|
|
|
آخر تحديث Monday August 08, 2005 الساعة 11:33:51 AM |
|
العودة الى
الإتفاقات اللبنانية ـ السورية طريق الحل لقد انتهى زمن الحرب بالنظارات الذي كان سائداً في العالم العربي في الستينات وحان وقت النظر الى القرن الواحد والعشرين وحاجيات الاقتصاد الحديث والشفافية السياسية. أخطأت الحكومة السورية ووسائل اعلامها عندما تعاطت بسطحية وتسرّع مع العلاقات اللبنانية السورية، وهي علاقات متنوعة ومتشعبة تطال الاقتصاد والسياسة وما بينهما من صناعة وخدمات وديبلوماسية وتكامل وتنسيق حول الشراكة الأوروبية ومنظمة التجارة العالمية وخطوط المواصلات وتحرير التجارة العربية وصناعات النفط والغاز والكهرباء والمياه. وهي علاقات ليست ملكاً أو احتكاراً لأي مجموعة أشخاص أكانوا في لبنان أو في سورية، أكانوا في السلطة أو خارجها. الحبكة الاقتصادية صنعها الدهر والأكيد أن الحبكة الاقتصادية بين لبنان وسورية صنعها الدهر وهي أقوى من مصالح السياسيين وطموحات الحكام وهي حتماً مفيدة لأحلام الشعب السوري وتطلعه الى الرفاهية والاستقرار، والى نزعة اللبنانيين لأفضل العلاقات مع سورية. ورغم أن الحدود هي فعلاً مصطنعة بين البلدين أقامها الاستعمار الأوروبي ولكن هذا ينطبق على كل خريطة المنطقة العربية من الكويت والعراق الى الجزيرة العربية الى المغرب العربي. وليس من حق أي دولة أن تغيـّر هذه التجزئة بالقوة والاخضاع، بل يمكن إزالة مفعول الاستعمار الغربي بالتكامل الاقتصادي والعمل العربي المشترك كما تسعى دول الاتحاد الأوروبي. وحسناً أشار الرئيس بشار الأسد الى أخطاء ارتكبتها سورية في لبنان في كلمته أمام مجلس الشعب السوري في 5 آذار 2005، فكان بداية الاعتراف بأن ثمة خللاً خطيراً في العلاقات لا بد من تصويبه. ولكن بدلا من إجراء مراجعة ذاتية لأخطاء وممارسات امتدت 30 عاماً والتطلع الى تعاون مثمر مع الحكومة اللبنانية، خرجت من دمشق "خطة" من أربع نقاط لمعاقبة لبنان وتحقيق غايات سياسية عبر الاقتصاد. وهذه "الخطة" شملت (1) اقفال الحدود ووقف الحركة التجارية و(2) التضييق على العنصر البشري اللبناني (اعتقال صيادي سمك، طرد موظفين في شركات سورية، ...) و(3) اطلاق تصريحات مسؤولين رسميين عن "قلة وفاء" لبنان و"المطالبة بتعويضات"، الى (4) كتابات في الاعلام السوري الموجّه عن مطالبة باعتذار لبنان واعادة النظر في الاتفاقات الموقعة بين البلدين. تصعيد يؤدي الى المجهول وما يجعلنا ندعو هذه النقاط "خطة" هو أنها ظهرت دفعة واحدة وخلال أيام. وعلى سبيل المثال لم تخرج صحف "تشرين" و"البعث" و"الاقتصادية" بلغة جديدة تجاه لبنان رغم مرور أشهر على الأزمة الناشئة وخروج القوات السورية من لبنان في نيسان الماضي. ونضحت هذه "الخطة" عن سياسة سطحية تهاوت من عدم التفاتها الى مصلحة الشعب السوري. فقد ظنّ من نصح بالخطة أن الرأي العام في البلدين مغفـّل ولا يرى الحقائق الموضوعية ومن دون أن يفهم مصلحة سورية، ومن دون استشارة العقلاء حول الطريق التي يجب سلوكها مع لبنان. والأكيد أن خبراء، كنبيل سكر مثلا،ً لن ينصحوا بتصعيد غير نافع يؤدي الى المجهول. فاللبناني لا يمكن أن يكون إلا أخاً للسوري والكل في لبنان ينادي بأفضل العلاقات. والأكيد أن أفضل العلاقات هي لمصلحة الاقتصادين وللنمو الحيوي للشعبين. ولا يختلف اثنان في بيروت على ذلك بدءاً بالتيار الوطني الذي يقوده ميشال عون مروراً بعائلات الأمراء الرئيسية وجميع أعضاء مجلس الوزراء والمجلس النيابي. ولذلك فمحاولة خلق أساطير عن "كره لبناني لسورية" هي نوع من الصيد في الماء العكر ويجانب الحقائق التاريخية الممتدة ليس فقط الى ما قبل الانتداب بل الى آلاف السنين. ونطرح هنا بعض الأمثلة على اسقاطات وردت في "الخطة"، رغبة في دفع العقلاء للعودة الى الاتفاقات الثنائية وبناء العلاقات على أسس علمية: اعادة فتح الاتفاقات المعقودة في حمأة أحداث آذار 2005 نادى البعض الى اعادة فتح الاتفاقات المعقودة بين لبنان وسورية لأنّها انجزت في ظل الوصاية السورية. ورداً على هذه المطالبة ذكر مسؤول سوري أنّ سورية أيضاً تريد أن تعيد النظر في الاتفاقات لأن ذلك سيثبت أنّ الاتفاقات كانت لمصلحة لبنان أكثر مما هي لمصلحة سورية. هذا الرأي يعاني من أمرين: - الأول أنّه بدون اخضاع الاتفاقات الى دراسات مستفيضة حول وقعها الاقتصادي والاجتماعي في كل من لبنان وسورية (وهذا يستغرق سنوات من المراقبة والتحليل) لا يمكن لأي شخص أن يقول أنّ الاتفاقات هي لمصلحة اي من الطرفين. - الثاني أنّ دمشق لم تدع مجالاً لتطبيق هذه الاتفاقات منذ توقيعها في بداية التسعينات لنرى اذا أفادت لبنان أكثر مما أفادت سورية أو العكس. فسورية عملت دوماً خارج هذه الاتفاقات التي بقيت حبراً على ورق. فدخل لبنان مئات آلاف العمال السوريين واغرقت سورية الأسواق اللبنانية بفوائضها السلعية والزراعية على حساب المنتج اللبناني , وأصبحت مدينة حلب مستودعاً لاستيراد البضائع التركية بغية توريدها الى لبنان وهذا تحرّمه التجارة الدولية تحت باب الـdumping . وباعتراف صحيفة "الثورة" الرسمية في دمشق فلقد بلغ عدد العمال السوريين في لبنان سنوياً بمعدل 350 الى 400 ألف عامل (عدد 28 آذار 2005) ما يشكل 25 بالمئة من حجم العمالة في لبنان ومعظمهم عمل خارج شرعية قانون العمل اللبناني. كما أنّ غزو المنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية قد عطل القطاعات الانتاجية في لبنان من صناعة وزراعة وأدى الى اقفالات. تطبيق قانون العمل اللبناني ولقد أشارت وزيرة سورية الى مسألة تعويض ضحايا سوريين أثناء ممارسات عنصرية بغيضة رافقت الأحداث التي عصفت في لبنان وجراء فقدان عمال سوريين لحقوقهم لدى أرباب عمل لبنانيين. ومن حيث المبدأ لا غبار على هذه المطالبة حيث يتم التأكد من صحة الوفيات وأسباب الوفاة. ولكن هذه المطالبة تقابلها ملفات يمكن فتحها عن خسائر لبنان وحقوقه التي أهدرتها الادارة السورية للبنان. إذ في هذه الفترة كان ثمة مافيا مالية لبنانية سورية مشتركة (وليس مصالح مشتركة) اخترقت المؤسسات العامة والشركات الخاصة الكبرى وبلغ عدد عناصرها 5000 آلاف شخص، فرضت الخوات والعمولات والسمسرة لصالح أفراد في سلطة البلدين وليس لمصلحة المواطنين لا في سورية ولا في لبنان. كما أنّ الحكومة السورية سهـّلت تدفق العمالة السورية فيما أدى ضعف الحكومة اللبنانية الى عدم تطبيق قانون العمل اللبناني. ولقد خالف العمال السوريون ستة بنود من هذا القانون: 1 - الأجور: احداثهم هبوطاً حقيقياً في الأجور في لبنان أصاب سلة الأجور الحرّة في كل المهن والصناعات بنسبة الثلث تقريباً على حساب العامل اللبناني حيث كان أجر العامل السوري أقل من أجر العامل اللبناني. 2 - موجبات الضرائب والرسوم: عدم تسديدهم لموجبات الضمانات والضرائب والرسوم وبالمقابل استغلال رب العمل اللبناني لهذه المسألة بعدم تسديد حصته من هذه الرسوم لكي يقتصد في نفقاته ويستغل العامل السوري. 3 - تصعيد البطالة: دخولهم في مهن ووظائف ونشاطات اقتصادية أخذوا مكان العامل اللبناني الذي كان ممكناً أن يؤدي هذه النشاطات (والكلام أن اللبناني لا يقبل بعض المهن لا يستند الى دراسات موثقة). 4 - تخريب الطبقة العاملة: تدخـّل السلطات السورية بمساعدة أمراء الحرب في لبنان وحيتان الاقتصاد وأحزاب لا تريد مصلحة لبنان في اختراق الطبقة العاملة وزعزعة الاتحادات النقابية واضعاف الحركة العمالية. 5 - تعطيل السلطة الرقابية: إبطال مفعول وزارتي العمل والزراعة . 6 - وتصدير أزمة البطالة من سورية الى لبنان. ولا داعي الى تكرار حجم الخسائر اللبنانية من هذه الممارسات غير القانونية من دون اغفال الفوائد التي جناها جشع أرباب العمل في لبنان أو مساهة الجيش السوري في الدفاع عن لبنان ووقف معارك الحرب الأهلية. مع تأكيدنا أنّ خسائر لبنان من الممارسات السلبية التي أشار اليها الرئيس الأسد بلغت مليارات الدولارات. العودة الى المخرج الصحيح لقد طالب البعض في دمشق بـ"اعتذار" لبناني لسورية مع كلام عن "قلة وفاء". وهذه التصريحات تهمل مسائل جوهرية عدة. أولها أنّ فرصة تاريخية قد سنحت لسورية خلال 30 عاماً لاقناع الشعب اللبناني بفوائد العمل المشترك وتقريبه أكثر من مسألة الوحدة والتكامل. ولكن عملياً أدّت الممارسات الى عكس المطلوب. اذا كانت بعض الكتابات السورية تبرر الانفصال عن مصر عام 1963 بالشكوى من ممارسات الادارة السياسية للاقليم السوري وممارسات العسكريين المصريين فلماذا اذن ممنوع على لبنان الكلام عن أخطاء سورية؟ وهل تاريخ 15 عاماً هو نموذج للعلاقة بين الأشقاء؟ الباب الصحيح لتخطي الماضي هو ما يفعله رئيس الوزراء السوري بالعودة الى الاتفاقات الثنائية لتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية. صدى البلد (08 08 2005) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||