|
|
|
آخر تحديث Sunday September 25, 2005 الساعة 11:06:13 AM |
|
"ادارة أزمة" التعقيد العربي بقلم كلوفيس مقصود
عندما تفقد الامة وحدتها، او على الاقل وحدة الاستشعار بمصيرها، تفقد الاوطان داخل الامة مناعتها وتضيع بوصلتها وتتعثر وجهة سيرها وبالتالي لا يعود خطابها واضحا، فتفقد "الكلمة العربية" قدرتها على الاقناع ناهيك بقدرتها على التعبير. عندئذ تتحول الكلمة من دور الانارة اذا اتيح لها التعبير الى دور الاثارة، وتصبح الكلمة عندئذ فاقدة لمسؤولية التوجيه كما تفقد كونها معلما مكونا لمرجعية مطلوبة. هذا ما يفسر حال الامة العربية في ما سمي بــ"الزمن الرديء" مما جعل الامة والاوطان المكونة لها عرضة الى الاستباحة والتجاذبات العديدة والتناقضات التي تفتقد سياستنا اي وزن ناهيك بأي استعداد لأخذها على محمل الجد. فحتى القوى الدولية، والاميركية خصوصا التي ترضيها تبعيتنا تدرك ان الالتصاق بارادتها وتنفيذ مآربها تحت عنوان مزور "للواقعية" عمل فاقد للشرعية لكونه غير مقبول ولا مَرْضيّ عنه لدى شعوب المنطقة. وهذا بدوره يفسر حملات "كسب عقولنا وقلوبنا" التي تخطط لها دوائر ما يسمى بـ"ـالديبلوماسية العامة" التي تقودها كارين هيوز مساعدة وزيرة الخارجية والتي تعد من اقرب المستشارين الى الرئيس جورج بوش. الا ان المشكلة تكمن في الذهنية التي تركز على "العلاقات العامة" Public Relations بدلا من العلاقات مع "العامة" بمعنى Public. فالعامة هي الشعب الذي لا ينجذب الى تفسيرات "معلبة" للعلاقات بل يتقبل وينجذب الى سياسات تتجاوب مع حقوقه وتساهم في انجازها وليس الى طريقة تسعى عبرها شركات العلاقات العامة، الرسمية منها والخاصة، الى تلقين الشعوب كيف يجب ان تفهم، فلدى الشعوب العربية من الوعي ما يضمن مقدرتها على التمييز بين المعلب والسليم، الا ان علينا التدارك بكون هذا الوعي الوجداني السائد قد لا تتاح له فرص التعبير نظرا الى طبيعة معظم الانظمة التابعة للصوت وبالتالي للتعبير. هذه الانطباعات تتأكد يوما بعد يوم ازاء المشهد العربي الذي ظهر في اجتماعات قمة الامم المتحدة وشهد اصطفاف "بعض" او "معظم" المسؤولين لمقابلة او لتشاور او للتمهيد للتطبيع مع رئيس وزراء اسرائيل ووزير خارجيتها مما جعل هذا المشهد مدعاة الى الاستغراب حتى من بعض انصار اسرائيل وحمل تفسيرا للمرارة والشعور بالخجل عند معظم شرائح الشعب العربي في مختلف اوطانه، واذا كان هذا لم يكفِ فيجدر بنا ان نسجل ان لبنان بقي بعيداً، مع دول عربية اخرى، عن هذا المشهد المذل، رغم ان المشهد اللبناني داخل دورة الامم المتحدة ظهر مشتتاً، وعناصره بدت، وان لم تقصد، متنافسة كأنها في سباق. الا انها رغم هذه الشرذمة كانت محصنة ضد الانجذاب الى "واقعية" تفقدنا ما تبقى لنا من مناعة قومية. الا ان المشهد العربي في دورة الامم المتحدة ما هو الا مرآة لواقع التفكك في الامة العربية نفسها والناتج من العجز عن ادارة ازمة التعقيد السائدة العلاقات العربية العربية، والذي من دلالاته تعمّد تعجيز الآلية الوحيدة المتوافرة – اي جامعة الدول العربية، بحيث لا يرغب احد في اغراقها، كما لا يرغب احد في تعويمها. هذا التعجيز المقصود يجعل عضوية جامعة الدول العربية بمثابة رفع عتب اكثر من كونها انتماء والتزاماً لميثاقها – الهش – وقراراتها حتى الضبابية منها! لعل ما حصل في اليومين الاخيرين في قطاع غزة مؤشر الى ما نعنيه، كون ازمة التعقيد في العلاقات العربية – العربية ينسحب على العلاقات داخل اوطان الامة. ففي فلسطين المحتلة كان عدم التركيز على ا نتزاع اقرار من اسرائيل منذ 1967 وخصوصاً بعد اتفاقات اوسلو بانها سلطة محتلة ، مدخلاً الى فرض المفهوم الاسرائيلي على سياق المحادثات المسماة خطأ بـ"المفاوضات"، ومن خلال التحيز الاميركي المتواصل أزيد تعبير "أراض محتلة فلسطينية" حتى من أسانيد تعامل "الرباعية"، لا بالضرورة عن جهل بل عن "واقعية" التمرد الاسرائيلي على القانون الدولي. هذا بدوره يفسر ما يحصل في قطاع غزة، فالخروج من غزة تحول "انسحاباً" ووجود السلطة الفلسطينية تحول "تحريراً" وبالتالي انزلقت "المقاومة" في اعتبار الحاصل نصراً وكان لا بد من "الاحتفال". وعندما اشرنا الى ضرورة ضبط المصطلحات صار هذا دليلاً على عدم مشاركتنا في "الفرحة". وكان المشهد الماسوي في غزة بالامس... واستشهاد 19 (الى شهداء آخرين) وانقسام الخطاب الفلسطيني حول السبب، ولعل الدرس هو ضرورة ان نعود الى اول كلمة في الانجيل "في البدء كانت الكلمة" واول كلمة في القرآن الكريم "اقرأْ". ونؤكد في هذا الصدد ضرورة ضبط المصطلح ودقة الكلمة ووضوح الخطاب لنخرج المواقف العربية من حال التلعثم والعجز عن ادارة التعقيد في الأمة، لئلا نجد أنفسنا في خضم الاعاصير التي تعصف بنا في حال العجز الكامل عن ادارة للفوضى. مرة اخرى "اقرأْ"... لانه "في البدء كانت الكلمة". "النهار" (25 09 2005) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||