موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Sunday December 11, 2005 الساعة 11:37:16 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

عقبات أمام ثقافة الديموقراطية في العالم العربي

خالد غزال

تثير قضية الديموقراطية ومدى امكان تحققها في العالم العربي الكثير من الاسئلة والنقاش. يوحي المشهد الراهن لحال الانظمة السياسية والاحزاب والمجتمع المدني الاستعصاء او الاستحالة. وتحذر السلطات الحاكمة من نشر الديموقراطية لما قد  يفضي هذا النشر الى انهيار الدولة والمجتمع، وتتعاطى الثقافة السياسية السائدة مع هذه الديموقراطية في صفتها نبتة استعمارية لا تتوافق مع تراثنا وتقاليدنا، استخدمتها الاحزاب السياسية غطاء استبدلت به ايديولوجيتها السابقة واحلّت مكانها شعاراتها السابقة. رأت فيها صيغة سحرية قادرة على حل مشكلات العالم العربي المتراكمة. وساهم الغرب في نشر الشكوك حولها في اعتبار ان بنية المجتمعات العربية وطبيعة ثقافتها وتراثها لا تسمح بتحقيق الديموقراطية. لا تنبع هذه التحفظات من فراغ، فهي تضرب بجذورها عميقاً في الداخل العربي. صحيح ان لا خلاص ولا تطور للعالم العربي من دون الطريق الديموقراطي، لكن الديموقراطية ليست تشريعات وقوانين فقط، انها قبل كل شيء ثقافة شاملة. يوحي غياب هذه الثقافة، الى حد بعيد، سرابية الدعوة الديموقراطية. لذلك يشكل بناء هذه الثقافة في جميع الميادين من دون استثناء شرطاً لاستنهاض العالم العربي.

يمثل الغوص في قراءة المعوقات الداخلية لثقافة الديموقراطية شرطاً ضرورياً في عملية النقد والبناء. ستظل الديموقراطية عملية شعارية في المضمون والمحتوى، ما دام تغييب العوامل البنيوية الداخلية في العالم العربي قائماً وخارج ميدان التشريح والنقد.

بنية المجتمعات العربية

تشكل بنية المجتمعات العربية ودرجة تطورها ابرز المعوقات امام ثقافة الديموقراطية. ورث العالم العربي بنى اجتماعية تعددية شديدة التنوع، تمثل الانتماءات والعصبيات العشائرية والقبلية والعائلية والطائفية والعرقية اساس البنيان السياسي الذي نهضت عليه الدولة وقامت عليها العلاقات الاجتماعية والسياسية. تملك هذه البنى موروثات ثقافية وتقاليد ومفاهيم تعود في جذورها الى مئات السنين. لا تخلو هذه الثقافة من التشديد على هذا الموروث رغم كل ما يحمله من دعوة الى قبول الامر الواقع والطاعة لأولي الامر. سعى مشروع التحديث العربي الى دمج هذه المكونات في اطار الدولة التي هي المجال الوحيد لتحويل الانتماء المحلي انتماء وطنياً، كما أن الانتماء اليها يحرر الفرد من العصبية والطائفية. على امتداد عقود من القرن العشرين، نجحت الدولة العربية، الى حد بعيد، في تكوين مجتمعات عربية، أدى عجزها عن مواجهة التحديات القومية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مقروناً بالهزائم المتتالية امام المشروع الصهيوني، الى وضع هذه الانجازات على محك الاستمرار. تالياً تسبب هذا العجز في انهيار مشروع التحديث لصالح انبعاث الموروثات الاصلية، اي الطوائف والعشائر والقبائل، على حساب الدولة، وتحولت هذه الموروثات لان تكون ملاذ المواطن. هكذا تسبب انهيار التحديث بارتداد المجتمع العربي الى اشكال من السلطوية المحلية القائمة على هيمنة فردية لا ضابط لها، والى تصاعد عناصر النبذ والتناحر بين هذه المكوّنات، وغياب ثقافة التضامن المشترك والاعتراف بالآخر. سيظل غياب الدولة او اضعافها اخطر النتائج نظراً الى استحالة تحقق الديموقراطية خارج اطارها. يضاف الى ذلك كله وجود معضلة اصلية هي معضلة افتقار الغالبية الساحقة من القوى الحاكمة لشرعيتها. لم تأت هذه السلطات الى الحكم نتيجة عملية ديموقراطية، بل هي ابنة انقلابات عسكرية او ورثة عائلات حاكمة استولت على مقدرات الدولة ومارست حكماً تسلطياً للحفاظ عليها.

انعكس تعثر الدولة سلباً على مؤسسات المجتمع المدني والاحزاب والنقابات التي استطاعت ان تلعب دوراً وان تشكل قنوات محدودة لنشر ثقافة الديموقراطية. وهي تئن اليوم من ضغط الموروثات وانفلاتها. وانبعثت قضية الاقليات وبدت تتخذ حجما ينبىء بأخطار مقبلة. في الاصل كانت الاقليات تعاني نقصاً في الاعتراف بحقوقها وباللامساواة لابنائها مع سائر المواطنين. فليس غريباً ان تزداد هواجسها وهي ترى انفلات العصبيات الأكثرية وتقلص نفوذ الدولة. تلعب هذه الهواجس دوراً مشجعاً لنزعات الاستقلال الذاتي، كما لا تحمي هذه الاقليات من التوجه الى الاستعانة بالخارج طلباً للحماية.

تنتصب قضية المرأة في المجتمع العربي كأحد المعوقات الاساسية في وجه ثقافة الديموقراطية، ويمثل فقدان المساواة السياسية بين الرجل والمرأة احدى المشكلات المركزية لقضية الحريات والديموقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي. فالموروثات الثقافية العربية مشبعة بالمفاهيم والمعتقدات التي تسوّغ حرمان المرأة دورها الاجتماعي، وتشرّع التمييز الواسع بينها وبين الرجل. حقق نضال المرأة العربية مكاسب مهمة في كسر هذه المفاهيم واكتساب حقوق واسعة لا تزال في حدها الادنى. انما لا تزال شريحة واسعة من النساء في المجتمعات العربية ترى ضرورة التزام تلك الموروثات والحفاظ عليها، وهو أمر لا يصب في صالح النضال الديموقراطي للمرأة. تتغذى هذه الموروثات من معتقدات دينية تحملها نصوص صريحة في تمييزها لغير صالح المرأة، فتكتسب هذه النصوص قوة قدسية وشرعية تصعب مخالفتها. يرفض الخطاب الديني، في اجزاء واسعة منه، النظر الى قضية المرأة على انها قضية اجتماعية في الاساس، ويرفض في المقابل ان يقرأ النص الديني عبر ارتباطه بظروف تاريخية تغيرت خلال القرون المتتالية من الزمن، وتالياً لم تعد صالحة لعصرنا. يفاقم هذه النظرة تقديم النظام الاجتماعي العربي لنفسه في صيغة ذكورية، فيصعب عليه ان يرى في غياب المساواة بين الرجل والمرأة غياباً لمبدأ المساواة في المجتمع ككل.

درجة التطور الثقافي

تؤشر درجة التطور الثقافي والعلمي الى مدى استعداد البيئة الاجتماعية لتقبل ثقافة الديموقراطية. لا تعتبر الأمية ارضاً مساعدة لهذا الانتشار، ولا يزال العالم العربي يملك اعلى نسبة من الأمية قياساً على مناطق جغرافية اخرى في العالم. تتسع فجوة المعرفة بينه وبين العالم الحديث مسافات شاسعة وتتجلى في مستويات التعليم العالي والابحاث العلمية والتطوير التقني، وفي حجم الانفاق على هذه المجالات.

تفاقم حال الثقافة والمثقفين من هذا الوضع، فعلى امتداد عقود تقلصت استقلالية المجال المعرفي، وتحولت الثقافة سلعة. اثرت الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المثقفين فالحقت اقساماً واسعة منهم بالسلطة الرسمية وبالطوائف والعصبيات والعشائر. أدى تشديد الرقابة على الفكر والخلق، مقترناً بالارهاب، الى هجرة متشعبة لأجيال من حملة الفكر.

تنعكس ازمة الثقافة هذه على الفكر السائد ويرزح العالم العربي تحت وطأة الثقافة الشعبية الموروثة، التي تحمل وجهين، الاول يدعو الى التمرد على الواقع ويحض على العدالة والمساواة، وهو الوجه الأضعف، فيما لا يكف الوجه الآخر عن الدعوة الى التسليم بالامر الواقع والطاعة وصولاً  الى رفض المس بالعادات والتقاليد الموروثة. تصب الثقافة الدينية اجمالاً في اطار الوجه السلبي عبر استحضارها النصوص الدينية والاحاديث النبوية بما يضفي على هذه الثقافة نوعاً من القدسية تؤدي مخالفتها الى عقوبات إلهية.

مقابل ذلك، ظلت الثقافة العقلانية الاضعف في العالم العربي لاسباب متعددة، اجتماعية وعلمية وفكرية. وخلافاً لما حصل في الغرب منذ عصر النهضة وصولاً الى عصر الانوار، لم تشهد المنطقة العربية ما شهدته اوروبا من انقلابات فكرية وثورة نقدية وعلمية على السائد من المفاهيم والافكار. ما حصل في العالم العربي ظل محدوداً وخصوصاً في النصف الاول من القرن العشرين، ليعود فينتكس لاحقاً ويتراجع تحت ضغط الموروث القوي السائد. لذلك تشكل غلبة الفكر  الغيبي وضعف الفكر العقلاني عقبة كأداء امام اعتناق مفاهيم الديموقراطية في الحرية والمساواة والعدالة.

كان يمكن ثورة الاتصالات والتكنولوجيا في مجال الاعلام ان تسد فجوة وتساهم في نشر ثقافة الديموقراطية، لكن غالبيتها تخضع لمنطق الاستهلاك الغربي ولاسيما الاميركي منه، وتفتح محطاتها التلفزيونية لفتاوى رجال الدين وللبرامج الدينية، وتهمش ما يتعلق بالفكر العلمي والعقلاني.

انظمة الاستبداد السياسي

لم تصل السلطات الحاكمة الى الحكم وفق آلية ديموقراطية، فقد ورثت تراثاً من الاستبداد الشرقي العثماني وطورت وسائله وأعطت هذا الاستبداد وظيفة وطنية وقومية تهدف الى الحفاظ على الأمة وتمنع الانقسامات بين ابنائها. عززت نظريتها حول الديموقراطية وشددت على انها وسيلة لاثارة النزاعات والتفرقة بين ابناء البلد وعامل من عوامل هدم بنيان الدولة. زرعت الخوف بين ابناء الوطن ومارست أبشع انواع الارهاب وملأت السجون بالمعارضين بعدما قتلت وشردت الكثيرين منهم. اقنعت الشعب بأنها تحكم لتأدية رسالة مقدسة تستوجب من هذا الشعب الخضوع والطاعة. وظفت ثروات النفط في خدمة مصالحها بعدما اعتبرتها ملكاً وهبها الله لها. حولت هزائمها العسكرية مصدر تسلط متزايد بدل ان تدفعها هذه الهزائم الى ترك السلطة. تستحضر بشكل دائم مقولة المؤامرة على البلاد لتمنع أي تغيير او اصلاح.

هذه الترسانة من المفاهيم تضع صعوبات غير قليلة امام اختراق ثقافة الديموقراطية لبنيانها. يزيد من الصعوبة ارتكاز هذه الديكتاتوريات على العصبيات الدينية والقبلية بما يجعل من التغيير مشروعاً لحروب اهلية. تبدو العقبة اكبر عندما نرى كيف ان هذه الحقبة المديدة من الديكتاتورية جعلت قسماً واسعاً من النخب والقوى المعارضة تألف سياسة الاستبداد هذه، وتم اضفاء نوع من الايمان الخرافي والاعتقاد اللاهوتي القائم على القبول بالامر الواقع، فأكسب الاستبداد كل شرعيته.

الايديولوجيات المهيمنة

يشكل اختراق الترسانة الايديولوجية المهيمنة على الفكر السياسي العربي اصعب المهام التي سيكون على ثقافة الديموقراطية مواجهتها. تتكون هذه الترسانة من اربعة محاور: الفكر القومي، الفكر الديني، الفكر الاشتراكي والفكر الليبيرالي.

هيمن الفكر القومي لعقود، ولا يزال، على المستويين السياسي والايديولوجي، وحكمت مفاهيمه مجمل السياسات العربية من دون استثناء. يشكل نقد المفاهيم التي ارتكز عليها الفكر القومي، نظرية وممارسة، شرطاً لا بد منه لتأصيل فكر ديموقراطي في العالم العربي. تمحور هذا الفكر على قضايا كان ابرزها الوحدة العربية والعروبة.

ساد شعار الوحدة العربية جواباً عن تجزئة الكيانات العربية على يد الاستعمار، وسبيلاً لاستنهاض العالم العربي واستعادة حقوقه القومية. افترض الفكر القومي أمة عربية ناجزة قابلة للاندماج، بصرف النظر عن بنية المجتمعات العربية وتنوعها وتناقضاتها وطبيعة الانظمة السياسية فيها، فنجم عن تطبيق شعار الوحدة العربية وحدات قسرية والحاق او اجتياح عسكري، تحولت الى استبداد بلد على آخر والى صيغ اشبه باستعمار بلد لآخر. يطرح فشل هذه الوحدات ضرورة اعادة انتاج ثقافة الوحدة العربية. فالوحدة ستظل الأمل الحقيقي في نهضة الشعوب العربية، لكنها تشترط استكمال التوحيد القطري الداخلي لكل بلد عربي على اساس من العلاقات الديموقراطية تحقق حداً من التجانس الاجتماعي. كما تشترط سيادة العلاقات الديموقراطية بين البلدان العربية بحيث تأتي هذه الوحدة خياراً طوعياً للشعوب.

تحتاج العروبة الى تجديد جذري في ثقافتها، بعدما شكلت الغطاء النظري للوحدة العربية، في صفتها الهوية الجامعة التي تؤطر المجتمعات العربية. لكن السياسات العروبية في التطبيق ترجمت حروباً اهلية داخل كل بلد عربي وبين البلدان العربية نفسها. تفرض "هزيمة العروبة" اعادة بناء ثقافتها بما هي رابطة وطنية تقوم بمهمة شد ابناء كل بلد عربي بعضهم الى البعض الآخر، وبما يؤدي ترسيخها الى عامل اساسي في تحقيق التجانس الاجتماعي وانجاز الوحدة الداخلية. لكي تقوم العروبة بهذا الدور، عليها ان تتحول اطاراً جامعاً لحالات سياسية واجتماعية خاصة يتكون منها كل بلد عربي، بما يسمح لهذه الحالات ان تتطور وتزدهر عبر طريق ديموقراطي يعترف بحقوق كل منها. ينبع هذا التشديد على رابطة العروبة وديموقراطيتها جواباً عن الانبعاث المتجدد لمكونات ما قبل الدولة التي تهدد بأخطار لا حدود لها.

اتسم الفكر القومي بنوع من العنصرية والشوفينية في علاقته بالاقليات في العالم العربي. مارس هذا الفكر في التطبيق سياسة قمع ورفض الاعتراف بالهوية المحلية والحقوق السياسية والمشاركة في السلطة ضد هذه الاقليات. أورث غياب الديموقراطية في العلاقة مع الاقليات معضلات بنيوية ومشكلات ترخي بثقلها راهناً على مجمل بنى الوضع العربي.

يحتاج الفكر القومي ايضاً الى اعادة النظر في نظرية المؤامرة، كمقولة تُرمى في وجه الدعوات الى التغيير والاصلاح. كما يحتاج الى قراءة هزائمه في وجه اسرائيل في صفتها هزائم المجتمعات العربية، سياسياً وفكرياً وعسكرياً.

تواجه ثقافة الديموقراطية منظومة التراث والفكر الديني المتأصلة في بنية المجتمعات العربية ووجدان شعوبها. تتغذى هذه المنظومة الدينية من تاريخ عريق لا يقتصر على التاريخ الاسلامي بل يضرب عميقاً في المسيحية واليهودية. تتفاوت المفاهيم الدينية في تطرفها واعتدالها، لكنها تحتفظ جميعها بقواسم مشتركة. فالاسلام هو الدينية الصحيح الذي يحوي في جوهره حلولا لمشكلات الانسان والدولة والمجتمع. ويترتب على فكرة التوحيد الإلهي عبودية لله وحده، مما يعني في نظر اصحاب هذه الرؤيا، القول بكون التعددية وحق الاختلاف وقبول الآخر قضايا قد تشكل  خطراً على دين يقوم على التوحيد الشامل ووحدة الأمة.

تمتد بعض هذه المفاهيم لتناقش في حقوق الانسان فتعتبرها صادرة عن حقوق الله. لذا تعتبر المادة 18 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي تنص على حق كل فرد في حرية الفكر والديانة هرطقة. تتخذ هذه المفاهيم موقفاً سلبياً من الافكار الديموقراطية الخاصة بسيادة الشعب والبرلمانات والمساواة بين المؤمنين وغير المؤمنين، والمساواة بين الرجل والمرأة، والتعددية السياسية وحكم الغالبية. تصل هذه الآراء لتحدد دور الدولة والفرد والمجتمع بما هو دور يقوم على خدمة الشريعة والدين، وذلك خلافاً للمبدأ الديموقراطي الاساسي القائل بأن الدولة وتشريعاتها في خدمة المواطن.

يحوي هذا التراث الديني رؤى للعالم مضادة للعقلانية والعلمانية ومفاهيم الحداثة، يصل بعضها الى رفض دور الانسان والعقل في صناعة التاريخ وحصره في الدور الإلهي. ترى في الديموقراطية جزءاً من مشروع السيطرة الاستعمارية الغربية على الحضارة العربية، لذا هي نظام الكفر المرتبط بالقهر والفساد الاخلاقي.

احتل الفكر الاشتراكي حيزاً واسعاً في منظومة الثقافة والافكار في العالم العربي. تنوع هذا الفكر من الاشتراكية المستندة الى الماركسية وصولاً الى "اشتراكية عربية خاصة". شكلت مفاهيم ديكتاتورية البروليتاريا والديموقراطية الشعبية والديموقراطية الاشتراكية ومقولة اولوية التقدم الاجتماعي الاقتصادي على السياسي، غطاء للاحزاب الحاكمة وغير الحاكمة غيبت عبرها قضايا الديموقراطية والحريات السياسية والفكرية. كما شكلت النظرية القائلة بزيف الديموقراطية السياسية وكونها حيلة بورجوازية تستخدمها هذه الطبقة لاجهاض نضال الطبقة العاملة، اخطر الاسلحة النظرية التي قالت بها الاشتراكية. اكمل المنطق التنظيمي القائم على المركزية الديموقراطية حلقة الاغلاق على التعددية والاختلاف، فصادر الحزب الآراء والافكار وأبعد من صفوفه المخالفين لخطابه السياسي والايديولوجي. أدى فشل الانظمة العربية "الاشتراكية" ومعها انهيار المعسكر الاشتراكي الى خلخلة هذه المفاهيم وهزيمتها. استبدلت الاحزاب "الاشتراكية" مقولاتها الاصلية بشعار الديموقراطية، ولم يترافق هذا الاستبدال مع مراجعة نقدية لمقولات الفكر الاشتراكي في النظرية والممارسة. سيكون على ثقافة الديموقراطية القيام بمهمة هذا النقد كأحد الشروط الممهدة للسبيل الديموقراطي.

يبقى اخيراً قول كلمة في حدود الليبيرالية في العالم العربي وهل شكلت، او تشكل راهناً، تياراً ثقافياً وسياسياً فاعلاً. تأثر العالم العربي في مرحلة النضال ضد الاستعمار بالافكار الليبيرالية الداعية الى الحرية الفردية، والسياسية والاقتصادية والفكرية والدينية. وبشرت بوجوب خضوع المواطن لسلطة القانون والى اعتماد الاصول البرلمانية ونشر القيم العلمانية وحرية الصحافة والاقتصاد الحر. لم يتح لليبيرالية ان تتسلم السلطة في العالم العربي لتختبر مفاهيمها وتضعها موضع التطبيق، وظلت قواها تعاني الالتباس والشكوك من علاقتها مع القوى الاستعمارية المهيمنة قبل الخمسينات من القرن الماضي.

تلقت الافكار الليبيرالية الوليدة ضربة قاصمة في النصف الثاني من القرن العشرين عندما استولت الراديكاليات العروبية على السلطة في عدد من بلدان العالم العربي. كما تلقت مفاهيمها ضربة اخرى بعد الانتشار الواسع للفكر الاجتماعي الداعي الى تحقيق الاشتراكية وإن على حساب الحريات السياسية. وعندما أُتيح لليبيرالية الاقتصادية ان تأخذ دورها في ظل سياسات الانفتاح الاقتصادي، تكشف ان هذا الدور لا يتعارض مع الاستبداد السياسي، بل بدا احياناً كثيرة انه يحتاج الى هذا الاستبداد ليجعل قوانينه الاقتصادية نافذة. من هنا سيكون على ثقافة الديموقراطية ايضاً ان تقوم بنقد هذا الفكر الليبيرالي انطلاقاً من مقولات الحرية والتعددية والمساواة.

درجة التطور الاقتصادي

تؤثر درجة التطور الاقتصادي على المدى الذي يمكن فيه الثقافة الديموقراطية ان تخترق الطبقات والفئات الاجتماعية. يملك العالم العربي ثروات هائلة قابلة لرفع مستوى شعوب المنطقة اذا وظفت في المكان المناسب لذلك. تضع التقارير الاقتصادية العربية والدولية العالم العربي في مصاف البلدان الفقيرة. تعاني المنطقة، ببلدانها الغنية والفقيرة على السواء، من حجم الفقراء الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر. يزداد عدد العاطلين عن العمل عاماً بعد عام ويسجل معدل البطالة نسبة 10 في المئة من عدد السكان. وتؤكد التقارير انه في حلول عام 2010 سيتوجب خلق فرص عمل لحوالى خمسين مليون ملتحق جديد بقوة العمل. اما توزيع الدخل فيتسم باللامساواة، ويصل التفاوت الاجتماعي الى مرحلة عالية بين الطبقات الاجتماعية. ينجم عن ذلك ازمات اجتماعية مفتوحة واحباط مرتفع. لا تساعد هذه البيئة في نمو الديموقراطية، فالثقافة التي تزدهر في ظل الفقر هي ثقافة الغيبيات واليأس والاستسلام، مما يمهد الطريق لازدهار الفاشية والديكتاتورية سبيلاً للخلاص. كما يساعد مناخ الفقر في  غلبة الثقافة الاصولية ومعها برنامجها الاجتماعي ايضاً، وهي أمور تعقّد من مهمة نشر ثقافة الديموقراطية واقناع هذا الجمهور اليائس بمفاهيمها في صفتها طريق الاستنهاض وتجاوز هذا الواقع.

يفاقم واقع الطبقتين البورجوازية والوسطى من هذه الحال. فخلافاً لما عرفته اوروبا من ترافق النضال من اجل الديموقراطية مع صعود طبقة بورجوازية قادت هذا النضال ضد الاستبداد، انتهت بورجوازيات العالم العربي الى عقد صفقات مع السلطات الحاكمة، ونظمت شراكة تحصل بموجبها على الاحتكارات والامتيازات، وشاركت اهل الحكم في الافادة من الموارد العامة. لا يؤدي هذا التحالف الى اعتبار معركة الديموقراطية قضية تهمّ هذه البورجوازية. اما الطبقات الوسطى التي شكلت قاعدة اساسية في النضال من اجل الديموقراطية، فقد طحنتها الازمات الاجتماعية والمعيشية وارتدت بها الى مواقع الفئات الفقيرة، بحيث بات تأمين لقمة العيش همها الاول، وهو ما اضطر اقساماً واسعة منها الى الاعتماد على الدولة او الهجرة خارج ارض الوطن.

تساعد هذه الاوضاع في استشراء الفساد. تشجع السلطات الحاكمة ومعها المتسلطون على موارد الدولة من انتشاره. يقف هذا الفساد سداً في وجه ثقافة الديموقراطية التي تعتمد الرقابة والشفافية وسيادة القانون والعدالة. هذا اضافة الى الآثار الاخلاقية والى تعزيز الولاءات الخاصة على حساب الدولة.

المشروع الاستعماري الصهيوني

شكل مشروع السيطرة الخارجية، الاستعماري والصهيوني، عنصراً حاسماً في اعاقة الديموقراطية وانتشار ثقافتها في العالم العربي. فالمشروع الصهيوني القائم على طرد الشعب الفلسطيني والاستيطان والقتل اليومي ومنع تكوين المؤسسات السياسية والمدنية للشعب الفلسطيني، معطوفة على الحروب التي شنتها ضد الدول العربية على امتداد نصف قرن، هذا المشروع اثر سلباً على مجمل تطور البلدان العربية. اما المشروع الاستعماري الفرنسي البريطاني الاميركي على امتداد القرن العشرين، فقد هدف الى السيطرة على المنطقة العربية وعلى مواردها الطبيعية لاسيما النفط. توسل المشروع الاستعماري اقامة انظمة ديكتاتورية عسكرية ودعمها، وعزز ايضاً من السلطات القائمة على بنى عشائرية وقبلية، كوسيلة لفرض نفوذه.

لم يكن نشر الديموقراطية هدفاً من اهداف المشروع الاستعماري الصهيوني في يوم من الايام. تشكل الادعاءات الاميركية الراهنة حول هدفها في تحقيق الديموقراطية في العالم العربي اكبر الاعاقات في وجه المسار الديموقراطي. لم يعرف التاريخ منذ اليونان حتى اليوم نظرية تقول بفرض الديموقراطية من الخارج بواسطة القهر والاحتلال والقوة.

ويزداد الامر سوءاً عندما تتجه هذه الخطة وجهة السعي الى تفكيك الكيانات العربية الهشة اصلاً، حيث يشكل انهيار الدولة عنصراً مانعاً لتحقق الديموقراطية. بل سيكون مآل هذه الخطة تفجر حروب اهلية تطيح العلاقات السلمية بين مكوّنات الدولة او بين الدول نفسها.

أدت الخطة الاستعمارية الصهيونية الى انبعاث موروثات العداء تجاه الغرب. وهي موروثات تشكك في الاصل في مفاهيم الحداثة الغربية المتصلة بالديموقراطية والمساواة وحقوق الانسان. بات من الصعب التمييز بين حضارة الغرب وحداثته التي لا مفر من التفاعل معها والافادة من نتائجها، وبين الاهداف الاستعمارية للهيمنة على المنطقة.

كما عززت هذه الخطة نظريات العنف في صفته الوسيلة الوحيدة لمواجهة هذه الخطة. يدل على ذلك ما تشهده الساحات العربية من فلسطين الى العراق. كما تشكل هذه الخطة عنصراً اساسياً في هذا الارهاب المتصاعد في المنطقة. واذا كان الطريق الديموقراطي الممر الذي ينقل العالم العربي من التخلف الى الحداثة، فإن الخطة الاستعمارية الصهيونية ليست في وارد تسهيل الوصول اليه.

لم يكن الهدف من عرض المعوقات المنتصبة في وجه ثقافة الديموقراطية ان تصل الى القول باستحالة تحقق الديموقراطية في العالم العربي. ان ضخامة الصعوبات تؤشر الى ضخامة التحديات والى الموجبات التي تتطلبها ثقافة تخالف السائد. لا تعتبر الشعوب العربية قاصرة عن ولوج الطريق الديموقراطي، لكنها لن تتعرف عليه الا عبر الانخراط في صراع طويل في سبيل الديموقراطية.

ملحق النهار (العدد 717)

 

هذا المقال

 

العنوان:

عقبات أمام ثقافة الديمقراطية في العالم العربي

الكاتب:

خالد غزال

المصدر:

ملحق النهار

تاريخ النشر:

11 12 2005

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى