|
|
|
آخر تحديث Tuesday July 05, 2005 الساعة 01:19:17 PM |
|
بين النظرة القومية الإجتماعية والقضية السورية القومية الإجتماعية بقلم منير حيدر يبدو أن التمييز بين القومية الإجتماعية كنظرة الى الحياة والكون وبين القضية السورية القومية الإجتماعية أصبح ضروريا جدا بسبب ما تتعرض له هذه القضية من تمييع وإسفاف وفهم مغلوط، ليس بسبب محاولات أعدائها وخصومها، ولكن من قبل شلل وأفراد من الذين يدّعون نصرتها والعمل لها. ذلك أن هؤلاء، بسبب جهل منهم، او بسبب نقص في ثقافتهم وعجز في قدراتهم الفكرية، أو بسبب إستعجالهم وتعطشهم للوصول الى مراكز سياسية أو إجتماعية، أو بسبب محاولة شد الأنظار إليهم من قبل الجماعات الآخرى من سياسية أو إجتماعية أو فكرية وغيرها، او بسبب حسابات خاصة بهم لا علاقة لها بالقضية من قريب أو بعيد، إن كل هؤلاء يساهمون في عملية التمييع ويحققون ما عجز عن تحقيقه خصوم هذه القضية من غلاة وإنتهازيي الطائفيين والغوغائيين أو صبيان الأنظمة وأزلامها. لا يضير النظرة القومية الإجتماعية بشيء، أن يعارضها أو يدحضها ماركسي (أو أي صاحب فكر مخلتف، إستدراكا) يؤمن بالنظرة الديالكتيكية والحتمية التاريخية والاساس المادي للكون، وإستنادا الى هذا الفكر وهذه النظرة: فهذا شأنه ووظيفته ودوره، وهو أمر متوقع وصحي وطبيعي. الحقيقة أن النظرة القومية الإجتماعية لا تتأثر سلبيا في أي مناقشة لها أو معارضة مبنية على أساس فكري ونظري معارض ومختلف، بل العكس هو الصحيح، إذ ان ذلك يفترض ان يكون مصدر غنى لها من خلال ما يفرضه النقاش من إعمال للفكر القومي الإجتماعي وما يمكن أن يصدر عنه من خلق وإبداع يساهم في إغناء المعرفة وتوسيع المدارك ويساعد في فهم افضل للواقع وإستيعاب اكبر لحقائقه. ثم بالتأكيد أن القومية الإجتماعية لا تتأثر من عويل أو جعير أو نعيق جميع أشكال الغربان من النفعيين أو الإنتهازيين اللاهثين وراء أسياد لهم سعيا وراء رزق أو كسبا لمنفعة، أو أستجداء لموقع أو توسلا لإلتفاتة عطف أو رضا. إن النظرة القومية الإجتماعية بحد ذاتها، كنظرة الى الحياة والكون وواقع الإنسانية جمعاء، لا تشكّل مصدر قلق لنا ولا تولّد عندنا إضطرابا، ولا تبعث فينا خوفا عليها من الإنهزام أو الإضمحلال أمام غيرها من النظرات أو الأفكار. فبقاء وثبات وإستمرار أية نظرة شاملة الى الحياة والكون والإنسانية مرهون بصحتها وصوابيتها وصدق تعبيرها عن واقع الحياة وواقع الكون وواقع الإنسانية، والقومية الإجتماعية ليست أستثناء. ثم أن النظرة القومية الإجتماعية لم توجد لذاتها. لقد أوجد سعاده النظرة القومية الإجتماعية، في معرض تصديه لمآسي شعبه وتفتيشه عن طريق لخلاص هذا الشعب، وتأسيسه لقضيته على اسس متينة وحقائق ثابتة. فالقومية الإجتماعية هي نتيجة هذا الجهد البالغ الذي كرس له سعاده حياته من أجل تأسيس القضية السورية القومية الإجتماعية، وفي محاولة منه لأنقاذ شعبنا من مآسيه الموروثة والمستجدة والمستقبلية. ليست النظرة القومية الإجتماعية الى الحياة والكون هي ما نقلق عليه، فهي بدون قضية تبقى إجتهادا فكريا وفلسفيا وعملا من أعمال المعرفة يجد له دائما أنصارا ويكون له دائما معارضوه. إن قلقنا هو على القضية السورية القومية الإجتماعية (القضية من هنا ولاحقا) التي، لا يكفي أن يكون لها أعداء كثيرون يشكلون تهديدا مستمرا ومتواصلا لها، بل تشهد تهديدا من داخلها، تكمن في تنامي أعداد المتقوّلين بإسمها من الذين ينقصهم الفهم الجيد لها والإدراك الحقيقي لأبعادها وطبيعتها وأستيعاب حاجاتها الحقيقية. فبدل أن يكون هؤلاء عامل قوة لقضيتهم يعملون على فهمها ويساعدون على بلورتها وشرحها ونشرها وخلق الفهم الصحيح حولها ولها، وبدل أن يجتهدوا في شرح الحق القومي وأسسه بشتى الطرق والوسائل والأساليب، وبدل أن يعملوا العقل والفكر في إستنباط الطرق والوسائل المساعدة على أثبات الحقوق القومية المتبقية لنا وأستعادة ما سلب او أغتصب أو نهب، نراهم يختبئون وراء جهلهم فيقزمون القضية لتصبح مسألة ديمقراطية حينا، ومقعدا نيابيا حينا آخر، وتعاونا جبهويا في مكان ومعارضة أو موالاة في مكن آخر. ثم يصل ببعضهم التخريف، في معرض التنظير المتفلسف الجاهل، الى إبتداع التفريق بين النظرة القومية الأجتماعية والسعادية، دون أن يحددوا فهمهم للقومية الإجتماعية وما يقصدونه من صكهم لتعبير"السعادية". إن الخوف ليس في تطفل هؤلاء على أعمال الفكر والفلسفة، بل إن الخوف يكمن في أن يكون تطفلهم نتيجة تعمد وتخطيط مسبق يقصد توظيفه، من ضمن ما يوظف في الحرب على القضية ونهضتها. ماذا يمكن أن يكون المقصود بالسعادية إذا لم تعن النظرة القومية الإجتماعية التي أوجدها سعاده وأرسى أسسها وفلسفتها؟ هل يقصد هؤلاء بالسعادية القضية التي أسس لها سعاده، وبالتالي هم يبعدون أنفسهم عنها في معرض التعمية وتغطية السموات بالقبوات، من خلال تأكيد إلتزامهم بالفكر القومي الإجتماعي؟ أم أن أولئك يريدون تثبيت إستقلاليتهم وعدم تبعيتهم لشخص، وبالتالي، هم في حلّ من السير على خطاه، يحق لهم التعديل والتطوير والتغيير والإلغاء، إذا كان التعديل والتطوير والتغيير والإلغاء يتناسب مع صغر طموحاتهم ومستوى تفكيرهم وتطلعاتهم. ألم نر نموذجا من هذا التفكير الطفيلي النفعي الضحل، عندما أسقطت مجموعة من هؤلاء جزيرة قبرص من ضمن تحديد الوطن السوري؟ كم من الوقت سيمضي عندما يسقط جهلة آخرون فلسطين وكيليكيا والأسكندرون والاحواز وسيناء من خريطة الوطن السوري والمجتمع السوري؟ هل إن ما يفعله هؤلاء هو أكثر من هروب الى الأمام يميّعون معه قضيتهم ويدمرون أسسها ويسقطون أهدافها. ما الفرق بين القومية الإجماعية والقضية السورية القومية الإجتماعية؟ نلخص القومية الإجتماعية بأنها نظرة فلسفية الى الحياة الإنسانية والكون وفهم للوجود الإنساني من حيث هو وجود، وليس من حيث مسبباته ومكوناته. فهي، في إدراك منها لواقع الوجود الأنساني، وفي فهمها لحركة هذا الوجود وتاريخه وأحداثه ومؤثراته ومصاحباته وتفاعلاته، ترى أن الإنسانية هي واقع مجتمعات وإنسانيات، لها شخصياتها المتميّزة، وخصائصها المختلفة الناتجة من واقع حياتها والعوامل المؤثرة بها. فتوزّع الأنسانية على مجتمعات وأمم، يعني أن واقع المصالح الأنسانية هو أبعد من أن يكون حتى الآن واقعا واحدا، تتساوى فيه جميع المجتمعات بالحقوق والواجبات والمسؤولية. ذلك أن مصالح أي مجتمع من المجتمعات قد تلتقي أو تتضارب الى حد التصادم مع مصالح مجتمع آخر أو مجتمعات أخرى. هذا لا يعني أن القومية الإجتماعية تسقط من حساباتها إمكانية تطور هذه الإنسانيات الى إنسانية واحدة ذات مصالح واحدة في مستقبل الزمن والأيام. فالقومية الإجتماعية لا تقول ولا تعتقد أن هناك قيودا بالمطلق على الإجتماع الإنساني، بل تفهم طبيعته وتفسره إستنادا الى هذا الفهم. على هذا الأساس هي تدرك أن تطور الإنسانية بإتجاه حياة واحدة، لا يحدث بالتمنيات أو التعسف أو الهيمنة أو القوة، بل هو شيء يخضع لتطور الحياة ونموها والإشتراك فيها. ثم أن القومية الإجتماعية تقول بالأساس المادي-المدرحي للوجود، وتسفّه تفسيرات الوجود على أساس مادي محض أو أساس روحي محض. إستنادا الى هذا التفسير هي تقول بإن مصالح المجتمعات ليست مصالح مادية فحسب، ولا مصالح نفسية وحسب، بل هي مصالح مادية-نفسية، تنتج عن طبيعة المجتمع ونوعية حياته وتطور هذه الحياة ونموها. إنه من الواضح جدا من هذا الملخص للنظرة القومية الإجتماعية الى الحياة والوجود الأنساني، أنها يمكن أن تكون موضع تأييد أو رفض من قبل أي فرد أو مجموعة أفراد أو هيئات في العالم. فهي كنتيجة لعمل وأجتهاد عقلي وفكري وإستنتاجاته وتفسيراته، تبقى خاضعة لإجتهاد العقول والأفكار في كل العالم وعلى مدى الزمن والعصور. أما القضية السورية القومية الإجتماعية (القضية) فموضوع آخر وشأن مختلف. تحدد القضية بالمباديء الثمانية الأساسية للحزب السوري القومي الإجتماعي (الحزب من هنا ولاحقا)، وما يكملها من مباديء إصلاحية خمسة. فهي بالتالي، قضية الوطن السوري والشعب السوري ووحدتهما، وقضية نمو حياة وتطورها وإرتقائها إزدهارها. وهما، الوطن والشعب، محددان تحديدا واضحا مبنيا على مختلف العلوم المتوفرة في زمن سعاده والمتعلقة بالإجتماع البشري، خاصة علم الإجتماع. فالعلاقة بين الحزب وبين القضية هي علاقة عضوية تجعل من الحزب كيانا لا معنى له، إن لم تكن القضية بشمولها وكمالها، هي قضيته ومحور تفكيره ونشاطه وعمله. يبدو أن فهم هذا الترابط بين الحزب والقضية من قبل الكثيرين من المقبلين على الدعوة القومية الإجتماعية، يعاني من ضعف عام ينعكس في سلوك وتصرف ونشاط وتقوّل جميع هؤلاء الخابطين في العمل القومي. الحقيقة هو أن القوميين لم يصلوا مرة الى مستوى الفهم المطلوب لأبعاد قضيتهم وخطورتها وفهم السلوك والعمل المطلوبين من أجل تحقيقها وأنتصارها. فبينما كان سعاده يجتهد ويعمل ويعلم ويبني ويتعب ليرفع المقبلين على دعوته الى مستوى الفهم والإدراك المطلوبين وإستيعاب المهمات المترتبة على هذا الفهم، بقي معظم هؤلاء على مستويات ضحلة من الإدراك للمسؤوليات الملقاة على عواتقهم. لقد أكد سعاده مرارا وتكرارا الترابط العضوي بين الحزب والقضية؛ "فإذا كانت لا توجد لنا قضية تعني كل وجودنا فلا حاجة بنا للقول بالحزب السوري القومي الإجتماعي. نحن في الحزب لأننا في قضية تجمعنا... من أجلها نقف معا ونسقط كلنا معا". فالإيمان بالقضية والإيمان بصوابيتها وبصحة العقيدة المعبرة عنها شرط أساسي للإنتماء الى الحزب والعمل الحزبي. "عوا مهمتكم بكامل خطورتها والهجوا دائما بهذه الحقيقة – حقيقة عقيدتكم ومهمتكم – حقيقة وجودكم وايمانكم وعملكم وجهادكم". "كل عقيدة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الطبيعية الأولى التي هي: أنتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كل ما دون ذلك باطل. وكل عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدد أتباعها". الفهم الصحيح للقضية وخطورتها هو شرط أساسي يسبق العمل لها، من أجل أن يأتي العمل صحيحا، في الإتجاه الصحيح وفي المستوى المطلوب. الفهم الصحيح لخطورة القضية يوجب سلوكا في العمل الحزبي يتعامل مع هذه الخطورة بذكاء وإبداع وشجاعة وبطولة وتفوق. فبينما أظهر القوميون بمعظمهم شجاعة كبيرة وقام الكثيرون منهم ببطولات مميزة وفي أوقات مختلفة، بقي العمل الحزبي في مجمله عملا أنفعاليا، نزقا أحيانا، يغرق في جزئيات تستنفذ جهده وتنهك قواه، وبقي بعيدا عن الإبداع الحقيقي والتفوق العملي. الغريب أن القوميين لم يخضعوا أنفسهم وعملهم لعملية نقد ذاتي متواصلة وجدية كي يتمكنوا من تصحيح ما يجب تصحيحه وإستنباط طرق جديدة للعمل القومي يمكن أن تعطيه دفعا أقوى وتكسبه جدية أكثر. على العكس من ذلك، فالكثيرون من القوميين يبدون وكأنهم لا يتقبلون النقد، حتى البنّاء منه، كي لا تهتز بعض الصور البطولية الزائفة في مخيلاتهم ورؤوسهم. لذلك، مثلا، ترى الكثيرين منهم حتى الآن يصرّون على إطلاق تعبير الثورة الإنقلابية للتدليل على المحاولة الإنقلابية التي قام بها الحزب عام 1961 بدل الإعتراف بطبيعة المغامرة فيها والصبيانية التي طغت عليها مشروعا وتخطيطا وتنفيذا. فهم، بدل أن يقوموا في "غربلة" تاريخهم الحزبي للتمييز بين الزائف والأصيل، وبين الصحيح والغلط، وبين الواقع والمطلوب، يعطون فيه ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ويأخذون العبر من كل ذلك للتخطيط لسيرهم المستقبلي، يميلون الى المحافظة على ما تكوّن في إذهانهم خطأ كان أم صوابا، عبر المرويّات أو الإشاعات. إن ما نشاهده اليوم من إسفاف في الفهم للقضية، وإسفاف في السلوك في العمل المعبر عنها، لم يشهد له العمل القومي مثيلا من قبل. الحقيقة أن العمل الحزبي النهضوي قد عانى إنحدارا متواصلا منذ إستشهاد سعاده وحتى اليوم. طبعا، إن ما كفل إستمرارية العمل الحزبي هو صوابية قضيته وصحة عقيدته، من جهة، ومن جهة ثانية، المواقف والأعمال البطولية الحقيقية، التي قام بها أبطال قوميون، في أوقات فاصلة، عبروا فيها عن أيمانهم بقضيتهم ببهارة وروع وكمالية. لكن صوابية القضية وصحة عقيدتها وكل الأعمال البطولية المعبرة عنها، لا يعني أن أنتصارها هو حتمي وممكن إذا لم يأخذ العمل القومي منحى جديدا يرتفع معه الى حجم المسؤولية ويتناسب مع حجم القضية وحجم الأخطار المتربصة بها. لقد أدرك سعاده منذ البدء مدى الصعوبات والعراقيل والمخاطر التي تقف في طريق القضية القومية، لكن ثقته بشعبه وما له من إصالة وتاريخ، ولدّت عنده آمالا كبارا في أن يستعيد هذا الشعب دوره وينهض بقوة لياخذ العمل القومي بعدا يستطيع معه أن يتغلب على جميع الصعوبات والعراقيل ويقهر ما هنالك من مخاطر. وبدل أن يتنامى العمل القومي ليأخذ البعد المنشود بقي يراوح في المكان أحيانا ويتراجع أحيانا أخرى، بينما إزدادت المصاعب والعراقيل وقويت المخاطر أضعافا مضاعفة عما كانت عليه عند تأسيس الحزب. ما هي المخاطر-التعقيدات-المعوقات التي تهدد القضية القومية؟ الخطرالأول يكمن في تفكك شعبنا وإنقسامه الى طوائفيين وعشائريين وقبائليين وملل ونحل وعائلات وجميع ما هنالك من أنواع العصبيات المجزئة الباعثة على التنافر والكراهية والحقد. إن إنقساما كهذا يجعل الدعوة الى الأخوة القومية وتحقيق الوحدة الإجتماعية عملا بالغ الصعوبة، يتطلب جهدا دقيقا مدروسا متكاملا متواصلا وفوق العادة. وهذا النوع من الجهد لم يعرفه العمل القومي ولم يتوصل إليه بعد، إذا كان هناك من إمكانية للتوصل إليه. ثم أن هذا التفكك وهذاالإنقسام يبقى البوابة الكبرى التي تدخل منها الإرادات المعادية لنا والمتربصة بنا والطامعة بأرضنا ومصادر ثرواتنا، لتنال منا وتطفي أية جذوة عمل نهضوي هادف وفعال. الخطر الثاني والأهم على الإطلاق، يكمن في الإغتصاب اليهودي لأرضنا الجنوبية والمدعوم من البرابرة الأميركيين بصورة خاصة، والمتلاقي مع مطامعهم في السيطرة على مصادر الطاقة في منطقتنا وما بعدها، وفرض إرادتهم علينا كما على شعوب أخرى، يعتقدون أنهم يستطيعون إخضاعها لتلك الإرادة. إن هذا الخطر هو أشد ما تبتلي به القضية القومية، وهو يحتاج الى كل ذرة من المقاومة فينا، في محاولة لردعه ومنعه من تحقيق أغراضه النهائية. الخطر الثالث يكمن في سلب كيليكيا والأسكندرون من قبل الأتراك وما خضع له شعبنا من عملية تتريك هناك. ثم أن القابلية التركية لسلب مزيد من الأرض يبقى مرهونا بحصول ظروف مناسبة ومناخات ملائمة ربما يكون التلويح بحصولها هو أحد أسباب التقرب التركي-الإسرائيلي. الخطر الرابع يكمن في سلخ الإيرانيين منطقة الأحواز وإخضاع شعبنا هناك الى عملية تفريس وقهر وتمييز مستمرة منذ أكثر من ثمانية عقود من الزمن. أما جزيرة قبرص فهي لا تشكل تعقيدا ولا خطرا، إذ أن أمرها مرهون بما يحصل على اليابسة الأم، وقوة دورة الحياة فيها، إذا بقي فيها من حياة. أمام هذه المخاطر تبدو القضية القومية مسألة في غاية التعقيد وكأنها حلم يستحيل تحقيقه. هذا الكلام عن المخاطر غايته وضع صورة القضية أمامنا لتوضيح أبعادها وحجم الجهد المطلوب من أجلها ونوعية المسؤوليات المترتبة عليها. لكن المخاطر الماثلة أمام القضية، لا تلغي صحة القضية وصوابيتها. فإذا كانت القضية بالغة التعقيد حتى الإستحالة، لا يعني ذلك أن أصحابها ملزمون بالتنازل عنها شيئا فشيئا وحقا وراء آخر، فهذا يعني ذوبان القضية وضياعها. إذا كانت قدرتنا في مواجهة هذه المخاطر والتعقيدات محدودة ودون المستوى المطلوب، هذا لا يعني أننا يجب أن نتخلى عن سلاح الموقف إذا كنا ندعي ما ندعيه من وعي وإصالة وبطولة وكبرياء. إن غرض الأعداء الأقصى، ليس إغتصاب الأرض أو أحتلالها أو سلبها أو ضمها أو السيطرة عليها فحسب، إن غايتهم القصوى هوأن يبطلوا وعينا لحقيقتنا وحقنا وأن يطمسوا هذه الحقيقة وهذا الحق، ويقتلوا فينا كل عز وبطولة وكبرياء. غايتهم هي أن نصبح شعبا بدون اصل، بدون تاريخ، بدون ارض وبدون قضية. أن نسقط أو نهمل أن جزيرة قبرص هي جزء من الوطن السوري، لا يعني فقط تجاهل حقيقة جغرافية او إنكارها، بل يعني أننا مستعدون للتغاضي عن أية حقيقة إذا كنا عاجزين عن تحقيقها أو إمتلاكها. هذا يعني أننا مستعدون أن نتخلى عن فلسطين بما فيها الضفة والجولان، ومستعدون أن نتخلى عن كيليكيا والإسكندرون والأهواز، وأكثر من ذلك مستعدون للتخلي عن أي أرض مستقبلا، طلبا للسلامة المزعومة والإستقرار المزعوم. إذا كنا أصحاب قضية، هذا يعني بأننا يجب أن نكون اصحاب موقف. الموقف هو بطولة، والبطولة هي سلاح لا يمكن أن ينكره أحد. وإذا كنا أصحاب موقف، ذي صلابة وعناد في هذا الموقف، هذا لا يعني أن ليس لنا قدرة على الخلق والإبداع ووضع الحلول المناسبة للقضايا البالغة التعقيد. لنأخذ المسألة الفلسطينية، مثلا، وما تتضمن من عقدة يهودية. لقد إغتصب اليهود فلسطين وبنوا لأنفسهم دولة عبرية هناك، بعد أن نجحوا في إستقطاب العالم حولهم وبأساليب مختلفة، وهم لا يزالون يتدفقون عليها من جميع أصقاع الأرض، ويعيثون بشعبنا هناك تشريدا ومعاناة وتعذييا وقتلا. إن أي حل نراه لهذه المسالة لا يتضمن ولا يجب أن يتضمن بقاء الدولة العبرية، كدولة. لكن هذا لا يعني أننا نريد أن نرمي باليهود في البحر، ليس فقط لأننا لسنا قادرين على ذلك، بل لأن لنا من إنسانيتنا ورقينا ما يمنعنا من إبتغاء حلول تتناقض مع أنسانيتنا وإصالتنا. إذا كان اليهود يريدون أن يعيشوا بسلام، وإذا كان الذين يدعمون اليهود من دول وهيئات ومجموعات وافراد، يحبّون اليهود فعلا ويريدون لهم الخير والعيش بسلام وأمن وطمأنينة، عليهم أن يفتشوا عن أساليب أخرى للحل غير اللجوء الى السلاح والقهر والاحتلال والقتل. عندما يقتنع هؤلاء بحل منطقي عادل وشريف، وعندما يتخلون عن أطماعهم وعنجهيتم ويكفّون عن اللجوء الى جبروتهم وقوتهم، وعندما يكونوا مستعدين لمثل هذا الحل، لياتوا إلينا فنريهم كيف تكون الحلول الإنسانية الشريفة العادلة. طبعا، كل فاهم لطبيعة القضية السورية القومية الإجتماعية ولطبيعة الحزب السوري القومي الإجتماعي، يدرك أننا لم نأت بجديد في كل ما قلناه وما قدمناه من شرح. حسبنا أننا أردنا من هذا الكلام وضع الأمور في نصابها امام أعين الذين زاغت عيونهم فاصبحوا متعامين عن حقيقة ماهية الحزب وماهية قضيته. |
|||||||||||
|
|
||||||||||||