<<مقابر جماعية>>. العبارة
مرعبة. تثير الهلع. تذكّر بأكثر الغرائز انحطاطاً. فكيف إذا كانت
بين <<الموجودات>> هياكل عظمية لامرأة حامل ولأطفال! هول المقابر
الجماعية أنها لا توحي بأن هناك من يحتقر الحياة ويستخف بها وإنما
هناك، أيضاً، من لا يراعي حرمة الموت.
اكتشاف مقبرة جماعية امتحان صعب
للأحياء. ولقد سقط لبنانيون كثيرون في هذا الامتحان على امتداد
الأيام الماضية. سقطوا لأن في طريقتهم للتماهي مع الموتى وتعيين
الجاني ما يوحي بأن لبنان لم يخرج بعد من عصر المقابر الجماعية
المحتملة.
لقد وصل الاستثمار السياسي إلى
حد الابتذال المخجل. وتبيّن أن أحداً لا يهتم فعلاً بهوية الضحايا
لأن ما يهم فعلاً هو تعيين الجلاد، وإصدار الحكم عليه، والإمعان في
<<شيطنته>>.
هل قتل الجيش السوري أثناء وجوده
المديد في لبنان أبرياء؟ الجواب القاطع هو نعم. هل ينتمي هؤلاء إلى
طوائف مختلفة ومناطق مختلفة؟ الجواب القاطع هو نعم. هل قتل الجيش
السوري مدنيين فلسطينيين؟ الجواب القاطع هو نعم. هل هناك من قضى
تحت التعذيب في سجون الاستخبارات السورية؟ الجواب القاطع هو نعم.
هل من الضروري أن نتوصل ذات يوم إلى معرفة التفاصيل كلها حول هذه
الممارسات؟ الجواب القاطع هو نعم. ولكن...
إن ما نشهده في لبنان منذ عام
وأكثر هو السعي الدؤوب إلى كتابة تحريفية للتاريخ الحديث. ثمة
رواية تحاول الصعود إلى موقع الهيمنة وتقول، ببساطة، إنه بينما كان
اللبنانيون يعيشون في تآخ ووئام، ولا يشتكون إلا من بعض التجاوزات
الفلسطينية القابلة للاستيعاب، اقتحم <<الوحش>> السوري هناءة
حياتهم وعمل فيهم قتلاً وفي بلادهم تدميراً. أقام المسلمين ضد
المسيحيين، وبالعكس، وأقام الفلسطينيين ضد اللبنانيين، وبالعكس،
واغتال، وسرق، ونهب، وقمع، ونكّل، وبطش، وأعدم، وها نحن اليوم نخرج
من الكابوس ونحاول ترميم حياتنا فوق الأنقاض المادية والروحية التي
خلّفها الاحتلال. تساعدنا في هذه المهمة دول غيورة مثل الولايات
المتحدة وفرنسا، في حين تقف إسرائيل على الحياد الذي هو، في
الواقع، حياد إيجابي!
ترث هذه الرواية التبسيطية رواية
سابقة لها وتتفرع الاثنتان من جذع واحد هو تكثيف استثنائي للوعي
الخرافي. أما الجذع فهو <<حروب الآخرين>>. أما الرواية السابقة
التي سادت في أيام <<الوصاية السورية>> فتزعم أن الآخرين هم
الفلسطينيون والإسرائيليون. الجذع الخرافي يحمّل سوريا مسؤولية.
أما الفرع الأول منه فيجعل منها المنقذ النموذجي. ثم تأتي النسخة
الأخيرة لتجعل منها الجلاد الأوحد وإن كان هناك من يصر على عدم
نسيان دور العنصر الفلسطيني في ما تعرض إليه لبنان.
قضية <<المقابر الجماعية>>
الأخيرة كاشفة عن بعض التحولات الجارية في لبنان. كاشفة في مسارعة
كثيرين إلى تحديد الجهة المتهمة قبل المطالبة بتحقيق دولي. وكاشفة.
أيضاً، لناحية التركيز على أن هذه المقابر تحديداً هي المفتاح
الوحيد لإعادة قراءة العقود الثلاثة الماضية.
لسنا، والحالة هذه، أمام <<مقابر
جماعية>> بل أمام <<المقابر الجماعية>> التي، إذ تختصر العلاقات
السورية اللبنانية، فإنها تختزل الأزمة اللبنانية بكل وجوهها،
ومعاركها، وحروبها، وتطوراتها، ووحشيتها وحيثياتها.
يخطئ من يرى في هذه الهبة مجرد
رد فعل طبيعي أمام الواقعة المخيفة. إن لهذه الهبة صلة بمعارك
سياسية مندلعة في لبنان حالياً (من المحكمة الدولية إلى سلاح
المقاومة...)، كما أنها ذات صلة أكيدة بالمصير الذي يُراد دفع
البلد إليه. إن صورة لبنان الغد هي لوحة كان يجري تشكيلها، أو،
بدقة أكثر، كانت تجري محاولة لتشكيلها، في المنازلات التي شهدناها
خلال السنة الماضية كلها. هذه المنازلات مستمرة ومرشحة للتصاعد.
وما <<المقابر الجماعية>>، بما يثار عنها وحولها، إلا محطة من
المحطات.
ليس أهم ما في هذه القضية تعيين
المجرم. ولا المطالبة بتحقيق دولي أو محكمة دولية. إن أهم ما فيها
هو هذه النزعة الحصرية إلى إثبات أن لا جرائم إلا هذه الجريمة ولا
قاتل إلا هذا القاتل.
لنحاول أن نعود قليلاً إلى
الوراء من أجل أن نتوقف أمام مجازر جماعية نمتلك معطيات جدية عن
القائمين بها.
هناك رجل، ما زال حياً، وضع
أواسط الثمانينيات، كتاباً عنوانه: <<جلادون وضحايا>>. وصف فيه،
بالتفصيل الكامل، وقائع ما قام به شخصياً في ذلك اليوم المشؤوم
المعروف ب<<السبت الأسود>>. روى كيف قتل المئات وعذب العشرات. ذكر
أن مسؤولين كباراً في أحزاب معينة وميليشيات معينة أعطوه الضوء
الأخضر ليثأر لولديه وأمدّوه بعناصر مقاتلة. تفنّن في التعبير عن
الظمأ الذي لم يشبع إلى الدم البريء. الكتاب موجود ويمكن لمن أراد
أن يقرأه. كما يمكن لمن يشاء طلب مشاهدة تلك الحلقة التلفزيونية
الشهيرة التي بثتها القناة الفرنسية الثانية. ففيها يستجوب المقدم
برنار بيغو الكاتب ويختم بسؤال: هل تفعل الشيء نفسه مرة ثانية؟
ويأتي الجواب قاطعاً: نعم. هذا اعتراف صريح بمجزرة جماعية. اعتراف
لا ندم فيه أو توبة.
لنعد إلى تقرير كاهانا عن صبرا
وشاتيلا. ويمكن لمن يريد الاستزادة حول الجريمة الموصوفة والباردة
والتي تنطبق عليها أكثر من غيرها أوصاف <<الجريمة ضد الإنسانية>>
أن يعود إلى كتاب ألين مينارغ. لقد كان التخطيط مسبقاً ولم يكن
ينتظر اغتيال بشير الجميل ولا حصول أرييل شارون على إذن من
<<العائلة>> لتنفيذ المذبحة وإشراك من أشركهم فيها.
لنعد إلى الاعترافات المثيرة
لأسعد الشفتري الذي يجب أن نسجل له شجاعة أدبية وأخلاقية تنقص
الكثيرين من أصحاب الأشداق المفتوحة اليوم. ولنعد، في السياق نفسه،
إلى تقارير دولية ومحلية كثيرة تروي القليل مما نعرف جميعاً أنه
حصل.
إذا فعلنا ذلك أمكن لنا وضع
الأمور في نصابها. ولكن لا بد من استدراك هنا. ليس صحيحاً على
الإطلاق الزعم، كما يفعل بعض المرتدين اليوم، بأن الجميع في
الجريمة سواسية. كلا. كان هناك مشروع سياسي متكامل يقوم في حده
الأدنى على التطهير الطائفي وفي حده الأقصى على الإفناء
الديموغرافي. وفي المقابل كان هناك قوى تحاول لجم الاندفاعات ولقد
نجحت في ذلك إلى حد بعيد وتحديداً إلى حين دخول الغزاة
الإسرائيليين. إلا أن هذه القوى الأخيرة تعاني من حالة يتم الآن.
لم يحاول أحد جدياً فتح
<<الدفاتر>>. وبقيت الزيارات إلى التاريخ انتقائية. أما المصالحات
فكانت فوقية، أولاً، وموجهة ضد طرف داخلي آخر ثانياً. لم يجر
اللبنانيون فحص الضمير اللازم الذي يمكن له أن يبقي كل طرف على
سياسته، إذا شاء، بعد الكشف عن فظائع الممارسات والتعهد بعدم حل أي
مشكلة بالسلاح.
إن الذين أدمنوا النسيان، أو
دعوا إلى الإدمان عليه، هم المتحولون إلى غربان تحوم فوق المقابر
الجماعية، وهم الذين يقودون جوقة تنظيم الضحايا في تراتبية بحيث
يحتل ضحايا عدو اللحظة (وكل لحظة) المرتبة الأولى وربما الوحيدة.
إن هؤلاء لا يهتمون إلا بنوع واحد من المقابر، ذلك النوع الذي
يفترض بنا أن ندفن فيه الذاكرة والوعي والأخلاق.
السفير (09 12 2005)