موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Monday December 19, 2005 الساعة 12:31:40 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

أمام هجمة التدويل ... ما العمل؟

د. عصام نعمان

من مفارقات السياسة المضحكة المبكية في لبنان ان معظم رافعي شعـــار "حرية، سيادة، إستقلال" من السياسيين التقليديين القدامى والجدد قد باتوا من عتاة المنادين، مباشرة أو مداورة، بتدويل "الحالة" اللبنانية .

أقول "الحالة" اللبنانية وليس الدولة اللبنانية لأن لبنان أضحى على أيدي طبقته السياسية التقليدية الحاكمة مجرد حالة سياسية مَرَضية تبدو عصيّة على المعالجة المحلية. الأصح ان يقال ان "أطباء" الطبقة السياسية إياها يريدون ان يلقوا في روع اللبنانيين ان لا سبيل الى إنقاذ النظام المريض إلاّ بواسطة أطباء دوليين يعملون تحت رقابة هيئة "طبية" عليا إسمها مجلس الأمن الدولي.

الحقيقة ان هذه الطبقة السياسية التي ما فتئت تعيد إنتاج نفسها منذ الإستقلال العام 1943 قد تمكّنت، بقصورها وقصر نظرها، من تدويل مختلف وجوه الحالة اللبنانية منهجيا وتدريجيا. فهي دوّلت الوضع الأمني الحدودي مع العدو الصهيوني باتفاقية الهدنة للعام 1949. ثم ما لبثت، نتيجةَ ضعفها وقلة حيلتها، ان انزلقت الى تقييد نفسها والبلاد بقراراتٍ متلاحقةٍ لمجلس الأمن تناولت اللاجئين الفلسطينيين، والمناطق المحتلة في لبنان بما في ذلك قوات الطوارئ الدولية، لتجد نفسها مضطرةً في ما بعد إلى القبول بصيغة "قوات الردع العربية" ذات الجنسيات العربية المتعددة، بادئ الأمر، ثم المقتصرة على القوات السورية. وبعد ذلك انزلقت الى تكريس "إتفاقية الخط الأزرق" المتعارضة مع واقع حدود لبنان الدولية.

في هذه الأثناء، ونتيجةَ تدهور الأوضاع المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الأهلية، تمّت "دولرة" الوضع النقدي والمصرفي. وبعد ذلك جرى التسليم بأن معالجة الدين العام المتفاقم وتنشيط الإقتصاد والإستثمار إنما تتمّ بطريق مؤتمرات دولية كباريس-1 ، وباريس-2 وما إلى ذلك من التركيبات المعقودة اللواء لدول كبرى ليست بطبيعة الحال جمعيات خيرية أو مؤسسات تنموية.

إذْ انجزت تدويل الأمن والاقتصاد، وقبلهما بزمن طويل عولمة التعليم العالي بكليات وجامعات فرنسية وأميركية، إنزلقت الطبقة السياسية التقليدية، نتيجة تناحر أركانها وقصورها وتواطؤها مع الخارج العربي والخارج الدولي، إلى تدويل التحقيقات القضائية الجنائية بدعوتها إلى وموافقتها على إقامة لجنة تحقيق دولية لكشف حقيقة جريمة اغتيال المغفور له الرئيس رفيق الحريري. وها هي اليوم، بعد تفاقم المسلسل الإجرامي الذي تلاحقت فصوله تباعا مع سيطرة أكثريتها النيابية على الحكومة وإجرائها تعيينات وتشكيلات أمنية، تسعى بكل قواها الى تدويل ما تبقى من التحقيقات القضائية الجنائية بمطالبة مجلس الأمن توسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية لتشمل قضايا الاغتيالات جميعا، بدءا بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة وصولا الى قضايا اغتيال أو محاولة اغتيال كل من سمير قصير، وجورج حاوي، والياس المر، ومي شدياق وجبران تويني. وليس من شك في ان صلاحيات لجنة التحقيق الدولية ستنسحب بالضرورة على القضايا الجنائية اللاحقة لتاريخ إقرار توسيع صلاحياتها. ولن يطول الزمن قبل ان تنادي فئات من الاكثرية النيابية الحاكمة بنشر قواتٍ دولية في سياق الدعوة لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1559.

أي دولة هي هذه "الدولة" التي بات أمنها وماليتها وإقتصادها وتعليمها العالي وقضاؤها مدّولا؟ وماذا يبقى من استقلالها وسيادتها عندما تصبح كل هذه الشؤون الحياتية مدوّلة، ناهيك بالقـرار السياسي الذي تضطلع به شكليا طبقة سياسية استطابت، على مرّ التاريخ المعاصر، وصاية إقليمية أو دولية على شؤونها وشجونها؟

في مقابل، بـل في مواجهة، هذه الطبقة السياسية المخصية والمرتهنة، نشأت حالات ساطعة من الأصالة والتمرد والتحرر والريادة تمثّلت في شخصيات سياسية ومفكرين ومصلحين ومناضلين حاولوا، بالتفكير والتدبير، توجيه الاجتماع السياسي اللبناني وجهة مغايرة، قوامها الحرية والاستقلال والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتنمية والإبداع ومواجهة المطامع الصهيونية والهيمنة الأجنبية.

على الصعيد السياسي، تمثلت الحالة النهضوية أكثر ما يكــون بـ"الجبهة الاشتراكية الوطنية" في مطالع الخمسينات، ثم بـ"الحركة الوطنية" في منتصف السبعينات، وبالمقاومة الوطنية والإسلامية بقيادة "حزب الله" في منتصف التسعينات من القرن الماضي وصولا الى الوقت الحاضر.

اليوم تجد الحالة النهضوية نفسها محاصرة بهجمة دولية نجحت، من خــلال "تسونامي" الإحتجاج على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من جرف الوجود السوري من لبنان. وهو وجود كان قد استنقع وأضحى عالةً على القوى الوطنية النهضوية، وكان يقتضي خروجه بكرامة في مطلع التسعينات. كما تجد الحالة النهضوية نفسها مهددة أيضا بتوليد "تسونامي" سياسية ثانية عقب اغتيال النائب والصحافي الجريء جبران تويني لضرب العمود الفقري للمقاومة تحديدا من خلال تصميم الولايات المتحدة على تجريد حزب الله من السلاح، لتنفيس الحالة الوطنية النهضوية. بل ان هجمة التدويل تبدو ناشطة لتحقيق غرض آخر هو تحويل لبنان منصةً للوثوب على سورية وضرب قواها الوطنية والديمقراطية في الحكم والمعارضة معاً وذلك في سياق حملة تفتيت بلدان المشرق العربي وتفكيكها إلى جمهوريات موز هزيلة وهزلية على أسس قبلية وطائفية واثنية.

إزاء هذا التصعيد المتواصل والتأزيم المتفاقم في سياق هجمة التدويل... ما العمل؟

لقد اختـارت الطبقة السياسية التقليدية، بتكتلاتها وأحزابها وشخصياتها، طريقها واتخذت قرارها بالتماهي مع هجمة التدويل، فماذا تفعل القوى الوطنية النهضوية؟

ثمة مشروع استراتيجي بخطوط عريضة نطرحه للمناقشة العامة والحوار، علّ فيه ما يجدي ويفيد ويشحذ فواعل التفكير والتدبير:

أولا: ما عاد التلاقي الظرفي العابر بين القوى الوطنية يكفي لمواجهة هجمة التدويل المتمادية. ثمة حاجة حارّة إلى توحيد القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية الشوروية في جبهة عريضة فاعلة.

ثانيا: ما عادت المقاومة الميدانية كافية لمواجهة العدوان الأميركي - الصهيوني على الحدود والوجود والصمود. ثمة حاجة حارّة إلى أن تكون المقاومة الميدانية مقرونةً بمقاومة مدنية، سياسية واجتماعية وثقافية، على نحوٍ يمكّن المقاومتين معاً من شن هجوم سياسي واجتماعي شامل على مستوى البلاد برمتها في مواجهة الطبقة السياسية الممالئة للدول الكبرى ولمصادر العدوان العسكري. ففي النضال من أجل القضايا الاجتماعية والمطلبية المعيشية تذوب العصبيات الطائفية وتنعدم الإثارة المذهبية. كذلك يقتضي شن حملة سياسية وطنية لتنفيذ أحكام الدستور في ما يخص انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، وحصر التمثيل الطائفي في مجلس الشيوخ. وفي مطلق الأحوال يقتضي إجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانونٍ جديد يعتمد نظام التمثيل النسبي.

ثالثا: ما عاد الإحتشاد في "يوم القدس" و "عاشوراء" يكفي للتعبئة والتوجيه بل يقتضي اتخاذ قرار تاريخي بإشراك الجمهور المسيس والمنظم في العملية الديمقراطية الإجتماعية والهجوم به سياسيا على مواقع ومواقف الطبقة السياسية التقليدية المهترئة لفضحها وزحزحتها وإجلائها تاليا عن مواقع القرار بالوسائل الديمقراطية.

رابعا: ما عاد يكفي التغني بالديمقراطية والتغرغر بها كما تفعل قوى النظام الطوائفي الفاسد بجناحيها الموالي والمعارض، بل يقتضي التزام الديمقراطية فكرا ونهجا وممارسة داخل الأحزاب والقوى السياسية نفسها كخطوة أولى لا بد منها من اجل إضفاء صدقية وجدية على النضال من اجل تعميمها في المجتمع واعتمادها في مؤسسات الدولة.

خامسا: ما عاد يجوز مهادنة الأنظمة العربية والإسلامية، تحت أعذار شتى، في إستبدادها وقمعها لشعوبها بل يقتضي التلاحم مع قوى التحرر والديمقراطية ونصرة حقوق الإنسان والعمل الجاد في ميادين محاربة الفساد ومباشرة الإصلاح وتعميم التنمية.

هذه الرؤية الطموحة التي نطلقها لا تنبع من أوهام بل من إرادة للتغيّر صلبة وواقعية، ومن حاجات حارّة تعتمل في نفوس الناس التواقين إلى الخروج من حال الركود والخنوع والفوضى والفساد الى رحاب الحركة والحرية والنهضة والشفافية والعدالة والتقدم.

ليس صحيحا ان الأعداء المحليين والإقليميين والدوليين أقوى منا وأفعل. بالعكس، انهـم في مأزق تاريخي وعلى شفير تحولات جذرية، سياسية واستراتيجية، تنبئ موازين القوى المتحولة ببطء لكن باطّراد بأنها تتجه لمصلحة الشعوب الناهدة الى التحرر والحرية والديمقراطية.

أجل، انها رؤية واقعية تستقي جديتها من تشاؤم العقل، وتشحن حركتها بتفاؤل الإرادة.

البلد (18 12 2005)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى