها ولا للهزيمة ان يصيغا حصراً، كل من موقعه وعلى اساس النتائج التي تترتب عليه، أدوات التحليل، ولا أن يختزلا فيهما وحسب معطيات الواقع، ولا خصوصا ان تقاس بهما مفاهيم التغيير ذاته او تنحت منهما معاييره.

في اللقاء الاول الذي أشرت الى حصوله بالصدفة قبل حوالى الشهر ونصف الشهر من اللقاء الاخير، وبعد ان انهى جورج حديثه عن الموضوع الذي قصد كريماً من اجله، انتقل فورا الى طرح هواجسه بشأن الحركة الجديدة التي أسمع حديثه عنها للمرة الاولى، بادئا بقول ما حرفيته: "خطأي الاساسي الذي اتحمل انا وحدي مسؤوليته انني لم اتابع حتى النهاية (في المؤتمر السادس) تمسكي" بحزب الشعب اللبناني" بديلا من الحزب. كان لا يجب ان أتخوف من أن يؤدي إصراري على ذلك الى تقسيم الحزب. قلة قليلة فقط كانت سترفض، اما الأكثرية فكانت ستمشي بهذا التغيير".

وهنا سارع كريم الى التعليق: "فعلا صحيح... وأنا ايضا أتحمل هذه المسؤولية". وتم التوافق في هذا اللقاء على استئنافه في جلسة ثانية في ضوء المزيد من  التفكر بشأن الصيغة الجديدة، بما في ذلك محاولة استكشاف مواقف بعض من الاصدقاء والرفاق السابقين من مبدأ ضرورة البحث في حركة سياسية جديدة وفي طبيعتها.

اما الجلسة الثانية فكانت ذلك اللقاء الأخير الذي  امتد حتى الأولى والنصف من فجر اليوم  الذي انختم صباحه باغتيال جورج. هل ان هذا الاغتيال قد شكل في الوقت ذاته خاتمة ولادة الجديد، باسم "التجمع الديموقراطي" أو باسم "حزب الشعب اللبناني"، بعد رحيل جورج حاوي؟ محاولة الجواب على هذا السؤال تقتضي بالطبع مجالا آخر.

غير ان ما سمعته من جورج في هذين اللقاءين يخولني – بل يلزمني – أن أؤكد على:

-1 ان جورج حاوي لم ينطلق اصلا، بما طرحه، إلا من زاوية الموضوع، وليس من زاوية الذات او الأداة. من زاوية ما تستدعيه موجبات التغيير وسط التحولات النوعية في لبنان والمنطقة العربية، وبعلاقتها سلباً وإيجاباً بالتحولات والتحديات الجذرية المختلفة الجارية منذ اواخر القرن المنصرم على مستوى العالم.

-2 الحزب الشيوعي اللبناني لم يكن مطروحا للنقاش. لكأن غيابه التام باعتباره خارج الموضوع بدا من البديهيات المسلم بها من قبل جميع المشاركين في اللقاء الاخير. وأستطيع ان أجزم بأن لسان حال جورج حاوي وفي هذا الصدد تحديدا، ما دام موضوع هذا المقال يتمحور اساسا على ما قاله جورج حاوي، ليس يبتعد عن قول ماركس الشهير: "دعوا الموتى يدفنون موتاهم". وعل كل حال، فالأمر الأكيد أن سعي جورج الى عمل سياسي جديد لم يضع نصب عينيه ابداً ان يكون هذا المشروع جزءاً من الحزب الشيوعي ولا بديلا منه، او من سواه من الاحزاب.

-3 واذا كان جورج قد تطرق بصورة عابرة الى عنوانين اثنين فقط هما مسألة الطائفية في لبنان والعولمة، من خارج الموضوع الجوهري المتصل بالحركة السياسية  الجديدة، فلم تكن اثارته السريعة لهما الا من قبيل سبر مدى التوافق بين المشاركين في اللقاء في النظر الى كل من هاتين المسألتين. وقد ألمح كريم في مقاله بصورة صحيحة الى موقف جورج الفعلي من مسألة إلغاء  الطائفية. اما بالنسبة للعولمة فقد كان جورج حريصا على أن تكون مقاربة هذه المسألة متخلّصة تماماً من الكليشيهات والمحفوظات والادبيات الشيوعية والقوموية التقليدية.

باستثناء ذلك، لم يتوسّع جورج – كما أخذ كريم على عاتقه في مقاله – بتناول المسائل، حتى وإن تعداداً، بما يوحي بأنه بصدد تحديد مسائل برنامجية يتعيّن على الحزب الجديد او التجمّع الجديد التوقّف عندها. فرأيه في العلاقة مع سوريا كان أصلاً موضوع مقابلاته وأحاديثه الاعلامية شبه اليومية في الفترة الاخيرة من غليان لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ونظرته الى انتماء لبنان العربي وعلاقته ببيئته العربية معروفة جداً ولم تتغيّر، بما لا يستدعي الامر التوقّف عندها. وإنه لمن الطبيعي تماماً أن تكون هذه المسائل كلها، او غيرها مما أشار اليه كريم، موضوع تداول سابق بين جورج وكريم. لكنها لم تطرح في أي من اللقاءين اللذين شاركت فيهما.

إن بعض ما توقّف عنده كريم في مقاله يتصل عميقاً بالمؤتمر السادس للحزب الشيوعي اللبناني. بل إن واحدة هامة من فضائل مقاله أنه يستثير ويفتح النقاش في جملة من المسائل. وهناك من بينها مسألة ربما تكون من أهمها، وهي التي تتصل بالنظرة التقديسية للحزب، لحديديته، "لمركزيته الديموقراطية" الحديدية، لوحدته، باعتبارها مفهوماً خالداً حدّده مرة واحدة وللأبد "الكومنترن" والتزمت به كل الاحزاب الشيوعية في العالم من دون استثناء.

إن هذا المفهوم، بالأسس التنظيمية التي تجسّده، عنصر أساسي جداً من عناصر البحث في الموانع القاهرة التي تجعل التغيير من داخل البنية ذاتها أمراً شديد الصعوبة إن لم نقل مستحيلاً. وأحد الأوجه السلبية يتمثّل باختزال شخصية المناضل وخصوصيته كفرد في الهوية الجمعية التي تُؤلَّه وتصبح "تابو" يحرّم المساس بها. بل تكون هي المعيار، في نهاية المطاف، لقياس صحة كل رأي او موقف.

ليس هذا طرح كريم بالتأكيد. بل هو انتقد هذا المنحى بالطبع. ولقد أشار أصلاً في مقاله الى مسألة احترام الفرد في شخص المناضل.

غير أن النقاش الذي يستثيره في هذا الصدد من شأنه، لو شارك العديدون فيه – لاسيما مَن كانوا في مواقع القيادة الفعلية للحزب منذ المؤتمر الثاني بخاصة، وغيرهم ممن شاركوا في القيادة بعده – أن يدفع الى الأمام بمقاربة مسألة ارتباط اتّسام الحزب بالمحافظة بمسألة الانتماء الحزبي، والهوية التي تتّخذ طابع العصبوية المتعصبة. وربما كان للبحث في هذا المجال فائدة ما تضيء، من موقعها، على آلية، او بعض جوانب آلية، تحوّل التحزّب الى أصولية متشددة فاشية.

على أي حال، فإن ما يلفت الانتباه في مقال كريم اشارته – وللمرة الاولى بالنسبة اليّ على الاقل – الى توافق ما، توصلت اليه مجموعة الرفاق الذين صنعوا مع جورج حاوي إنجاز المؤتمر الثاني واستمروا بعده في قيادة الحزب بل كانوا الى جانبه، قيادته الفعلية. ولقد قضى هذا التوافق – اذا أحسنت فهم ما كتبه كريم – بتخلّي عدد من هذه المجموعة عن العمل القيادي الحزبي، كل بطريقته، والانسحاب الى الموقع الذي يختار.

غير أن إيراد هذه الاشارة انطوى، بالمقابل، على عدم وضوح كافٍ بالنسبة للدواعي التي حدت بهؤلاء الرفاق الى اتخاذ هذا الموقف. هل كان ذلك لأنهم تضامنوا مع الرفيق جورج حاوي الذي لم يقتنع بجدوى وقوف او إيقاف المؤتمر السادس في منتصف الطريق؟ أم لأنهم فضلوا عدم تحمّل ما اعتبروه مسؤولية تعريض وحدة الحزب للانقسام والتي أسماها الرفيق كريم في مقاله مسؤولية اخلاقية؟ أم أنهم تغلّب فيهم او عليهم منطق المحافظة على الحزب الشيوعي لاعتبارات عاطفية وذاتية ربما تتصل بمسألة انتماء هو اقرب الى أن يكون فعلاً هوية عمر بأكمله؟ أم لأنهم او لأن البعض منهم كان ما يزال يعتبر فعلاً أن الحزب بذاته هو القضية الاولى التي تستحق، ويتعيّن، الدفاع عنها اولاً واخيراً؟

ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم يرمِ رفاق المؤتمر الثاني للحزب بخاصة بثقلهم الى جانب جورج حاوي في اتجاه الحزب البديل باسم "حزب الشعب اللبناني"، والمسألة أبعد من الاسم بالطبع؟

إن مشاركة المعنيين في تقديم الجواب على ذلك ضرورة ماسّة كي يمكن استبعاد الركون الى مجرّد التقدير الذاتي لفرد واحد، ربما يصيب جزئياً لكنه معرّض في الوقت نفسه للخطأ كلياً - كما هي حال قراءتي. فالإخفاق لم يكن إخفاقاً شخصياً لجورج وحده، بقدر ما كان إخفاقاً للجميع.

غير أن لهذه الضرورة وجهاً آخر بالغ الاهمية يتمثّل بكون تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني، هو في الوقت عينه، جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الشعب اللبناني ومن تراثه، وليس ملكاً حصرياً للحزب الشيوعي والمنتسبين اليه من قبل ومن بعد.

وعلى هذا، فيا حبّذا لو أن الحزب ذاته يبادر الى تقديم أرشيفه، بمؤتمراته ونقاشاته ومداولات هيئاته وقراراته، الى أرشيف التراث الوطني اللبناني في "المحفوظات اللبنانية". إن في هذه الخطوة محافظة أكيدة على تاريخ الحزب وعلى ذاكرة الشعب اللبناني وتراثه، وعلى المعرفة العلمية في آن بتمكين الدارسين والباحثين من الاطلاع على هذا التراث ومقاربته.

أديبنا الكبير سلام الراسي كان من الرعيل الذين دخلوا في صفوف الحزب أيام فؤاد الشمالي. وتحت عنوان "الى الرُّتَيلاء التي أكلها ابناؤها" (في كتابه "من كل واد عصا")، روى خلاصة تجربته مع هذا الحزب الذي فرض "الكومنترن" تغيير اسمه من "حزب الشعب اللبناني" الى "الحزب الشيوعي"، عملاً بأحكام بعض من شروط الانتماء الى الأممية، والتي كان لينين نفسه قد نعتها قبيل وفاته بكونها "روسية مُفرطة".

يروي سلام الراسي قائلاً ما حرفيته:

"... بلغني أن الحزب الشيوعي طرد فؤاد الشمالي من الحزب (وكان من أبرز مؤسسي هذا الحزب وأخلصهم كما يعرف عنه)، فتعقّبته حتى عثرت عليه في مطعم شعبي صغير على طريق الشام، وأمامه ورقة وبيده قلم رصاص.

قلت له: وماذا في مقدورك أن تكتب بعد الآن؟

قال: اكتب رسالة الى الرُّتَيلاء التي أكلها أبناؤها".

ويشرح الراسي في الهامش: "أن الرُّتَيلاء تضع بيوضها على ظهرها، فاذا نقف ابناؤها ثقبوا ظهرها وأكلوا لحمها. فلا ينزل ابناؤها عن ظهرها الاّ وقد اصبحت جثة هامدة".

الشائع، كما هو معلوم، ترداد القول بأن الثورة هي التي تأكل أبناءها. وفي هذا الترداد تحميل غير العاقل مسؤولية تعود للعاقل بالاصل.

من رسالة فؤاد الشمالي الى الرُّتَيلاء، وبعد الرسالة المهينة للانسان وللقيم النضالية النبيلة ولمثل الاشتراكية ذاتها والتي فرض على سالم (فرج الله الحلو) أن يكتبها مكذّباً على نفسه وعلى رفاقه ليبرهن على إخلاصه للحزب، فضّل جورج حاوي أن تكون استقالته من الحزب إقراراً بموت غير معلن للحزب الشيوعي. وعنده، أن الديموقراطية اساساً، بمعنى غيابها وتغييبها، هي الداء العضال المميت.

في لحظة من لحظات تأمل كمال جنبلاط بأسباب إخفاق التجربة التي قادها حتى اغتياله، تراءى له ذلك قائماً، في أحد أوجهه الاساسية، بالفشل في ما أسماه إيغور تيموفيي "تطعيم العالم العربي بالديكارتية" (كتابه عن "كمال جنبلاط – الرجل والاسطورة"). ولقد صاغ ذلك الباحث عبارته تلك انطلاقاً مما قاله كمال جنبلاط لجورج حاوي في أيار 1967 عن أن "المشكلة عندنا نحن العرب ان الثورة العقلية لم تقم بعد...".

وأحسب أن رفيق دربه جورج حاوي توصّل الى اليقين القاطع بأن السبب الرئيس لتأخّر الثورة العقلية عندنا ليس غير غياب الديموقراطية المزمن. وهو في رسالة استقالته من الامانة العامة اعتبر أن الرأي الآخر – أي تعدّد الآراء، كما أوضح حرفياً، بالنسبة للديموقراطية – "هو كتعدّد المعطيات الموضوعية أمام الباحث. كتعدّد العناصر المكونة للشيء موضع الاختبار، كلما جرى استحضارها واحترامها حتى أصغرها وأبسطها، كلما كانت النظرة أكثر علمية والنتيجة أكثر ديموقراطية".

بهذا النضج، وهذه النزاهة، ألّف جورج حاوي أفقاً، وإن لم يؤلّف كتباً. وهذا رغم أنه انزلق، أو اضطر للانزلاق في بعض أحيان ممارسته، لاسيما في ظروف الحرب، الى ما يجافي تلك الخلاصة الديموقراطية الباهرة التي على أساسها قدّم استقالته من قيادة حزب شيوعي في خطوة نوعية قلّما عهدتها أحزاب الحركة الشيوعية في العالم.

أما من جهة ملازمة اخرى، ومنذ محاولة اغتيال مروان حماده بصورة خاصة، فلقد بتنا نعرف أن لبنان قد أُدخل في مرحلة غير مسبوقة، بالغة التعقيد، تزعزع استقراره لتصادر بالقمع والترهيب حيوية شعبه وخياراته، وتطرح على المحك قدرة مجتمعنا على المقاومة. وكرّت سبحة جرائم اغتيال رفيق الحريري وباسل فليحان، وسمير قصير. ولم يكن جورج حاوي وحده الذي تيقّن بأن هذه الجرائم إنما تندرج في سياق معركة منهجية مفتوحة تشن من أجل الإجهاز على الديموقراطية في لبنان. حتى إن استدعى الامر تصفية لبنان ذاته كبلد، بغاية وأد "ربيع العرب" المتفتح في بيروت، على حدّ التعبيرات الكتابية الكفاحية لسمير قصير.

من موقع مواجهة هذه المعركة المفتوحة التي أخطر ما ينجحها التجهيل المنظّم لغاياتها وأهدافها، وتغذية الأوهام بإمكان أن يوقف هذا الاجرام الموجّه عملياته، أبدى جورج حاوي حيوية بالغة من خلال جملة من المبادرات المتتالية التي رمت من حيث الاساس الى المحافظة على قدرة اللبنانيين على المقاومة التي أبدوها في انتفاضة الرابع عشر من آذار.

وجوهر تلك المبادرات، حتى تلك التي تجلّت تسووية بطابعها، كان البرهنة الملموسة على توفّر حل ممكن للتأزم المستعصي، ينقذ لبنان من الوصاية، وينقذ العلاقات اللبنانية السورية المميزة من مأزق اختزالها في الامن. وهو الاختزال الذي بات مدمّراً للجميع بعدما تحوّل الى نظام أمني يمسك بقبضته على مفاصل الحياة اللبنانية ويتحكّم بمصائر تطوّرها.

لكن الذي سارع الى اغتيال جورج حاوي، واغتيال مَن سبقه، هو الطرف الذي لا يريد بالضبط أي حل من شأنه إنقاذ لبنان وتمكينه من استئناف وجوده دولة مستقلّة قابلة للحياة قادرة على التعافي والتماسك والتطوّر. في أي حال، فإن التوقف عند كشف الاهمية التي يمثّلها جورج حاوي في حياة لبنان لا يسعه أن ينطلق حقاً الاّ بعد أن تكتمل جردة حقيقية بكل نشاطه العملي.

موهبة الميت سكينته التي هي حديثه اليك من خلف الزمن. لكأنه بموته بات لك وحدك بعدما كان، او بدا، للجميع. كم هي مكلفة هذه الديموقراطية. لا عافية لها الاّ من عافية الديموقراطيين ولا حياة لها الاّ من حياة الديموقراطيين وأعزهم. ربما هي المعركة الوحيدة التي لا يُصدَّق فعلاً أنها من اجل الحياة.

لم أعد أتذكّر أين وكيف تسنّى لي أن اعرف بأن بيكاسو تمنّى لو ينسى كل ما كان قد تعلّمه من اجل أن يصبح قادراً على أن يرسم كطفل، كما قال، على سرير من ألوان.

هل لمجرد اللعب؟

أما ذلك الرجل، المبدع حقاً، فيمضي "حراً من كل رغبة في الباطن، ومجرداً عن الشهوة وعن القلق، لكن نشيطاً في الظاهر في جميع الاتجاهات. إعمل وكأنك تلعب في هذه الدنيا يا رغافا" (كمال جنبلاط في مقال له بعنوان "في مجال اللعب" – جريدة "الانباء" عام 1966، وأعادت "الاخبار" الاسبوعية نشره في 3 حزيران 1973).

* كاتب لبناني – عضو سابق في الحزب الشيوعي اللبناني

"النهار" (04 - 05 09 2005)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | لماذا منتدى النهضة؟ | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى