عماد مرمل
بعد التمديد للرئيس إميل لحود، صنّف كريم
بقرادوني نفسه في خانة الرابحين، مفترضا ان حصته من <<غنائم>> هذا التمديد
محفوظة، خصوصا انه كان من أوائل الذين تبرعوا للترويج له والدفاع عنه،
ولكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل عندما تشكلت حكومة الرئيس عمر كرامي التي
أقصت حزب الكتائب عن صفوفها، خلافا لحال أحزاب أخرى احتفظت بتمثيلها
الوزاري.
هذا <<الإقصاء>> الذي أحرج الكتائب في الوسط المسيحي أقلق بقرادوني وأثار
في نفسه علامات الاستفهام والتعجب. بعد فترة، جاءت الضربة التالية التي كان
وقعها مدوياً على رأس بقرادوني، فقد صدر فجأة حكم قضائي يبطل شرعية القيادة
الكتائبية ويدعو الى إجراء انتخابات فورية لاختيار بديل عنها. شعر بقرادوني
في تلك اللحظة ان هناك <<استضعافاً>> للحزب، واستنتج بسرعة ان الانقسامات
داخله هي <<الخاصرة الرخوة>> التي يمر عبرها كل ما يسيء اليه.
بموازاة ذلك، كان امين الجميل يخرج من الانتخابات النيابية بنتائج غير
مرضية، إذ ان معظم مرشحيه خسروا معاركهم، ومن فاز تبين انه إستعان
ب<<رافعة>> الآخرين من الحلفاء، كما هو حال النائب انطوان غانم الذي ربح
بأصوات وليد جنبلاط وحزب الله، والنائب بيار الجميل الذي استفاد من هامش
<<المقعد الخالي>> على لائحة التيار الوطني الحر في المتن. هنا، شعر الجميل
بدوره ان ما يخسره كريم بقرادوني لا يربحه هو بالضرورة، بل إن قوى أساسية
أخرى في الساحة المسيحية هي التي تقطف ثمار الخلاف بين الرجلين.
هكذا، تقاطعت في لحظة سياسية واحدة <<ظروف موضوعية>> ولّدت لدى الجانبين
استعدادا للخوض في نقاش حول إمكانية إعادة توحيد الكتائب، ولكن كان لا بد
أولا من خطوة أولى.
ذات يوم، اتصل عضو المكتب السياسي الكتائبي فادي الهبر برئيس الحزب كريم
بقرادوني وأبلغه بأن جوزف أبو خليل (المقرب من أمين الجميل) يرغب في لقائه.
وبالفعل تم اللقاء في منزل الهبر في الحازمية، حيث تبلغ بقرادوني من أبو
خليل انه قام بهذه المبادرة من دون معرفة الجميل <<رغبة مني في جس النبض
وتلمس مدى استعدادك لتوحيد الكتائب>>. واستفاض أبو خليل في شرح وجهة نظره
حيال الاحداث ليخلص الى القول بأن هناك جيلا شبابيا خرج عن كل الاطر
الحزبية في 14 آذار ويحتاج الى من يحتضنه. أجاب بقرادوني بأنه جاهز
للمباشرة في عملية التوحيد إلا انه لفت انتباه محدثه الى ان ذلك يحل مشكلة
الكتائب وليس مشكلة جيل الشباب الذي يبحث عن التجديد، فرد أبو خليل: إذا،
لنبدأ البحث في مشروع التوحيد والتجديد.
في بداية نيسان الماضي، اقترح بقرادوني توحيد ترشيحات الكتائب الى
الانتخابات النيابية، كخطوة أولى على طريق لمّ الشمل. إلا ان ابو خليل عاد
برد غير إيجابي من قبل الجميل الذي كان يفضل فصل مسار الانتخابات عن مشروع
التوحيد، مفترضاً انه سيحصد نتائج جيدة خلالها.
تقبل بقرادوني الامر الواقع، وقال لمفاوضيه من الطرف الآخر: حسنا، نتكلم
بعد الانتخابات...
في هذه الأثناء كان بقرادوني قد باشر في مجموعة اتصالات مع <<حلفائه>>،
مستمزجا آراءهم في احتمال ترتيب تفاهم بينه وبين أمين الجميل، وشملت
المشاورات البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، الرئيس اميل لحود، الرئيس
نبيه بري، حزب الله، الوزير سليمان فرنجية... وجاءته أجوبة مشجعة لا سيما
من البطريرك صفير الذي بدا مسرورا لما سمعه، فيما طلب منه بقرادوني ان يحث
الجميل، عندما يزوره، على المضي قدما في إتجاه تحقيق المصالحة الكتائبية.
مع حلول أيار، إتصل الوزير الاسبق فؤاد بطرس بنائب رئيس الكتائب سيمون
الخازن، موجها عبره دعوة الى قيادة الحزب للاجتماع به. وبالفعل زاره
بقرادوني والخازن وانطوان شادر في منزله حيث سمعوا منه أن الجميل وضعه في
أجواء الجهود المبذولة لإتمام المصالحة وشجعه على المساهمة فيها، فأبدى
الوفد الكتائبي ارتياحه الى أي دور يمكن ان يؤديه بطرس الذي أكد انه سيكون
مستعدا للتدخل من أجل المساعدة، في حال تعثر التوافق على نقاط معينة.
ومع تشكيل الحكومة الحالية وتوزير النائب بيار الجميل فيها، إتصل بقرادوني
بالجميل الابن وهنأه على توليه حقيبة الصناعة. شكره بيار على مبادرته،
وسأله: هل يصلك الكلام الذي أبعثه اليك عبر طريق غير مباشر، فأجابه: نعم،
بالتأكيد.
<<الطريق غير المباشر>> الذي تحدت عنه الجميل يمر عبر صديق مشترك هو كريم
سركيس (ابن شقيق الرئيس الراحل الياس سركيس). وفي إحدى المرات، نقل سركيس
الى بقرادوني رسالة من بيار الجميل مفادها انه يريد ان يجتمع به بشكل
مباشر، وما هي إلا ايام قليلة حتى كان الرجلان يلتقيان في منزل سركيس في
الحازمية.
قال الجميل لبقرادوني ضاحكا: عندما أصبحت أنت وزيرا بدأت تتراجع، الآن أنا
أصبحت وزيرا كذلك ولا أعرف ما إذا كنت سأتراجع. ثم انتقل وزير الصناعة الى
هموم الكتائب، معتبرا ان المتغيرات على المستوى الوطني بعد اغتيال رفيق
الحريري وعلى المستوى المسيحي بعد عودة ميشال عون والافراج عن سمير جعجع
تقتضي إعادة النظر في أوضاع الكتائب، وأضاف: يجب ان نفعل شيئا ما، ونحن
مستعدون للسير بمشروع التوحيد والتجديد الذي ناقشته مع جوزف أبو خليل.
أراح كلام بيار الجميل رئيس الحزب الذي تفاهم معه على البدء في عملية
التوحيد ضمن إطار النظام الحزبي، وبناء على ذلك أطلق بقرادوني في 16 آب
الماضي مبادرته التي دعا فيها الى تنظيم مؤتمر استثنائي للكتائب في تشرين
الثاني المقبل من أجل وضع المشروع السياسي الجامع ومن ثم عقد مؤتمر آخر في
آذار لانتخاب القيادة الحزبية الجديدة. كان هاجس بقرادوني الفصل بين
الانتخابات والمصالحة، حتى لا تؤثر الاولى على الثانية، معتبرا ان الاولوية
هي للتوحيد يليه توزيع السلطة.
في 26 آب تبلغ بقرادوني من الرئيس أمين الجميل بواسطة أبو خليل انه موافق
عموما على المبادرة، ويريد زيارة البيت المركزي في الصيفي. انتقل بقرادوني
يرافقه عدد من أعضاء القيادة الى بكفيا من أجل الإعداد للزيارة، وتوصل خلال
اللقاء الى التوافق مع الجميل على أمرين: الاول، تشكيل هيئة تنسيق هدفها
متابعة الاوضاع وبلورة مواقف مشتركة منها حتى لا تبقى الكتائب رازحة تحت
وطأة لغتين سياسيتين متناقضتين ومتنافرتين الى حين انعقاد المؤتمر
الاستثنائي، والثاني إدخال تعديل على مبادرة بقرادوني يقضي بدمج مؤتمر آذار
المخصص لانتخاب المكتب السياسي بمؤتمر تشرين الثاني المخصص لوضع المشروع
السياسي وتعديل النظام الحزبي.
وبعد أيام، زار أمين الجميل البيت المركزي للمرة الاولى منذ سنوات طويلة،
معطيا الاشارة لانطلاق دينامية التوحيد، على ان يجري بعد عودته من الولايات
المتحدة الاميركية البت في مسألتين تتم مناقشتهما حاليا، وهما: أي موقع
سيكون للرئيس الجميل في الحزب، علما ان هناك اقتراحا قيد البحث ويقضي
باستحداث موقع عميد أو رئيس أعلى يتولاه هو، ثم كيفية تشكيل المكتب السياسي
بصورة توافقية تراعي متطلبات المرحلة المستجدة.
...هي محاولة لابتكار <<طائف كتائبي>> يجمع تناقضات عوالم مختلفة، نمت في
مناخ الانقسام الحزبي على مدى فترة طويلة من الزمن. ولئن كان مهندسو هذا
الطائف، وفي طليعتهم بقرادوني، يسعون الى بنائه على قاعدة توازن القناعات
الاكثر ثباتا، وليس على اساس توازن القوى المتحرك دائما، إلا ان ذلك لا
يمنع طرح تساؤلات من قبيل:
الى أي حد يعكس التطور الحاصل في وضع الكتائب تبدلا في الاحجام بعد
الانتكاسة التي اصابت معسكر كريم بقرادوني في أعقاب اغتيال الرئيس الحريري
وخروج سوريا من لبنان، مقابل نهوض المعسكر الآخر الذي يشكل أمين الجميل
جزءا منه؟
كيف سيتم التوفيق بين خطاب بقرادوني المعروف بدعمه للرئيس لحود والمقاومة
والعلاقات مع سوريا وبين خطاب الجميل المعتمد على مفردات مغايرة؟
أي مهمة مطلوب من الكتائب ان تؤديها في المستقبل؟
هل ان إعادة تفعيلها هي حاجة لبنانية ام هي حاجة محض حزبية؟
وأي مكان لها في الساحة المسيحية بموازاة قطبيها الأبرز: التيار الوطني
الحر والقوات اللبنانية؟
أسئلة برسم الآتي من الأيام... والتحديات.