|
|
|
آخر تحديث Saturday November 12, 2005 الساعة 11:37:54 AM |
|
الى الشهيد بشير عبيد
في ذكراه الخامسة والعشرين 05 11 2005 د. ميلاد السبعلي من النادر أن يستطيع المرء في عجقة هذا الزمن وتسارع أحداثه وتواتر حركته وهو غارق في لجّة وسائل الإعلام الكثيرة ومصادر المعلومات التي لا تحصى، أن يجد فسحة هادئة يعود فيها إلى أعماق نفسه، يستعيد شريط ذكريات، يغوص في عِبَر تجارب تاريخية، يستلهم سيرة قائد، يخشع لوقفة شهيد... بالأمس استوقفتني الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد الأمينين الحبيبين بشير عبيد وكمال خيربك والرفيقة ناهية بجاني. هزتني الذكرى للحظة.. ليس لأن الشهيد بشير قريب أبي ومَثله الأعلى في المواقف والنضال والتضحية حتى الإستشهاد، وموجّهه نحو العقيدة القومية الإجتماعية.. وقد تشرّبنا منذ الصغر حب الأمين بشير وسيرته وبطولاته بشكلٍ أقرب إلى الأسطورة... لكن ما هزني هذه المرة وأنا أقلب الكتاب الذي أصدره الحزب في سنة استشهاده وأعود عَبر مقالاته المختلفة وما أعرف عن سيرته إلى ذلك الزمن الذي ناضل فيه و تألق، هو مقارنة بسيطة بين اليوم والأمس، بين حزب اليوم وحزب الامس، ورجالات اليوم والأمس، وهذه النهضة وتلك. لا يمكنك أن تمر على سيرة مناضل كالشهيد بشير عبيد دون أن تصفعك المفارقات هذه.
فبشير عبيد
عام 1953، إبن العشرين عاماً، وفي عز قوة الحزب والمئات من الرفقاء
المخضرمين في المتن، يعيّن منفذاً عاماً للمتن الشمالي. لا شك أن مؤهلات
الرفيق بشير يومها كانت متميزة جداً. لكن تعيين شاب بهذا العمر هو استمرار
لنهج سعادة وفهمه لدور الشباب في وبشير عبيد عميد الدفاع وحزبه الثائر على قمع الحريات من قبل النظام الأمني أيام فؤاد شهاب، والسائر على هدي سعادة، بأن لبنان هو نطاق ضمان للفكر الحر، لا يساوم على مصلحة آنية أو خدمة موضعية، إلى حد إعلان الثورة على الطغيان والطائفية لقلب نظام المزرعة وأكلة الجبنة وتأسيس نظام جديد علماني عصري قومي حر... أين ذلك من الإستكانة والتماهي مع النظام الأمني بحجة المصلحة القومية، وشهادة الزور على نهب البلاد وقمع الحريات ومهادنة أكلة الجبنة مقابل بقايا فتات موائدهم؟ وبشير عبيد الأسير المحكوم بالإعدام يرفس الكرسي ويقول للقاضي ان رئيس الحزب الدكتور عبدالله سعادة ليس وحده مسؤولاً عن الإنقلاب بل كلنا مسؤولون وأنا لا أدافع عن نفسي كبشير عبيد بل كعميد للدفاع، ولا إزدواجية في شخصي. هذه الروح القتالية الرسولية البطولية التي تضحي بكل شيء في سبيل العقيدة والمبادئ ومصلحة الأمة، وتفني الذات في سبيل الحزب والنهضة والمجموع، أين منها روح المنفعة والخدمات والإستزلام التي نتجت عن المشاركة في الحكم واستعمال نعمه الزائلة في سبيل كسب شعبيةٍ وأزلام وأتباع داخل الحزب وفي محيطه؟! وبشير عبيد الثائر داخل الحزب في وجه الإقطاع والإستزلام والمحاور والأقدمية والتحجر والإستبداد، والمواجه المباشر والعنيد والجريء، أين منه مداهنة اليوم والسفسطائية والتدجيل ومسح الذقون وفرك الأيادي والمسايرة والتسويات من تحت الطاولة ونقل البندقية من كتف إلى أخرى والكولسة والتآمر والزحفطة؟ وبشير عبيد المحاور بجرأة وندية مع قيادات الأحزاب والحركات والدول، والمواجه للمواقف والسياسات التي يصنفها الحزب بأنها قاصرة أو فاسدة أو مشبوهة، حتى لو أتت من سلطات كيانات الأمة، أين منه علاقات الذل والتبعية وأخذ الأوامر والتوجيهات من ظابط صغير أو موظف درجة عاشرة؟! وبشير عبيد الأديب المرهف والثائر الجذري الشرس، الذي يقول أن الثائر إن لم يكن شاعراً فهو سفاحٌ قاتل، والشاعر إن لم يكن ثائراً فهو حشاش هارب من الحياة، والذي كان يحرص على الكتابة دورياً في مجلة الحزب وهو على الجبهة يقود القوات المشتركة في الجبل عام 1975-1976، بأسلوب سعيد تقي الدين الساخر وأدب فؤاد سليمان السهل الممتنع، لتأتي مقالاته معجونة بعرق النضال ومعاناة المواطن الثائر. أين منه هذا القحط الفكري والكسل الأدبي والنشاف الذهني والجهل المطبق الضارب هذه الأيام! وإذا بمطرقة الـ "أين" الـ "لماذا" والـ"ما الذي جلب على الحزب كل هذا الويل" تؤرق سكينتك القصيرة ... وتجتاحك الافكار من كل صوب .. ربما هذا زمن غير ذلك الزمن .. ربما هذا حزب غير ذلك الحزب... وككل مرة تتجاذبك نزعتان متناقضتان: واحدة تدعوك للإستسلام على قاعدة "فالج لا تعالج"، وأخرى توقظ فيك روح التحدّي والصراع والتغيير والاصلاح والتجديد والطريق الصعب والمحاولة من جديد على قاعدة "وداوني بالتي كانت هي الداء"! يا أمين بشير، إن طيفك وسيرتك ونضالك ورمزيتك واستشهادك والأمين الحبيب كمال خيربك والرفيقة ناهية بجاني، وذكرى شهدائنا المعروفين والمجهولين، الحاضرين والغائبين، ترسم لنا صورة أخرى للحزب وما كان يجب أن يكون، وتجعلنا نخجل من دمائكم وضمائرنا، لتعيدنا إلى المحاولة من جديد، ولكن بأساليب جديدة!
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||