ثلاثة عناوين رافقت اليوم الحزين
الذي عاشه لبنان امس مودعا جبران تويني ورفيقيه. واحد يتعلق
بالازمة الحكومية الناجمة عن تعليق الوزراء الشيعة عضويتهم في مجلس
الوزراء، وقرار قوى الاغلبية التي تسعى للنزول الى الشارع مجددا في
ظل شعارات تفتح الباب امام المزيد من التباينات السياسية، وثان يخص
ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد تقرير
ديتليف ميليس الاخير ومداولات مجلس الامن حول مطالب لبنان بشأن
توسيع عمل اللجنة وانشاء محكمة دولية، وثالث يتعلق بالمساعي
السياسية التي يقوم بها الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى
بين بيروت ودمشق.
في الملف الاول، يبدو ان
المحاولات السياسية لرأب الصدع الحكومي تنتظر المزيد من المشاورات
بين الاطراف المعنية، وقد قاد السفير السعودي في بيروت عبد العزيز
خوجة جانبا من هذه الاتصالات مع الاطراف المعنية. لكن الواضح ان
الكتلة الشيعية قررت إرجاء قرارها النهائي بشأن البقاء او الخروج
نهائيا من الحكومة حتى تبرد الاجواء السياسية الساخنة، ما يعني ان
الوزراء الخمسة لن يحضروا جلسة الحكومة المقررة اليوم برغم ان جدول
الاعمال مليء بمشاريع القرارات الهامة. وقالت مصادر متابعة ان
النائب سعد الحريري طلب من عمته النائب بهية الحريري مناقشة الملف
مع الرئيس نبيه بري، وهو طلب ايضا من آخرين الاتصال مع <<حزب
الله>> للغرض نفسه، بينما عاد النائب وليد جنبلاط الى اثارة الملف
السياسي برمته من خلال مطالبته قيادة <<حزب الله>> القيام بخطوات
<<توفر الحماية من النظام السوري>>.
ولاحظت مصادر شيعية معنية ان
هناك <<محاولة من جانب قوى الاغلبية لمسايرة رئيس المجلس النيابي
في سياق يهدف ضمنا الى ايجاد شرخ في العلاقة بينه وبين <<حزب
الله>>. وقالت هذه المصادر ان بري <<التفت الى كلام مختلف واهتمام
هو الاخر جديد من جانب قيادات بارزة في قوى الاغلبية، ولكنه ابلغ
محاوريه ان الامر لا يتعلق بموقف عابر وان المشكلة التي ادت الى ما
حصل في مجلس الوزراء كبيرة وتحتاج الى مراجعة>> لافتا انتباه هؤلاء
الى <<ان الحزب والحركة لم يحسما بعد قرارهما النهائي، وهما ليسا
براغبين في الخروج من الحكومة، ولكنهما لا يتحملان أي نوع من
التهميش>>.
اما مصادر <<حزب الله>> فقد
اعتبرت ما جرى بانه <<تجاوز لقواعد اساسية متعارف عليها منذ تشكيل
الحكومة والامور ليست سهلة ولكن هناك موقفا سيظهر قريبا، واذا اراد
فريق الاغلبية ان يحكم البلاد بمنطق الاكثرية فليفعلوا ذلك لوحدهم
ويتحملوا المسؤولية>>.
وفي جانب فريق الاكثرية أو <<قوى
14 آذار>> فان الاتصالات تواصلت في ما بين قياداته لاجل وضع خطة
تحرك للمرحلة المقبلة، وسط اتجاه نحو تصعيد في الحركة الشعبية،
وعلم ان اجتماع لجنة المتابعة لهذه القوى امس ترك للمنظمات
الشبابية فيها، والتي ستجتمع اليوم، اعداد برنامج تحرك واضرابات
وتظاهرات لاجل مواجهة <<الهجوم المتمادي على قادة الرأي وقادة
انتفاضة الاستقلال>> ولاجل التاكيد <<بان الملف الرئاسي لن يسحب من
التداول>>، ومن خطوات التحرك المطروحة العودة الى اقامة <<مخيم
الحرية>> في ساحة الشهداء، كما ستعقد <<قوى 14 آذار>> اجتماعا
موسعا خلال 48 ساعة لاتخاذ قرارات في شأن الخطوات المقبلة.
وفي ما خص العلاقة مع <<التيار
الوطني الحر>> فان ما جرى على الارض خلال اليومين الماضيين اظهر
توترا شديدا وتباينا في النظرة الى طريقة التصرف مع التطورات
الحاصلة، خصوصا وان <<التيار الوطني الحر>> يعتبر ان السلطة
القائمة تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية عن الاحداث الامنية التي
تقع في البلاد، وعن عدم قيام الفريق المسيطر على الحكومة بواجب
ادارة الحوار حول المسائل الوطنية الكبرى.
على ان ذلك لم يمنع حصول اتصالات
مباشرة مع العماد ميشال عون الموجود في روما والباقي فيها حتى
يومين اضافيين، وعلم انه تلقى اتصالات من النائب سعد الحريري
والوزير مروان حمادة والدكتور سمير جعجع وجرى التباحث في امكانية
عقد اجتماعات تنسيقية لمواجهة التطورات الحاصلة، وثمة مساع لترتيب
لقاء بين العماد عون والنائب الحريري في اوروبا.
موسى
في هذه الاثناء أجرى امين عام
جامعة الدول العربية عمرو موسى محادثات امس، مع كل من الرؤساء
الثلاثة تركزت على التطورات اللبنانية والاقليمية، معلنا عن
مشاورات ومسعى لتقريب وجهات النظر بين لبنان وسوريا التي ينتقل
اليها اليوم، <<من اجل الاحاطة بالموقف الخطير>>، ونفى اطلاقه
مبادرة ما بشأن طلب المحكمة الدولية مشيرا الى انه يتابع المشاورات
الجارية حاليا في مجلس الامن بهذا الخصوص، وشدد على وحدة
اللبنانيين في هذا الظرف معتبرا ان <<ما يحصل حاليا لا خير فيه
للبنان بل يكرس حالة الاضطراب القائمة>>. واكد موسى ان مسعاه يحظى
بدعم الدول العربية من اجل التقارب بين لبنان وسوريا رافضا الحديث
عن اي نتائج لهذا المسعى قبل انهاء الاتصالات ومعرفة المواقف.
وقال ان <<لا تناقض>> بين مساعيه
وبين <<المشاورات الجارية في مجلس الامن>>. واضاف ان <<المسألة
الرئيسية تكمن في استمرار التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري>> الذي
تقوم به الامم المتحدة. اما الامر الثاني المتعلق بتوسيع التحقيق
الدولي، <<فمتروك لقرار مجلس الامن. واذا صدر قرار، نحترمه>>.
مجلس الامن
وفي نيويورك تواصلت المشاورات
بين اعضاء مجلس الامن الدولي قبل عقد جلسة اليوم تكون مخصصة لاتخاذ
موقف في ضوء تقرير ميليس الجديد ورسائل لبنان الى المجلس التي
تطالب بتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق من جهة وانشاء محكمة دولية من
جهة ثانية. وتدور المشاورات حول مشروع قرار قدمه المندوب الفرنسي
في المجلس ويحظى بدعم الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو يدعو الى
تمديد فترة التحقيق في اغتيال الحريري ستة أشهر ويطلب من الامين
العام للامم المتحدة كوفي انان مساعدة لبنان في تحديد نطاق محكمة
<<ذات طابع دولي>> من دون الموافقة على تشكيل مثل تلك المحكمة.
وكان ميليس ابلغ الصحافيين عقب
جلسة مجلس الامن الثلاثاء ان التحقيق في حوادث القتل الأخرى سيتطلب
عددا أكبر كثيرا من المحققين وربما يستغرق سنوات.
وأعلن المتحدث باسم وزارة
الخارجية الأميركية شون ماكورماك تأييد طلب الحكومة اللبنانية
بتوسيع تفويض لجنة التحقيق الدولية ليشمل جميع الاغتيالات التي
حدثت في لبنان خلال الأشهر الماضية، مشيرا إلى أن مجلس الأمن قد
يدرس فرض عقوبات أكثر قسوة على سوريا في حال تجاهلت القرارات
الدولية الرامية إلى الحد من تأثيرها في لبنان.
وأشار ماكورماك الى أن ميليس
اتهم سوريا بإحراق وثائق وترهيب شهود في ما يتعلق بجريمة اغتيال
الحريري. وقال <<هذا ليس تصرف حكومة ودولة تريد مساعدة المجتمع
الدولي والشعب اللبناني في كشف ما حصل، ومن هو المسؤول>>.
وكان المندوب الاميركي جون
بولتون قال في وقت سابق <<من دواعي الاسف ان الحكومة السورية لا
تستجيب الا للضغوط.. على الاقل هذه هي خبرتنا معها حتى الآن. ولذا
فنحن ندرس الضغوط الاضافية التي يمكننا ممارستها. وسوريا لن تفلت
من العقاب على عرقلة هذا التحقيق. انها لن تتمكن من التستر على
افعال كبار مسؤوليها ولن تفلت من العواقب>>.
ورد المندوب السوري فيصل المقداد
على هذه التصريحات بالقول: <<السفير بولتون كان دائما على خطأ. كان
يقول ان العراق لديه اسلحة دمار شامل. وكان على خطأ. كان مخطئا في
كل ما قاله>>.
السفير (15 12 2005)