عندما قيل للامين العام لمنظمة
العمل الشيوعي في لبنان محسن إبراهيم، بعد مداخلته الشهيرة، في
مهرجان أربعين جورج حاوي في الاونيسكو، <<وماذا بعد يا رفيق أبو
خالد>>؟، أجاب سائليه <<أطللنا لِنُكمل وليس لننكفئ في البيوت>>.
هذه قصة قائمة بذاتها. فأن يكمل
<<أبو خالد>>، يعني على طريقته الخاصة والمتواضعة، وأيضاً بطريقة
من حوله وهم متأثرون به إلى حد كبير، ولو أنهم يقدّرون له موقعه
الإضافي. لا تكبير للحجر ولا ادعاء قوة او نفوذ، أكثر مما يتيح
الواقع التنظيمي والسياسي. الا ان القبول بواقع <<المنظمة>>
التنظيمي، لا يعني القبول أبداً بواقع ان يكون <<ابو خالد>> على
صورة تنظيمه. لا بل هناك من يقول <<إذا كان يستحيل النظر الى
مستقبل البلد من خرم اليسار، فإنه يستحيل النظر الى <<ابو خالد>>
من خرم <<منظمة العمل>>، فالرجل قيمة فكرية وسياسية وثقافية
لبنانية وعربية، ولذلك يُعوّل على دوره المستقبلي الدافع لليسار>>.
في التاريخ إن محسن ابراهيم من
الذين أسسوا لمصالحة الفكرة القومية والفكرة الاشتراكية. الفكرة
الوطنية اللبنانية والفكرة الوطنية الفلسطينية. هذا الرجل الذي صال
وجال في الحقبة الأكثر صعوبة وتعقيداً في تاريخ لبنان بين منتصف
الستينيات ومنتصف الثمانينينات، قرر فجأة الانكفاء. سعى كثيرون
لإقناعه ولكنهم لم يبدلوا في قناعاته. لم يتخلَّ عن ابرز صداقاته
اللبنانية والعربية، وخاصة مع القيادة الفلسطينية. حاول لعب أدوار
توفيقية واعطى وقته الكبير للمراجعة التي أفضت إصدارات عدة في
الثمانينات، وعاد <<الناسك>> في سنوات ما بعد انتهاء الحرب، الى
صومعته يراقب ولا يجرّب، يستنتج ولا يجاهر، حتى جاءت التطورات
الأخيرة التي عصفت بلبنان بعد الرابع عشر من شباط، وما تلاها من
حراك طوائفي عارم لم يشهد لبنان مثيلاً له منذ نشوئه حتى الآن، ومن
انكشاف دولي لا سابق له. تقاطع تحسس <<الامين العام>> واستشعاره
الخطر الداهم، مع مطالبات كثيرين، في تنظيمه وخارجه، بأنه قادر على
لعب دور لبناني عامة، ويساري أكثر دقة، يفيض عن المنظمة التي ينتمي
اليها، ولكنه يضيف اليها ولباقي اطياف اليسار، لا بل لكل التواقين
الى أفق علماني ديموقراطي بديل لفيدراليات الطوائف التي تكاد تصبح
أمراً واقعاً في لبنان.
رزمة
القضايا اليسارية والأطر
واذا كان الجواب الاول، يقول بان
<<ابو خالد>> ورفاقه سيكملون بعد الاونيسكو، فإن السؤال الثاني هو
كيف سيكملون؟ وهو سؤال عام ومشترك، لا تقتصر الاجابة عليه على محسن
ابراهيم ومنظمة العمل الشيوعي، بل على الاطياف اليسارية الاخرى
وعمودها الفقري، أي الحزب الشيوعي اللبناني، الذي تقول قيادته
ممثلة بأمينه العام خالد حدادة، إنها لم تكن أبداً بعيدة عن خطاب
محسن ابراهيم في الاونيسكو، وهي تعتبر نفسها شريكة في الخطاب كما
في رزمة القضايا التي ينبغي نقاشها مع <<منظمة العمل>> ومع آخرين
في البيئة اليسارية مثل حبيب صادق ونجاح واكيم والحزب الديموقراطي
الشعبي والتنظيم الشعبي الناصري وبعض الهيئات والأندية والشخصيات
والنخب اليسارية في المناطق اللبنانية كافة، وصولاً الى الاتفاق
على عناوين ووسائل تنفيذ برنامج الحد الأدنى في مواجهة قضيتي
الاستعار الطائفي والتدخل الدولي، وهما كانتا في صلب تحركات الحزب
الشيوعي وربما <<ميّزتا>> حضوره في الشارع، في عز حراك <<الساحات>>
الطوائفية في لبنان في الشهور الأخيرة.
يبدأ النقاش بين اهل البيت
اليساري من نقطة البرنامج عادة. تلك مسألة كلاسيكية، لا بل تعكس في
جانب منها الخوف من رغبة البعض في ان يتحوّل نقاش البرنامج الى ترف
نظري او سياسي. لعل الاساس هذه المرة، القول، ما هي حزمة او رزمة
القضايا التي يمكن من خلالها مخاطبة مستقبل لبنان وقضاياه السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والخارجية (العلاقة مع سوريا والموقف من
الصراع العربي الإسرائيلي).
قضايا عابرة
للطوائف
ما يعطي ميزة تفاضلية للقضايا
التي يريد اليسار اللبناني أن يقاربها، بطريقة مختلفة عن غيره، هو
أن تكون قضايا عابرة للطوائف والمناطق ولا تحمل في طياتها أية شبهة
فئوية أو طائفية أو مذهبية. ولعل خطاب محسن إبراهيم في الاونيسكو
والتقرير الأخير الصادر عن المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني،
يشكلان بداية مقاربة وملامسة لهذه القضايا، وما اللقاءات التي عقدت
بين قيادتي منظمة العمل والحزب الشيوعي في الأسابيع الأخيرة، إلا
دليلاً على الرغبة في توسيع المساحة المشتركة بين الجانبين، وهي
مساحة يفترض أن تشكل قاعدة بحث مع آخرين في الأسابيع المقبلة،
وصولاً إلى محاولة لعب دور تاريخي في هذه المرحلة.
<<فأمام الانكشاف الخارجي
والحراك الطائفي، لا بد من دور ما للقوى العلمانية الديموقراطية>>
يقول قياديون في الحزب والمنظمة.
صحيح أن هذه القوى ليست في
الموقع الذي يدعها تصنع أحداثاً كبرى كما في العامين 1975 أو 1982،
لكنها، وعلى تواضع إمكاناتها التنظيمية، من جهة، وبرغم حالة الضعف
والوهن التي تمرّ بها من جهة ثانية، تستطيع أن تدّعي انها يمكن أن
تشكل <<الحاجز>> او <<صمام الأمان>>، ولذلك يتفق الحزب الشيوعي
ومنظمة العمل، على ان الموقع اليساري في لبنان محدد وله حصيلته
وتاريخه وحاضره ومستقبله. المقصود هنا الموقع الاجتماعي الموروث
وبالتالي فان اليسار المستمرّ كمؤسسة هو الحزب الشيوعي، ولذلك
عبّرت المنظمة في أحيان كثيرة عن حرصها الاستثنائي على وجوب لملمة
أوضاع الحزب الشيوعي اللبناني الداخلية ودخلت في بعض الأحيان على
خط النقاش مع بعض المعترضين، بالتنسيق مع قيادة الحزب أو بعلمها،
وسعت باتجاه الحد من قدرة قوى أخرى، أبرزها الحزب التقدمي، على
التدخّل في أوضاع الحزب الشيوعي الداخلية.
المقاومة
وحكمة إدارة الصراع
وبالعودة إلى قضية البرنامج،
يحاول كل من الحزب الشيوعي والمنظمة تقديم رؤية مشتركة حول
الاستهدافات الخارجية. بدءاً بالحدث الأكثر تأثيراً في الإطار
الإقليمي هو الاحتلال الأميركي للعراق، والمأزق الذي يواجهه اليوم
والمخاطر التي تهدّد وحدة العراق واحتمال اندلاع الحرب الأهلية،
مروراً بمقاربة ما يمثله الموقع السوري اليوم، من دون القفز فوق
الممارسات السورية طيلة نحو عقدين من الزمن، والتي كانت القوى
اليسارية والديموقراطية أولى ضحاياها، فضلاً عما ألحقته بالبلد من
أضرار فادحة وبالعلاقات اللبنانية السورية من آثار مدمّرة، وصولاً
إلى ما يجري في فلسطين والموقف من سلاح المقاومة.
وإذا كان لكل عنوان إقليمي
حيثياته، فإن عنوان المقاومة في لبنان هو أحد أخطر وأدق العناوين
السياسية. العنوان الذي يؤشر إلى الاتجاه الذي يمكن أن يتّجه إليه
البلد. بين مَن يرغب بلبنان الموقع الإقليمي المحايد بقابلية
الانزلاق نحو ارتجال السلم مع إسرائيل وبين مَن يرغب فقط بالوظيفة
الإقليمية لسلاح المقاومة من دون إقامة أي وزن للعامل الوطني
اللبناني وعلاقته بمنظومة إقليمية أوسع، مناهضة للمشروع الأميركي
الإسرائيلي بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق، ليس أدقّ من ذاكرة
محسن إبراهيم، في استعادة دور وتاريخ اليسار اللبناني في إطلاق
المقاومة، وبالتالي طرح كم كبير من الملاحظات حول أداء المقاومة
ومحاولات تطييفها وتوظيفها في الداخل والخارج وصولاً إلى التحرير
وكيف فوّت اللبنانيون تحويل انتصار الألفين إلى مناسبة لتأصيل
وإغناء وطنيتهم الجامعة، ولكن كل ذلك لا يعفي أحداً من توجيه
التحية إلى قيادة المقاومة على الحكمة العالية التي أدارت بها ملف
الصراع مع إسرائيل في مرحلة ما بعد التحرير، وماذا كان يمكن ان
يحصل لولا ان المقاومة لم تتحلّ بمثل هذه الحكمة والشجاعة في آن
معاً؟
البديل
الديموقراطي أو العلمانية
لذلك، يبدو أي شرط من شروط بناء
أية جبهة أو لقاء سياسي وثقافي يساري لبناني في المرحلة المقبلة،
هو التأكيد على رفض أية محاولة للتفريط بورقة المقاومة سواء تحت
عنوان الحوار أو غيره من شعارات التكاذب اللبناني. التلازم قائم
أيضاً بين الدفاع عن المقاومة ورفض الوصاية الدولية الجديدة على
لبنان، <<تماماً كما يرتبط ترسيخ الاستقلال والسيادة الوطنية
وحمايتهما، في الحالة اللبنانية بقضية التغيير الديومقراطي>>، يقول
أمين عام الحزب الشيوعي خالد حدادة الذي يعتبر أن المدخل إلى
التغيير يكمن بتنفيذ اتفاق الطائف في شقه الإصلاحي بما يؤدي إلى
تجاوز الطائفية السياسية ووضع قانون انتخابي على أساس النسبية.
إنها فكرة الحاجز صمام الأمان الذي يدعو إليه الحزب الشيوعي.
هذا هو الخيار الإنقاذي او الممر
الإجباري لحماية مستقبل لبنان. الخيار الذي يعتقده الحزب الشيوعي
بأنه <<البديل الديموقراطي للنظام الطائفي في لبنان>>، وهو الخيار
الذي يستوجب تحديد البرنامج وأطره وقواه. أما منظمة العمل الشيوعي،
فتبدو، أكثر جرأة وأقل مسايرة عندما تخاطب بلسان أمينها العام
جمهور اليسار بتبني مشروع العلمانية، بعد بناء كتلته أو حاضنته
الاجتماعية اليسارية في شتى الميادين، خاصة وأن المناخات شرقاً
وغرباً تشي بالمزيد من الانغلاق على الذات، وربما تتطوّر إلى حدود
القول <<لماذا لا ترتب كل طائفة أمورها بالصورة التي تشتهيها، فإذا
كان الشيعة يقبلون بسلاح <<حزب الله>>، فلماذا لا يكون من حق غيرهم
أن يختاروا لغتهم وامتداداتهم وبيئاتهم وثقافاتهم، أي تعالوا، أيها
اللبنانيون، نتفق حبياً على صيغة مركبة لبلدنا بعد أن عجز أحدنا
على فرضها بالقوة على الآخر>>!
انتهى موسم العزف المنفرد، لا بل
قد طال. هناك ورشة فكرية وثقافية وسياسية لا بد من ولوجها. توسيع
حلقات النقاش وتنويع التعبيرات وتكثيف النطق السياسي... يقول <<ابو
خالد>> لنجرِ استفتاء في البلد، مَن مع العلمانية ومن ضدها؟ لننطلق
من خمسة أو عشرة بالمئة مع، ونراكم على هذا الأساس. طائفة صغيرة،
كتلة تاريخية أو مساحة علمانية تتوسّع تدريجياً وتأخذ على عاتقها
مخاطبة مستقبل لبنان وأجياله المقبلة...
<<أبو
خالد>> يفيض ولكنه لا يخرج
لم يعد محسن إبراهيم، على
الأرجح، في حالة سفر دائم، كلما اتصل أحدهم بمكتبه طالباً موعداً،
ولكنه لم يقرّر تحويل مكتبه إلى ديوانية للعاطلين عن العمل. صارت
مكاتب <<بيروت المساء>> تملك قابلية أكبر للتفاعل، بما يفيض عن وزن
المنظمة، وبما يفترض أن يليق بدور أمينها العام وسمعته اللبنانية
والعربية. <<فدور <<أبو خالد>> أكبر من المنظمة، ولكنه ليس خارج
هذا الموقع الاجتماعي والا يصبح كاتباً أو صحافياً لا أكثر ولا
اقل>> يردّد احد مجايليه في <<الحركة الوطنية>> سابقاً.
عندما يتمّ تداول فكرة إعادة
اليسار إلى منبته الأصلي في القضايا الوطنية والاجتماعية، يبدو أن
منظمة العمل والحزب الشيوعي متفقان، على أن تلك العودة، لا مكان
فيها أبداً للمولود الجديد <<اليسار الديموقراطي>>. فثمة تحليل
يجعل موقع هذا <<اليسار الديموقراطي>> وموقفه في خانة سياسية
متقابلة. وهنا ثمة تناقض، فمثلاً، ما هو الفرق بين حبيب صادق
والياس عطالله في السياسة اليوم؟ الأول دائماً يكون جزءاً من أي
بحث في المنبت والموقع، والثاني خارجه. ثمة مفارقة في أن يحتمل هذا
الموقع اليساري الجديد، الناصري أسامة سعد أو الناصري نجاح واكيم
وربما البعض يريده بقابلية دفع وليد جنبلاط نحو علمنة الدروز ليحتل
مجدداً موقع الصدارة، اما الياس عطاالله ويساره الديموقراطي فليسا
ضمن الحسابات!
الملاحظ أنه برغم اتفاق
الشيوعيين، حزباً ومنظمة، على التوصيف السياسي العام للمرحلة
وخطورتها وسرعة الانزلاق نحو المحاذير الطائفية والمذهبية، ربطاً
بنتائج التحقيق الدولي في قضية اغتيال رفيق الحريري والتطورات
الإقليمية المتسارعة، إلا أن حجم الفاعلية، يبدو أدنى بكثير، من
التطلبات اليسارية، المؤطرة أو غير المؤطرة.
نعم الحاجة موجودة للتيار
اليساري الديموقراطي العلماني. وبعض قواه، على ضعفها، تملك مخارج
نظرية عظيمة، حتى يكاد يقول البعض براحة ضمير، إن لا أفق من
خارجها، للحلّ اللبناني الحقيقي، ولكن المسألة تبدو عصية عندما تصل
إلى من يملك القدرة والإمكانات والفاعلية والجاذبية والاختراع
وتغيير نمط الأحلام، وهي مسألة تحتاج إلى تغيير عدة كثرة من
العاملين في الوتوات ووطى المصيطبة. نعم ربما تحتاج إلى هدوء
وبرودة ولكنها لا تحتمل التباطؤ نهائياً، والا فإن مستقبل أهل
اليسار في لبنان يرشّحهم لان يكونوا أهل ذمة أو مجرد لاجئين في
الفيدراليات الآتية، وعندها كان الله يحبّ المحسنين وكان في عون
يسار مرّ على البلد وفوّت الفرصة وإذا أراد تكرار المحاولة، عليه
أن ينتظر طويلاً.
"السفير" (22 08
2005)