موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Thursday October 20, 2005 الساعة 10:55:57 PM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

نحن وسوريا: مشقة الاتصال والانفصال

سليمان تقي الدين

زرت سوريا في حياتي ثلاث مرات: مرتين برفقة وليد جنبلاط في العام 1987، الاولى عبورا من سوريا الى الاتحاد السوفياتي للقاء ليغاتشنيف، والثانية للقاء مسؤولين سياسيين سوريين في حزب البعث العربي الاشتراكي وعلى رأسهم الأمين العام المساعد للحزب عبد الله الأحمر. أما المرة الثالثة، فقد ارسلني وليد جنبلاط الى دمشق بهدف تحسين صورتي عندها بالمشاركة في مهرجان لفتح الانتفاضة بعد ان سودت صورتي وشوهتها هناك تقارير الرفيق العزيز الى المخابرات السورية، وقد صار ذا شأن في ما بعد (...) ومن ابطال <<ثورة الارز>>، اتهمتني فيها بأنني كنت عرفاتيا في <<حرب المخيمات>> واسعى الى تحريض وليد جنبلاط ضد سوريا، وانني ساهمت في فصل اصدقاء سوريا في الحزب (محسن دلول ورياض رعد) وقد تلقيت تهديدات عن ذلك. وفي الحقيقة أنني كنت آنذاك ضد حرب المخيمات ومع موقف وليد جنبلاط تماما، ولا اؤمن بمشروع فتح الانتفاضة الانفصالي، فكتبت خطابا يسير بين النقط، لا يقدم ولا يؤخر في الموضوع أصلا، لكنني التقيت الرفيق كريم مروّة في المهرجان فتنازلت له عن دوري في تمثيل القوى الوطنية اللبنانية، فألقى خطابه هو ونجوت من شرب تلك الكأس.

والتقيت في حياتي ضابطين سوريين، الاول عندما دخلوا لبنان العام 1976 فاحتجز احد فروع المخابرات سيارتي فذهبت لفك أسرها. والثاني عندما اجتاحت اسرائيل لبنان في العام 1982 وانحشرنا كقوى وطنية في عاليه فطلبت مني تلك القوى (لعل الرفيق حامد يتذكر) لقاء العميد اسماعيل في بحمدون تحت القصف الاسرائيلي، لحل اشكال كبير بين القوات السورية والحزب التقدمي الاشتراكي، وذهبت بصحبة الرفيقين موريس نهرا (الحزب الشيوعي اللبناني) ورياض عيد (الحزب السوري القومي الاجتماعي) وكانت جلسة عاصفة.

هكذا فإن ثقافتي الميدانية في دمشق ضعيفة جدا. كما ان ثقافتي الدرزية كذلك لأنني لم أزر بعدُ حوران او جبل العرب او جبل الدروز، حيث المكان الذي يلجأ اليه الدروز عادة في محن لبنان. وحيث سيكون الملجأ الاخير عند قيامة القيامة، وتقول الرواية الشعبية زجلا:

<<نيال من لو في السويدا خرابي/ يفرش على حيطانها وينام>>.

وقد هدرت في حياتي مئات الساعات لأضع مخطط شجرة العائلة اذ هي تمتد الى خمسمئة سنة في تاريخ لبنان. ولدي احساس قوي باللبنانية جعلني أتجرأ على عبور أحد الحواجز الكتائبية في العام 1982 وكدت اقتل، ظنا مني أنني لبناني اكثر منهم، وأنهم ربما قرأوا قصيدة أمين تقي الدين او سمعوها بصوت نجاح سلام: <<الله يا لبنان ما أجملك>>، او لعلهم درسوا في الصفوف الابتدائية نص خليل تقي الدين <<وطني لبنان>>.

لكنني رُبيت في بيت كان والدي فيه اشتراكيا جنبلاطيا. فأذكر أنني في الخامسة من عمري بقيت اسبوعا لا اجرؤ على اضاءة الكهرباء في المنزل لان كمال جنبلاط سقط في انتخابات 1957. وان جدي لأمي من فرط حبه لعبد الناصر، كنا نمازحه باخبار سيئة عنه، وانه نام اسبوعا طريح الفراش عندما علم بوفاة عبد الناصر.

أما سوريا فلا تذكر في بلادنا إلا أنها مصدر الغلال والتموين منذ الحرب الكونية الاولى وحصار جمال باشا لجبل لبنان، وكمصدر للدعم والسلاح منذ احداث 1958 وضغوط حلف بغداد.

واذا كنت قد تعاطفت مع الفلسطينيين فلشدة كرهي للظلم، لكنني لم أعرف الكثير عنهم وعن قياداتهم وانما تآمرت لمساعدتهم مثلي مثل الماروني سمير بن حميد فرنجية. ولذلك قصة علمها عند زهير رحال. أذكر هذا تمهيدا للبحث في العلاقات اللبنانية السورية، لان من دواعي النظر السليم في هذه العلاقات ان تكون منزهة عن الهوى والمصلحة، وقد شبعنا في لبنان استزلاما من هنا ومن هناك لهذه او تلك من القوى والدول. ومن حق جيل الشباب اليوم ان يعرف حقائق التاريخ حتى لا يكرر أخطاء تجربة جيلنا. فالتغيير دائما تطرحه العقول الكبيرة وينفذه الابطال ويستغله الأنذال.

سوريا قبل ان تدخل لبنان عام 1976 هي التي زودت المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بالسلاح. وكان ذلك تحت شعار حماية المقاومة الفلسطينية ومنع تصفيتها في لبنان كما حصل في الاردن.
هل كانت لسوريا آنذاك خطة استراتيجية للسيطرة على لبنان؟ في حدود معارفنا اليوم عن معطيات تلك الحقبة، لم تكن سوريا لتحلم بذلك. وقد لعبت سوريا دور الوساطة الحقيقي لوقف تداعيات الحرب. وقد فشلت، لكنها كانت صادقة بداية في حماية السلم اللبناني وايجاد صيغ تعاون بين لبنان وسوريا كالتي تجلت في حرب تشرين عام 1973 والموقف الذي اتخذه الرئيس فرنجية بعبور السلاح السوفياتي عبر لبنان الى سوريا. ولم يكن حافظ الاسد ثوريا رومانسيا صاحب طموح الى ضم لبنان مع ما في ذلك من تغيير للمعادلات والخرائط الاقليمية.

وقع الخلاف بين سوريا والمقاومة والحركة الوطنية عام 1976 لأن الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط ارادت تسوية سياسية أفضل من تلك التي وصلت اليها سوريا مع الرئيس سليمان فرنجية من خلال ما سمي الوثيقة الدستورية. بالفعل لقد شعر كمال جنبلاط بالاحباط نتيجة تضحيات حرب السنتين (75 76) وان تختصر تلك التسوية بتحسين موقع رئيس الوزراء في السلطة.

لقد كان كمال جنبلاط يعتقد بإمكان تحسين شروط تلك التسوية بما يرضي الاحزاب الوطنية والتقدمية واجيال شباب لبنان من خلال مشروع اصلاحي حقيقي تضمنه البرنامج المرحلي آنذاك. وليس لرجل مثله في الستين من العمر ان يعطي التغيير فرصة ثانية قد يطول أمدها. لقد اعتقد كمال جنبلاط ان في تحريك حرب الجبل والاقتراب من العمق المسيحي ومعاقل الكتائب ما يسهل شروط تسوية افضل. لكن السوريين تصدوا لهذا المشروع بقوة ومنعوه. لقد اكتفى السوريون آنذاك بان يحققوا نفوذا في لبنان من خلال علاقتهم بالرئيس فرنجية وكرامي ومن دون ضمانات فعلية على صعيد تركيبة السلطة والنظام السياسي.

قفز كمال جنبلاط فوق الحاجز الاقليمي هذا، ما أدى الى دخول سوريا الى لبنان عبر مطالبة القوى المسيحية والاسلامية بذلك لوقف الحرب. وكان اقتناع كمال جنبلاط انه لن يصطدم بسوريا اصلا لأنها لن تدخل لبنان بالنظر للمعارضة العربية الواسعة لذلك (مصر والسعودية والعراق) وموقف اسرائيل والولايات المتحدة. ومن المعروف ان سوريا دخلت لبنان بضوء أخضر اميركي رسم سلفا حدود هذا الدور، وتم التجديد له في السنوات التالية.

من زاوية النظر الاخلاقية كانت اهداف كمال جنبلاط نبيلة، وهي إحداث اصلاح وتغيير اعمق في بنية النظام السياسي، وربما لو صح ذلك لما حصلت تداعيات اخرى للحرب. ولم يكن كمال جنبلاط يهدف الى قهر المسيحيين كما صورته مواقف سوريا آنذاك، بل اراد تسوية يحتل فيها المسيحيون الوطنيون دورهم. ولطالما ردد ذلك وبالغ فيه. فقد كانت لكمال جنبلاط مشاكل كبيرة مع <<الاسلام السياسي>> ولم يكن يفكر بهيمنة طائفية من نوع آخر. كان الرجل ليبراليا مستنيرا وصاحب مشروع اصلاح وطني ديموقراطي.

لكن دخول سوريا لبنان، لوقف الحرب الاهلية ومنع التقسيم، لم يؤد وظيفته، فبعد ضرب الحركة الوطنية، وقع الصدام بين القوات السورية والقوات الكتائبية عام 1978. يؤكد ذلك ان تفكير سوريا كان خاطئا، وان المشروع السياسي الذي حملته قوى الكتائب وحلفاؤها آنذاك كان مشروعا جذريا، وان كمال جنبلاط كان على صواب في سعيه الى تحقيق توازن افضل في لبنان لمصلحة عروبة لبنان والقضية الفلسطينية والاصلاح.

بضرب الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، لم يعد الصراع بين مشروعين وطنيين لبنانيين، صار الصراع بين قوى لبنانية (الكتائب وحلفائها) وسوريا والفلسطينيين وقوى الاسلام السياسي. هكذا صارت الحرب في طريق الانقسام الطائفي الحاد، وصارت البلاد عرضة للتجاذبات الاقليمية المباشرة. وكان خطأ ما بقي من قوى الحركة الوطنية أنها استأنفت الدخول في لعبة الصراع من خلف دور سوريا وسقطت في لعبة التبعية للقرار السوري.

حصل ما حصل حتى عام 1982، فعندما اجتاحت اسرائيل لبنان شاركت سوريا في التصدي للعدوان ولكن بحدود التزاماتها الدولية تجاه لبنان. اي بحدود ما سمح لها الاميركيون ان تلعب من أدوار وان يكون لها من سلاح وان تكون لها من مواقع. وبالمحصلة، استطاعت سوريا لا سيما بالدعم السوفياتي المباشر ان تعيد التوازن في اللعبة اللبنانية فتعيد اقتسام النفوذ في لبنان بينها وبين اسرائيل. ومن خلال هذه الاستراتيجية استطاعت في ما بعد بالتعاون مع ايران ان تدعم المقاومة الاسلامية في الجنوب وان تبدل التوازن اللبناني لمصلحتها.

في ادارتها للملف اللبناني كانت سوريا تبيع السلم في لبنان الى الغرب والعرب واللبنانيين مقابل نفوذها فيه، وتعزيز دورها الاقليمي. وقد استطاعت تجديد هذا الدور عام 1990 مع حرب الخليج وتعاونها مع اميركا. وبالفعل ثبت بالتجربة ان استقرار مصالح سوريا في لبنان، يحتاج الى الاستقرار في الداخل اللبناني وانها نجحت في فرض هذا الاستقرار مع فرض سقف سياسي اقل للبنان، ومع سقف اقل للحريات ومع كبح للقوى السياسية وارساء توازنات تخدم نفوذها. في تلك السنوات من الطائف حتى عام 2005 وحدها القوى السياسية المسيحية مارست دور الممانعة رافضة هذا السقف السوري للبلاد، وما عدا ذلك قوى انخرطت في لعبة السلطة كما كانت ترسمها دمشق. بل لقد زايد البعض من هؤلاء على دمشق نفسها في حماية وجودها ومصالحها. واستدرجت هذه القوى سوريا للتدخل في كل شيء والمشاركة في كل شيء. ان اللبنانيين المتعاونين مع دمشق لم يسهموا ولا مرة واحدة في وقف تدخلها او الحد منه، او العمل في سبيل تعزيز مقومات الدولة والاستقلال في لبنان.

قبل شهور قليلة من انفجار الازمة مع سوريا بدءا من قرار التمديد لرئيس الجمهورية، كنت أناقش مع القوى السياسية المتذمرة آنذاك التي انقلبت على سوريا في ما بعد، امكانية تشكيل معارضة ديموقراطية حقيقية لاصلاح النظام والحد من الهيمنة السورية وتداعياتها السلبية على البلاد، فكان الجواب قاطعا بأن ليس لهذا المشروع من قوى في لبنان.

من الواضح اذاً أن ثمة طارئا خارجيا ساعد على الأقل في تشكيل القوى التي انتفضت فجأة بوجه الدور السوري. ولا نعيب على هذه القوى ذلك خاصة ان تستفيد من التحولات في موازين القوى الدولية والاقليمية. لكن من الواضح اكثر ان الدخول في <<لعبة الامم>> كان دائما مكلفا وغير قابل للتحكم.

وكانت سوريا ستخرج من لبنان بقرار دولي عاجلا أم آجلا ولم تكن الامور بحاجة لأن نورث العلاقات اللبنانية السورية كل هذه الاحقاد والمنغصات التي ظهرت في الحراك السياسي الداخلي. ومع ذلك ورغم ذلك كان يمكن استدراك الامور لو ان هناك وعيا وحرصا على الحد من موجة الوصاية الدولية الزاحفة على لبنان بقوة كالتي نشهدها اليوم. ففي نهاية الامر لبنان سيبقى في موقعه الجغرافي والتاريخي، وسيكون محكوما بتسوية علاقات الجوار إن لم يكن علاقات الأخوة.

خرجت سوريا من لبنان كما دخلته بقرار دولي. لكن التدخل السوري في لبنان لتوجيه سياساته كان سابقاً على القرار الدولي وتحفزه جملة اعتبارات مصلحية تاريخية وحالية، في مقدمتها الاعتبارات الامنية والسياسية والاقتصادية قبل الايديولوجية. خلال السنوات الماضية كان يظنّ في دمشق كما قال مسؤول أمني كبير، إن خروج سوريا من لبنان بمثابة توجيه رصاصة الى رأس النظام. تبين فعلياً ان خروجها من لبنان كان إنقاذاً لرأس النظام، او على الأقل الخطوة الضرورية لمنع مواجهات وتداعيات من نتائجها ضرب النظام في دمشق. لكن النظام خسر جزءاً من شرعيته، والكثير من مصالحه السياسية والاقتصادية. هذا ما يعني ان النظام يفكر في التعويض عن هذه الخسائر. والخطأ الشائع عند اللبنانيين، هو إسقاط تصوراتهم عن مصالح سوريا وسلوكياتها الامر الذي لا يتفق مع التصرّف السوري.

سوريا تتعرّض الآن لضغوط تستهدف إنهاء دورها الاقليمي في لبنان وفلسطين والعراق تمهيداً لتغيير طبيعة نظامها وإدراجه في خانة القبول بالمواصفات الاميركية. من الخطأ التفكير انها فقدت كل عناصر الدفاع، ومن الخطأ التفكير أنها تستطيع التكيّف مع الشروط الأميركية دون ان تخسر نفسها. النموذج الليبي، لا يصحّ في سوريا لألف سبب وسبب وفي المقدّمة قضية الجولان.

أظهرت سوريا في الماضي والحاضر مرونة استثنائية في تقديم التنازلات والسعي للتعاون مع الولايات المتحدة الاميركية سواء في لبنان منذ العام 1975، وسواء في حروب الخليج، وأخيراً مع حرب العراق والقرار الخاص بلبنان 1559. لكن فيما يتعدّى ذلك يصعب على سوريا الاقتراب مما تسميه الشروط الإسرائيلية. لذلك رأينا سوريا تبدي قدراً كبيراً من الاستعداد للتعاون ثم هي تلجأ الى الممانعة إزاء بعض القضايا الرئيسية.
قدّمت سوريا ثلاثة تنازلات مهمة:

التعاون في موضوع مكافحة الارهاب ومساعدة الولايات المتحدة في بعض القضايا الخاصة بالعراق. يحكى هنا عن كم هائل من الملفات التي قدّمتها سوريا للادارة الاميركية خصوصا الملفات الأمنية لمواجهة بعض الجماعات الإرهابية. كذلك طرحت صيغاً واضحة للتعاون فيما خصّ ضبط الحدود، فلم تبادر الولايات المتحدة نفسها الى ترجمتها.

التراجع الكبير في مستوى دعم المنظمات والفصائل الفلسطينية والخدمات اللوجستية لها في دمشق ولا سيما إقفال المكاتب الإعلامية، ثم المصالحة مع السلطة الوطنية الفلسطينية وإسقاط التحفظات عن اتفاق اوسلو والقبول بما تقبله السلطة فضلاً عن المساعدة في الوفاق بين الفصائل والسلطة.

الانسحاب من لبنان تنفيذاً للقرار 1559 فيما يخصّ سوريا، وعدم التصدّي المباشر للانقلاب السياسي الذي حصل في لبنان، وإعلان الرغبة والاستعداد على التعاون فيما خصّ التحقيق المتعلق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، والاندفاع السوري والتوسط طلباً لتجديد المفاوضات مع إسرائيل بدون شروط مسبقة.

واجهت الولايات المتحدة هذه الخطوات السورية بتجاهل كامل لأهميتها، وواجهت الاستعداد السوري الدائم والملحّ للحوار، بالمزيد من الضغوط السياسية وتصعيد المواقف ضد سوريا على جميع الجبهات ومن بينها إدارة الملف اللبناني بتجاهل كامل لمصالح سوريا في لبنان. فالقوى التي تدعمها الولايات المتحدة في لبنان تذهب بعيداً في محاولة اجتثاث النفوذ السوري وإضعاف القوى الحليفة لسوريا. لكن القوى الحليفة لسوريا في لبنان لم تسقط كلها في هذا الانقلاب السياسي وما تزال تملك قوى فعالة قادرة على مواجهة الموجة السياسية التي انعكست في الانتخابات النيابية. وليس خافياً ان <<حزب الله>> يشكل نقطة ارتكاز اساسية على الصعيدين السياسي والمادي، فضلاً عن وجود قوى وشخصيات وتيارات قادرة على إقامة نوع من التوازن القلق داخل الساحة اللبنانية.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد اعتبرت أن تحرير لبنان من النفوذ السوري هو خطوة أساسية على طريق تطويع النظام السوري، إن لم يكن إسقاطه، فإن سوريا لن تتوقف عن التعامل مع لبنان كساحة صراع غير محسومة النتائج، وان الامور ستجري فيه سجالاً بحيث لن تستقر وتترسخ الهيمنة الاميركية عليه. وهذه من بداهة الامور في التفكير السياسي لدولة إقليمية كانت لها تلك الامتيازات الاستثنائية في لبنان على مدى ثلاثين سنة. نقول هذا الكلام لا حبا بسوريا ولا كرها لها، بل مجرد تشخيص لواقع سياسي يرتّب نتائج في كيفية التعامل مع سوريا اليوم.

وإذا صحّ التقدير ان سوريا التي واجهت في لبنان نوعا من سياسة العزل والعزلة دوليا وعربيا، قد بدأت تستعيد دورها الاقليمي بتجديد التعاون مع محور السعودية ومصر فضلاً عن علاقاتها الوطيدة بإيران، وأنها لم تفقد صلاتها المهمة بالمنظمات والفصائل الفلسطينية وكذلك مع القوى اللبنانية التي سبق ذكرها، فإن دمشق تسعى الآن إلى إجراء تعديل حقيقي في التوازن السياسي الإقليمي مستندة الى جملة معطيات مهمة:

المعطى الفلسطيني والتعقيد الحاصل على مستوى مسيرة التسوية.
المعطى العراقي والعقبات الهائلة التي تواجهها الولايات المتحدة في حسم الموقف العراقي.

المعطى اللبناني الذي يستعيد توازنه تدريجياً بعد نجاح <<حزب الله>> في ردّ الهجمة السياسية الواسعة سابقاً لسحب سلاحه وفرض عناوين جديدة للبحث في الخيارات اللبنانية، فضلاً عن تراجع حدة الأزمة الناتجة عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري، من خلال ضبابية التحقيق وعدم حسمه.

إزاء ذلك كله، من البديهي أن تتحرك دمشق على الساحة اللبنانية باستخدام كل إمكاناتها بما في ذلك الإمكانات الأمنية حتى لو كانت تلك التحركات مدانة أخلاقياً. وسواء أكانت تلك التحركات مساهمة في اعمال التفجير والعنف والاغتيال، او عبر تحريك الأدوات السورية في المخيمات الفلسطينية.

ومن الواضح أن لبنان يفتقد الآن الى المناعة الأمنية، بعد انتقال مرجعية الأمن إليه، كما يفتقر الى العنصر الأساسي لضبط الأمن وهو الوفاق السياسي، فضلا عن انكشافه السياسي والأمني الواسع جراء نشاط جميع الاجهزة الدولية والقوى والتيارات الداخلية. فهل يمكن ان تحل مسألته الأمنية عبر تعزيز التقنيات والإمكانات الفنية كما تقترح المرجعيات السياسية والامنية اللبنانية، ولو من خلال التعاون مع أرقى الدول وأرقى الخبرات؟ لعل السؤال يجيب عن نفسه، لأن الجريمة التي نواجهها في لبنان ليست من نوع الجرائم العادية بل جرائم سياسية. ومن البديهي القول إن المدخل لمعالجة الجريمة السياسية هو السياسة لا الأمن.

واذا كان من الايجابي الآن بدء حركة حوار بين القوى اللبنانية نفسها وبين الدولة اللبنانية والمنظمات والفصائل الفلسطينية، فإن من الضروري تذكير المسؤولين اللبنانيين، بان الامور لا تحلّ من طريق السخرية فيما تعتبره الجهات المسلحة أو المتوسلة للعنف قضيتها. ومن العمى السياسي تجاهل نوع التناقضات التي تدور في المنطقة والتقليل من أهمية الصراع السياسي في المواجهة مع ما تسمّيه الحركات المسلحة <<امبريالية واستعمار وصهيونية>>. ومن المعروف أنه ليس من طريق التجميل اللغوي او اللفظي او تغيير المصطلحات يمكن ان تحل المشكلات السياسية.

طالما أن المنطقة عرضة لهذا التجاذب السياسي الدولي والاقليمي، وطالما لبنان يشهد مرحلة انتقالية لم يتعزز فيها أمنه، بل يواجه بؤرا أمنية حقيقية وقوى تتصل أهدافها بصراعات المنطقة، فيجب التفكير اذن بالشأن السياسي لضبط الأمن.

من هنا الأهمية الاستثنائية للوفاق السياسي الوطني اللبناني كمدخل لتحصين الوضع الأمني الداخلي، وكمدخل لفتح الملفات الاقليمية نفسها بشقيها الفلسطيني والسوري.

هناك توافق لبناني بين القوى الاساسية على عدم تكرار تجارب الماضي مع سوريا، وقد جاء الطائف بنص صريح عن تعاون البلدين في مجالي السياسة والأمن، فلا يكون أي منهما ممراً او مستقراً لأي تهديد أمني من الخارج. وإذا كانت سوريا تشعر بالاستهداف الغربي لها من بوابة لبنان، وليس في الأمر مبالغة الآن مع خطابات الرئيس الاميركي بوش، فمن مصلحة اللبنانيين أن يعطوا سوريا التطمينات والضمانات على هذا الصعيد. ولسنا نعتقد ان سياسة التجاهل التي تديرها الحكومة وتأجيل الحوار، والسير حثيثا في خطى الانفصال عن سوريا سياسياً وأمنياً، والاصغاء فقط للنصائح إن لم نقل المطالب الاميركية، يمكن ان يوصل الى نتائج مرضية. ولا تدري تماما كيف تفكر الأكثرية النيابية الآن ومعها حكومتها بالعلاقات اللبنانية السورية، وما اذا كانت نتائج التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ستغير الجغرافيا والتاريخ بحيث تقرر وحدها الاتصال او الانفصال عن سوريا. اللهم إلا اذا كان هؤلاء يراهنون على دور دولي ما يحل جميع المشاكل وربما عن طريق إزالة النظام السوري تمهيداً للمصالحة بين البلدين.

ولعلها خطوات فولكلورية تلك التي قامت بها الحكومة عبر تكثيف تواجد الجيش على الحدود اللبنانية السورية او مثيلاتها على حدود المخيمات. لأنها تفترض أصلاً إمكانية المنافسة في المجال الأمني او التوازن. وتفترض انه عن طريق الردع وحده يمكن معالجة مشكلات سياسية تاريخية مزمنة، فضلاً عن اعتبار الخطر دائماً يأتي من خارج. هذ الفرضيات لا تُبنى عليها سياسة أمنية دفاعية. ولن تستطيع ان تعالج هذا المستوى من الارهاب او من العنف او من التعدي على الاستقرار في لبنان. هذه عراضات لم تعد تقنع أحداً. والاخطر من بينها جميعا الاستنجاد بالأمن الدولي او بالمساعدات والمداخلات الدولية التي تسوّغ للعنف حينئذ بعده السياسي؛ لأنها تفترض سلفا العداء لسوريا والذهاب لمواجهتها. ولا ندري ما اذا كان المسؤولون عن قضايانا الوطنية الكبرى يتعظون من تجربة العراق، أو حتى من تجربة الحرب في لبنان.

وعندما تحاول الحكومة اللبنانية التعاون مع هذا الحشد من الخبرات الغربية لتنظيم الأمن ألا يخطر ببالها ان تلك الدول عرضة للاختراق الأمني؟ ألا يخطر ببال الحكومة اللبنانية، ان الحروب غير النظامية لا يمكن مواجهتها بالترتيبات الامنية النظامية؟ ثم ألا يخطر ببال الحكومة أنها بجميع تصريحات أفرادها تحدد سلفاً الجهة السياسية، فهي اذن ليست بحاجة الى <<المعرفة الامنية>> بل الى الردع الأمني، ومن أين لها ان تحصل عليه في غياب الوفاق الشامل بين اللبنانيين؟

نحن لا نطرح هذه الاسئلة بهدف تحميل الحكومة المسؤولية السياسية لإزاحتها، بل بهدف تصويب وجهة المعالجة لخطر يستهدف جميع اللبنانيين، وقد طاول عمقهم المدني العاري من أية حماية أمام مسلسل القتل والتدمير والارهاب. ولولا بعض الحصانة الوطنية والسياسية عند اللبنانيين، وبعض الخبرة والكثير من التضحية، وإدراك طبيعة المشكلات، لكن بدأنا نسمع نغمات الأمن الذاتي، بل كانت الاحزاب خرجت الى الشارع تتدبّر أمن مناطق نفوذها. ولكان ذلك اخطر ما يواجه البلاد من تحديات. وفي كل حال ليس سراً ان القيادات السياسية تتدبّر أمنها وتتحصن بمربعات أمنية في جميع الطوائف والمناطق. وحده المواطن العادي يترك لقدره ومصيره. لذلك نقول عبثاً تسير الحكومة بمعالجة مشكلات البلاد، والامنية بنوع خاص من خارج المعطيات السياسية، ومن خارج المعالجات السياسية. ثمة حاجة الآن ملحة لوفاق وطني يلغي هذه المعسكرات وما تستجر من تشنجات. ثمة حاجة لوقف خطط العزل والإقصاء التي عانت منها البلاد كثيرا، خصوصا جزءاً من قوى السلطة اليوم. ثمة حاجة لفتح الملفات الاساسية في البلاد ومنها ملف العلاقات اللبنانية السورية من خارج الأحقاد وبالتأكيد من خارج سياسات الاستقواء بالخارج قريباً كان أم بعيداً.

السفير (19 و20 10 2005)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديق بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى