بعيدا عن الاضواء، يستعد كل من
<<حزب الله>> وتيار <<المستقبل>> لخوض نقاش معمق حول الملف الخلافي
الأحدث بينهما والمتمثل بالمحكمة الدولية التي يعتبر الحزب انها
تُطرح في إطار غامض وفضفاض لا يطمئن، بينما يصر <<التيار>> على
التمسك بها كونها تشكل من وجهة نظره ضمانة للحقيقة والعدالة.
ولما كان الطرفان قد أعلنا بصوت
عال عما يفكران به حيال هذه المسألة مع ما رافق ذلك من سخونة
سياسية، فإنهما انتقلا الآن من مرحلة تسجيل المواقف الى مرحلة
البحث عن <<إبرة>> القواسم المشتركة في <<قش>> التباينات، حتى لا
يتكرر القطوع الذي كاد في المرة الاولى ان يطيح بالحكومة بعدما هدد
وزراء حركة أمل و<<حزب الله>> بالاستقالة في حال قرر مجلس الوزراء
استخدام سلاح الاكثرية لتمرير المحكمة.
وتفيد المعلومات بأن حوارا جديا
قد انطلق ليل أمس بين الجانبين في غرف مغلقة بحثا عن مخارج ترضي
الطرفين معا، وعلم في هذا الاطار أن تيار <<المستقبل>> بصدد ان
يعرض على قيادة <<حزب الله>> <<مسودة أفكار>> تتضمن اقتراحات معينة
ل<<معالجة هواجسه>>، علما انه وخلال اتصالات ومشاورات سابقة أُبلغ
الحزب بأن هناك استعدادا لمنحه التطمينات اللازمة التي تكفل حصر
مهمة هذه المحكمة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بحيث لا
تتعداها الى فتح ملفات أخرى قد يصيب <<رذاذها>> الحزب، فكان جواب
القيادة بأن ليس ل<<حزب الله>> <<هواجس ذاتية>> وهو بالتالي لا
يخشى على نفسه بل على البلد، ولذلك فإنه لا يستطيع أن يوقع على
بياض في شأن محكمة دولية من غير المعروف بعد كيف ستتشكل، وأي قانون
سيحكم أعمالها، وطبيعة مرجعيتها وعلاقتها بالقضاء اللبناني.
وعندما قيل لقيادة الحزب بأن
تيار <<المستقبل>> يضمن ألا تتجاوز المحكمة الدولية حدودها، وأنه
سيعمل على ضم قضاة عرب إليها مع السعي الى ان يترأسها لبناني، جاء
الجواب بأن أحدا ليس بمقدوره ان يضمن شيئا عندما يصبح الامر في يد
مجلس الامن الدولي، صاحب القرار الحصري في هذا المجال..
وفي هذا السياق، يلفت بعض
المراقبين الى ان مجلس الامن ذاته ما زال لا يملك تصورا واضحا حول
كيفية مقاربة قضية المحكمة، في ظل خشية الرئيس الروسي فلاديمير
بوتين على سبيل المثال من ان تُستخدم <<المحكمة الدولية>> لاحقا
ضده في ملف الشيشان، عدا عن ان بعض الدول العربية ليست متحمسة
كثيرا لهذا الطرح لانها تتخوف من ان يفتح عليها ابوابا مغلقة.
وبموازاة هذا الحوار الداخلي،
توافرت لدى أوساط سياسية متابعة معلومات عن نية الامير السعودي
بندر بن سلطان زيارة دمشق خلال الساعات القليلة المقبلة، لاستكمال
ما كان قد بدأه فيها مع المسؤولين السوريين، وتعتقد هذه الاوساط ان
الامير بندر الذي يكثر من زيارة سوريا في هذه الفترة وأحيانا سرا
إنما يحمل رسائل أميركية أكثر منها سعودية.
وتلفت هذه الاوساط الانتباه الى
ان الدور السعودي في إقناع دمشق بالموافقة على استجواب الضباط
الخمسة في فيينا، كان هامشيا في واقع الامر، مشيرة الى ان العنصر
الحاسم على هذا الصعيد تمثل في التدخل الشخصي للرئيس الروسي بوتين
الذي قال للسوريين ما معناه: إذا أردتم ان ندافع عنكم في مجلس
الامن الدولي وأن نحميكم من العقوبات التي تعد ضدكم فعليكم ان
تسلفونا موقفا نستطيع ان نستند اليه للدفاع عنكم، وهذا يتطلب
تعاونا منكم، بشكل ما، في شأن التحقيق مع الضباط الخمسة خارج
سوريا..
وهكذا وُلد الحل الوسط الذي قضى
بأن يجري استجواب الضباط السوريين في فيينا بعدما كانت دمشق تشترط
حصول ذلك في الجولان او في مقر الجامعة العربية في القاهرة وذلك
مقابل ضمانات قدمها بوتين بعدم توقيف هؤلاء في العاصمة النمساوية
بعد الانتهاء من التحقيق معهم، ولكن الاوساط المتابعة تتساءل هنا
عن مدى قدرة بوتين على منح مثل هذه الضمانات لو لم يحصل على ضوء
أخضر أميركي، الامر الذي يدفع تاليا الى إثارة تساؤل آخر حول ما
إذا كانت واشنطن قد قررت تغليب فكرة تغيير سلوك النظام السوري على
فكرة تغيير النظام ذاته.
وبالنسبة الى مصير هذا النظام،
فإن <<حزب الله>> لا يجد أي حرج في الدفاع عنه إزاء محاولات
استهدافه انطلاقا من لبنان، رافضا المقولة التي تفترض انه وضع كل
أوراقه في السلة السورية في مجازفة غير مضمونة، وقد أبلغ الحزب
بوضوح كلاً من سعد الحريري ووليد جنبلاط بأنه لن يقبل باستعمال
لبنان قاعدة متقدمة لاسقاط النظام السوري وأنه مستعد للذهاب حتى
النهاية في هذا الموقف، وذلك لقناعته بصوابيته ومردوده الايجابي
على المستوى الاستراتيجي.
ويستغرب الحزب الإيحاءات التي
تحاول تصوير <<التحالف الشيعي>> وكأنه يتحمل مسؤولية التوتر في
البلد، معتبرا ان هذا التحالف يؤدي دورا مختلفا تماما، إذ لولا
مكابحه لتم الانزلاق الى أمكنة ملتهبة، تبدأ من سلاح المقاومة ولا
تنتهي بالسلاح الفلسطيني.
السفير (09 12 2005)