موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Saturday December 24, 2005 الساعة 07:05:10 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

الجاسوس جاهز الآن

تحقيق‏-‏ ياسمينة صالح

وقائع غريبة نشرتها قبل فترة جريدة‏'‏ لوسوار‏'‏ البلجيكية‏,‏ ربما كانت ستمر مرور الكرام لولا أن مجلة‏'‏ لومجازين ديسراييل‏'(‏ المجلة اليهودية الصادرة في فرنسا‏)‏ نشرت قبل أيام ملفا عن‏'‏ عملاء الإنترنت‏'‏ والذين في الحقيقة يشكلون اليوم إحدي أهم الركائز الإعلامية للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية علي حد سواء‏.‏ إنهم أشخاص لا يعرفون أنهم يفعلون شيئا خطيرا‏,‏ يفتحون الإنترنت‏,‏ وبالتحديد صفحات الدردشة الفورية لقضاء الساعات في الكلام عن أشياء قد تبدو من أول وهلة غير مهمة‏,‏ وأحيانا تافهة أيضا‏,‏ لكنها في الحقيقة أشياء تشكل أهم المحاور التي تركز عليها أجهزة استقطاب المعلومات في المخابرات الإسرائيلية‏,‏ لأنها ببساطة تساعدها علي قراءة السلوك العربي‏,‏ سلوك الفرد وبالخصوص الشباب الذين يشكلون علي العموم أكثر من‏70%‏ من نبض الأمة العربية‏.‏

في سنة‏1998,‏ حين اجتمع ضابط المخابرات الإسرائيلي‏'‏ موشي أهارون‏'‏ مع نظيره الأمريكي في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية‏,‏ لم يكن الأمر يعدو اجتماعا روتينيا‏,‏ كان فيه الجانب الأمريكي يسعي إلي الحصول علي الحقائق اللوجستيكية التي من عادة المخابرات الإسرائيلية تقديمها للأمريكيين عن الدول المتهمة قبلا بـ‏'‏محور الشر‏',‏ بالخصوص التي تطلق عليها إدارة البيت الأبيض بالدول المارقة‏.‏ لكن الجانب الإسرائيلي كان يبحث عن الدعم اللوجستيكي غير المعلوماتي‏,‏ بل المادي لتأسيس مكتب ظل في الحقيقة بمثابة الأمل الكبير‏'‏ لموشي أهارون‏'‏ الذي كان من أبرز الوجوه الإسرائيلية المختصة في الشؤون الأمنية العربية‏.‏ كان وراء عمليات اغتيال طالت شخصيات فلسطينية في تركيا ونيروبي وساحل العاج وتونس ودولا أخري أوربية مثل يوغسلافيا سابقا‏,‏ وأسبانيا وإيطاليا‏.‏ فكرة المكتب كانت تتأسس علي نقاط مضبوطة مسبقا‏,‏ وبالتالي تبدو واضحة وسهلة‏:‏ تأسيس مكتب مخابراتي متحرك‏/‏ثابت عبر الإنترنت‏.‏ كان الأمر علي غرابته يبدو مثيرا للاهتمام بالنسبة للأمريكيين الذين اشترطوا أن يكونوا ضمن‏'‏ الشبكة‏'.‏ ماديا‏,‏ لم تكن إسرائيل قادرة علي ضمان‏'‏ نجاح‏'‏ تجربة مخابراتية عبر الإنترنت من دون مساعدة أمريكية عبر الأقمار الصناعية وعبر المواقع البريدية الأمريكية التي تخدم بالخصوص‏'‏ الشات‏'‏ بكل مجالاتها والتي تعرف بالإقبال عليها من قبل الشباب وبالخصوص من قبل شباب العالم الثالث في القارات الخمس‏.‏

بتاريخ‏1‏ مايو‏2002‏ تم الكشف لأول مرة في جريدة‏'‏ التايمز‏'‏ عن وجود شبكة مخابراتية تركز اهتماماتها علي جمع أكبر عدد من‏'‏ العملاء‏'‏ أولا وبالتالي من المعلومات التي يعرف الكثير من الأخصائيين النفسانيين المنكبين علي المشروع كيفية جمعها وبالتالي كيفية استغلالها لتكون معلومة‏'‏ ذات أهمية قصوي‏'!‏ كانت العملية أشبه بفيلم هوليوودي ذي تأثيرات سينمائية محضة‏,‏ ومبالغات كتلك التي تتكاثف عليها الأفلام الحركية الأمريكية‏,‏ لكن الحقيقة كانت أن مكتب‏'‏ المخابرات عبر الإنترنت‏'‏ تأسس فعلا في سنة‏2001,‏ تحت قيادة ضباط من المخابرات الإسرائيلية أولهم هو نفسه‏'‏ موشي أهارون‏'‏ بمعية ضباط من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية‏,‏ والذي امتد إلي العالم من خلال جملة من المعطيات التي كانت تتركز علي نفس الهدف الأول‏:‏ جمع عملاء شباب لخدمة إسرائيل الكبري‏!‏

ما نشرته مجلة‏'‏ لوماجازين ديسراييل‏'‏ الصادرة في فرنسا يبدو مثيرا للكثير من الدهشة‏,‏ ربما لأنها نقلت عن‏'‏ ملفات سرية‏'‏ الكثير من التفاصيل التي استطاعت أن تجمعها عن مصادر موثوقة في إسرائيل‏,‏ بحيث إنها كما تقول المجلة‏'‏ أخذت السبق في نشرها‏'‏ وهو ما أثار في النهاية سخط السفير الإسرائيلي في فرنسا ضد المجلة اليهودية التي اتهمتها الكثير من الجهات اليهودية بأنها‏'‏ كشفت أسرارا لا يحق لها كشفها للعدو‏'‏ وهو ما تراه المجلة نفسها‏:‏ الحق في المعرفة‏!‏ بين هذا وذاك كانت القضية الأخطر‏.‏

بالنسبة إلينا‏,‏ لأهمية وخطورة هذه الإشكالية قمنا بدعوة أستاذين مختصين في علم النفس وعلم الاجتماع للتعمق في الموضوع‏,‏ وهم‏:‏ جيرالد نيرو‏'‏ أستاذ في كلية علم النفس بجامعة بروفانس الفرنسية‏,‏ والدكتورة‏'‏ ماري سيغال‏'‏ أخصائية اجتماعية‏,‏ مختصة في السلوك البشري في جامعة‏'‏ لوروا‏'‏ البلجيكية‏..‏
ماذا تعني‏'‏ المخابرات الإنترنتية‏'‏

يقول‏'‏ جيرالد نيرو‏'(‏ أستاذ في كلية علم النفس بجامعة بروفانس الفرنسية‏,‏ وصاحب كتاب‏:‏ مخاطر الإنترنت‏):'‏ هذه شبكة تم الكشف عنها سنة‏2001,‏ بالتحديد في مايو‏.2001‏ هي شبكات يديرها مختصون نفسانيون إسرائيليون مجندون لاستقطاب شباب العالم الثالث وبالتحديد الشباب المقيم في دول المحور‏(‏ محور الصراع العربي الفلسطيني‏).‏ لقد قمت بالكتابة عن هذه الشبكة في كتابي‏'‏ مخاطر الإنترنت‏'‏ وذكرت بعد الكثير من الدراسات أن مكتب‏'‏ المخابرات الإنترنتية‏'‏ عبارة عن مواقع للشات‏,‏ والحوار والانطلاق‏,‏ بحيث إنها تعتمد علي معطيات تبدو مهمة بالنسبة لمستعملي الإنترنت‏,‏ أولا الخصوصية وثانيا الحوار وبالتالي تناول المواضيع المحظورة أحيانا كالجنس الخ‏.‏ لهذا‏,‏ الدخول إليها لن تحتاج إلي مغامرات حقيقية‏,‏ بل إلي مجرد فتح المواقع المعنية تلك‏,‏ إذ يكفي القيام بمسح شامل للمواقع لتكتشف العدد الرهيب لمواقع الشات والتي بدورها تنقسم إلي أقسام كثيرة مثل‏:‏ الحوار العاطفي‏/‏ الحوار الثقافي والفكري‏/‏ الحوار السياسي‏/‏ الحوار الرياضي الخ‏..'‏ هذه الأقسام تجلب إليها آلاف من المشتركين الذين يستعملون أسماء مستعارة‏,‏ لأن المواقع في النهاية تريد أن يشعر المشترك فيها أنه‏'‏ حر‏'‏ و‏'‏غير مراقب‏'.‏ وهذا هو السبيل الأفضل لاصطياد عدد كبير من الأشخاص‏.‏ ثمة نقطة لا يعرفها الشخص الذي يفتح موقعا معينا‏(‏ يقف خلفه ضابط مخابرات إسرائيلي‏)‏ مثل موقع‏'‏ شات لوف‏'‏ الذي انطلق عام‏2003‏ من الولايات الأمريكية وصار اليوم موقعا دوليا يحمل أكثر من عنوان عبر الإنترنت علي سبيل المثال‏'‏ الصداقة دوت كوم‏'‏ الذي يدخله الملايين شهريا ويصدر بالعديد من اللغات إلخ‏.‏ هؤلاء صار واضحا للعيان الآن أن ثمة من يسيرون المواقع من خلفيات مخابراتية‏,‏ ثمة أطباء نفسانيون ومختصون في علم الاجتماع يديرون الحوار بذكاء وحرفية كبيرة‏,‏ وقد استطعنا أن نقيم دراسة في الموضوع عرضناها ضمن كتابنا السابق الذكر‏.‏ يضيف‏'‏ جيرالد نيرو‏'‏ في الحقيقة أن كل من له قدرة علي استعمال الإنترنت لسد فراغ أو حاجة نفسية يعتبر‏'‏ عميلا مميزا‏',‏ لأن المواقع التي تثير الشباب هي التي تمنحهم مساحة من الحوار ربما يفتقدونها في حياتهم اليومية‏,‏ ناهيك علي أن استعمال الإنترنت يضمن خصوصية معينة‏,‏ بحيث إن المتكلم يحتفظ عادة بسرية ما في شخصه‏,‏ كأن يستعمل اسما مستعارا‏,‏ وبالتالي يكون إحساسه بالحرية أكثر‏,‏ ناهيك علي أن تركيز الشباب لا يكون علي الموقع نفسه‏,‏ بل علي من سيلتقيه للحديث معه‏.‏ المسألة تبدو سهلة بالنسبة لضباط المخابرات الذين ينشطون بشكل مكثف داخل مواقع الدردشة‏,‏ بالخصوص في المناطق الأكثر حساسية في العالم‏.‏ ولعل أكبر خاصية يمكن اكتشافها في مستعملي الإنترنت في العالم الثالث هو الحاجة إلي الحوار‏.‏ عادة يكون مستعمل مواقع الشات شخصا يعاني من البطالة اجتماعيا وفكريا‏,‏ وبالتالي يسعي إلي سد وقت الفراغ بالبحث عن‏'‏ أشخاص آخرين‏'‏ يشاركونه أفكاره‏.‏ ربما يعتقد بعض المستعملين للانترنت أن الكلام عن‏'‏ الجنس‏'‏ مثلا ضمانا يبعد الشبهة السياسية عن المتكلم‏,‏ بينما الحقيقة أن الحوار الجنسي هو في الحقيقة وسيلة خطيرة لكشف الأغوار النفسية وبالتالي لكشف نقاط ضعف من الصعب اكتشافها في الحوارات العادية الأخري‏,‏ لهذا يسهل‏'‏ تجنيد‏'‏ العملاء انطلاقا من تلك الحوارات الخاصة جدا والتي تشمل في العادة غرف النوم والصور الإباحية وما إلي ذلك‏,‏ بحيث إنها السبيل الأسهل للإيقاع بالشخص ودمجه في عالم يسعي رجل المخابرات إلي أن يكون عالمه‏,‏ أي أفيونه الشخصي‏!'‏
الدكتورة‏'‏ ماري سيغال‏'‏ التي تشارك معنا الحوار تري شيئا آخر‏,‏ تقول‏:'‏ عبارة‏'‏ المخابرات الإنترنتية هي المصطلح الجديد علي مسامع الآخرين‏,‏ برغم من حقيقة وجودها‏.‏ الأمريكيون اعتبروا قبل غزو العراق أنهم‏(‏ يسعون إلي قراءة الشخصية العراقية‏)‏ من خلال الإنترنت‏.‏ أي استقطاب أكبر عدد من العراقيين بمختلف مستوياتهم لدراسة شخصيتهم وكان ذلك المشروع قيد البدء فعلا‏,‏ قبل أن تتسارع الأحداث بغزو العراق بتلك الطريقة‏.‏ من وجهة النظر العلمية فإن استقطاب المعلومات لم يعد أمرا معقدا‏,‏ بل صار أسهل من السابق بكثير‏.‏ ربما في السنوات العشرين السابقة‏,‏ كان‏'‏ العميل‏'‏ شخصا يتوجب تجنيده بشكل مباشر‏,‏ بينما الآن يبدو‏'‏ العميل‏'‏ شخصا جاهزا‏,‏ يمكن إيجاده علي الخط‏,‏ وبالتالي تبادل الآراء معه ونبش أسراره الخاصة أحيانا‏,‏ وأسراره العامة بشكل غير مباشر‏.‏ هنالك حادثة غريبة نشرها ضابط المخابرات الإسرائيلي‏/‏ الأمريكي‏'‏ وليام سميث‏'‏ الذي اشتغل إبان الحرب الباردة ضمن فرقة‏'‏ المخابرات المعلوماتية‏',‏ نشر في جريدة الواشنطن بوست قبل عامين أجزاء من كتابه‏'‏ أسرار غير خاصة‏'‏ عن تجنيد شباب عاطلين عن العمل من أمريكا اللاتينية‏,‏ كان دورهم في غاية البساطة والخطورة عبارة عن كتابة تقرير عن الأوضاع السائدة في بلدانهم‏.‏ في الفصل السادس من الكتاب ذكر‏'‏ وليام سميث‏'‏ أن احد الشباب الناقمين علي النظام في إحدي دول جنوب أمريكا ذكر لضابطة مخابرات كانت معه علي الخط‏( عبر غرف الدردشة‏)‏ أن ثمة شائعات مثيرة تدور بين الناس أن سعر البنزين وبعض المواد الغذائية سوف يرتفع في الأيام القادمة‏.‏ فسألته الضابطة‏'‏ وماذا يعني ذلك؟ كل يوم ترتفع الأسعار في العالم‏',‏ فرد عليها الشاب‏:‏ أنت تمزحين‏,‏ سيثور الناس هذه المرة ويقومون بثورة ضد النظام‏.‏

كانت تلك المعلومة البسيطة والمهمة لا تعني أن الأسعار سترتفع‏,‏ بل أن تسارع جهات من الخارج إلي رفعها وإلي إثارة الناس بشكل حقيقي لأجل إثارة الفوضي عبرها‏,‏ وهو الشيء الذي تم تنظيمه في جمهورية جورجيا حين تم الكشف عن شبكة تنشط عبر الإنترنت قامت بحشد مجموعة من النشطاء الذين استطاعوا أن يقوموا بعمليات كثيرة ضمن‏(‏ الثورة الملونة‏)‏ أخيرا‏.‏ ما يهمنا في الحقيقة هو التأكيد أن الإنترنت لم تعد نافذة علي العالم فحسب‏,‏ بل صارت تشكل وسيلة خطيرة للدخول إلي خصوصيات الآخرين وبالتالي تم استغلالها لأغراض مخابراتية عسكرية محضة‏,‏ هذا شيء لا يختلف عليه أحد اليوم أساسا‏..‏ تضيف الدكتورة‏'‏ ماري سيغال‏':'‏ نحن نتساءل عمن يستعمل الإنترنت عادة؟ من الصعب الرد علي السؤال لأن الذين يستعملون الإنترنت تتراوح أعمارهم من السادسة إلي الثمانين عاما‏,‏ ولهذا يصعب تحديد أسباب الاستعمال خارج ما نسميه أساسا بالرغبة في كسر حاجز المسافة أولا‏,‏ وبالتالي في الحوار‏.‏ ما يثير اهتمامنا في المعهد البلجيكي لخدمات الإنترنت هو أن نركز علي نقطة مهمة وهي‏:‏ لماذا نستعمل الإنترنت؟ هل لتصفح البريد أم لتصفح العالم؟ في هذه النقطة يجب القول إن العالم لم يعد واسعا طالما الإنسان الجالس في مقعده يمكنه زيارة واشنطن ونيودلهي في برهة عين‏,‏ من دون أن يغادر مقعده‏.‏ هذا شيء عظيم تم إنجازه‏,‏ إلا أن النتائج كانت فادحة‏,‏ لأن استغلال هذه الشبكة الضخمة تم تعريضه لعوامل خارجية علي أساسها تحول الإنترنت إلي‏'‏ سد فراغ‏'‏ أو تسلية سرعان ما انقلبت إلي مأساة حين عجز الإنسان عن فعل شيء سوي الدخول إلي مواقع الدردشة التي لن يخرج منها إلا بإحساس أنه أضاع وقتا عليه تداركه بالدخول إلي دردشة أخري من دون أن يسأل نفسه عن ماذا يجب أن يتكلم أساسا‏!‏

يتدخل الدكتور‏'‏ جيرالد نيرو‏'‏ معلقا‏:'‏ دعونا نتكلم عن الوضع السائد دوليا‏,‏ لا يمكننا بأي حال من الأحوال فصله عن الوضع الشخصي للفرد‏,‏ وهو الإحساس بالإحباط والضغط أيضا‏.‏ هذه عوامل خارجية في غاية الخطورة ساهمت فيها العديد من الجهات دوليا وإقليميا وداخليا‏,‏ لهذا يعتقد الفرد أن هروبه إلي‏'‏ السرية‏'‏ في الحوار عن كل شيء بمثابة التخفيف عن ضغط حقيقي يصيبه يوميا‏,‏ والتخفيف يتم في غرف الدردشة التي يوجد فيها من هم هناك لأجل الاستماع‏!‏ كل شخص يحتاج اليوم إلي من يصغي إليه‏.‏ غرف الدردشة و‏'‏ أبواب التعارف عبر الشات‏'‏ عبارة عن عوالم أعطت للشخص احتياجات كثيرة منها أنه مسموع‏,‏ لأول مرة في حياته يجد من يتحاور معه ويصغي إليه‏,‏ ولهذا فأدق معلومة تبدو مهمة‏,‏ بحيث يجمع أكبر قدر من المعلومات عن نفسية الأشخاص المستعملين لتلك الغرف‏.‏ هذا نجده بشكل كامل في كتاب‏'‏ غرف الشات المزدوجة‏'‏ والتي يعرض فيها الصحفي‏(‏ وضابط المخابرات الإسرائيلي‏)'‏ دان شستاسكي‏'‏ أن التركيز علي فئة الشباب هي المهمة‏,‏ لأن الشباب مندفع في الكلام‏,‏ وبالتالي التعرف إلي الجنس اللطيف هو في الأساس ما جعل مكتب‏'‏ المخابرات الإنترنتية يلجأ إلي تجنيد ضباط نساء من الشبكة‏,‏ بحيث إن الطلب عليهن أكبر في العالم الثالث وفي الشرق الأوسط عموما‏!‏

رؤية الحرب عبر الإنترنت‏:‏

لم يقتصر الإنترنت علي مجرد مواقع الشات والتحرشات الغريبة والتي يعتقد كل طرف أنه يحقق من خلالها حريته الشخصية أو ما صار يصطلح عليه‏'‏ ديمقراطية‏'‏ الفرد في الجماعة‏,‏ وهو المصطلح الذي يعني أن الفرد في النهاية يؤسس بداية تكوين المجموعة‏,‏ وهو في الحقيقة المعني التروتسكي القديم الذي أدي في النهاية إلي إحداث الخلل في العديد من التركيبات الطبيعية لماهية الحرية نفسها‏,‏ وماهية الإنسان‏.‏ ربما في عالم الإنترنت‏,‏ صارت المؤشرات الرقمية هي الأهم‏,‏ بحيث لم يعد ممكنا الكلام سوي عن ذلك العالم الكبير الذي حولته الشبكة المعلوماتية والرقمية إلي قرية صغيرة‏,‏ بيد أن عبارة القرية الصغيرة‏'‏ اخترعها‏'‏ الغرب لاختزال كل السياسات غير المتساوية وغير العادلة التي ترتكبها الدول القوية علي الدول الضعيفة التي تشكل أكثر من نصف سكان العالم‏.‏ القرية الصغيرة هي الانعكاس الثاني لعالم الإنترنت‏,‏ بكل ما منحه ذلك العالم من إيجابيات حقيقية وسلبيات جمة‏,‏ لأن الشبكة المفتوحة علي‏'‏ الديمقراطية الفردية‏'‏ أغرقت شعوبا كثيرة في الفقر والمآزق السياسية وقادت الأفراد إلي خيانة أوطانهم أيضا‏.‏ بتاريخ‏27‏ مايو‏2002‏ نشرت جريدة اللوموند الفرنسية ملفا عن حرب الإنترنت‏,‏ وهي الحرب التي فعلا انطلقت منذ أكثر من عشرين سنة‏,‏ وتوسعت منذ أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ بحيث تحولت من حرب معلوماتية إلي حرب تدميرية كان الهدف الأساسي منها احتكار‏'‏سوق الإنترنت‏'‏ عبر مجموعة من المواقع التي رأت النور بعد ذلك التاريخ الأسود من أيلول‏2001,‏ بحيث إن أكثر من‏58%‏ من المواقع التي ظهرت كانت في الحقيقة فروعا مؤكدة من أجهزة الاستخبارات للعديد من الدول أهمها الولايات الأمريكية وإسرائيل‏,‏ تليهما بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا‏..‏ لم يكن المغزي من المواقع‏(‏ ذات الوجهة الشبابية‏)‏ اكتشاف العالم من جديد‏,‏ ولا اختصار المسافة بين الشمال والجنوب لتقريب الدول والمسافات‏,‏ بل كان الهدف منها قراءة أخري لواقع الحرب الجديدة التي تفجرت والتي يسميها أكثر من‏90%‏ بالحرب علي الإرهاب‏.‏ ربما من الصيغة الأحادية المصدر فإن الإرهاب ارتبط للأسف الشديد بجملة من التشويهات الإعلامية التي مورست ضد دول العالم‏,‏ لإغراقها في الفقر ولإلصاق تهمة الإرهاب بها مرتين‏,‏ مرة لأنها ضعيفة وفقيرة ومرة لأنها فعلا تحمل رؤي مختلفة عن رؤي الاستغلال الرأسمالي الغربي‏,‏ ونمط الفكر الغربي الاستهلاكي‏,‏ لهذا كان الإعلام الأمريكي في السبعينات ينظر إلي دول الجنوب نظرة حربية مازالت مستمرة إلي اليوم‏,‏ وإن توسعت لتشمل دول وأعراق أخري‏.‏ ما تحقق علي مستوي الشبكة المعلوماتية لم تحققه ربما أكبر الحروب المباشرة‏.‏

لقد تغير العالم فعلا يقول الكاتب الأمريكي‏'‏ رونالد ماكرو‏'‏ في كتابه‏'‏ عشرة أعوام لكسب الرهان‏'‏ والذي يتناول فيه وبشكل مباشر الدور الرهيب الذي لعبه الإنترنت في الكثير من المواقع ال‏'‏ ترفيهية‏'‏ التي كانت تخفي خلفها أسماء عسكرية رهيبة‏.‏ مجلة‏'‏ لاتريبون‏'‏ الفرنسية عرضت في عدد‏213‏ أن ضابط الاستخبارات الإسرائيلي‏'‏ أدون وردان‏'‏ المعروف في الوسط المخابراتي داخل وخارج إسرائيل هو نفسه‏'‏ دانيال دوميليو‏'‏ الذي أطلق موقع‏'‏ شباب حر‏'‏ الذي استقطب أكثر من‏10‏ ملايين زائر في سنة انطلاقته عام‏2003,‏ وكان هذا الموقع ـ‏(‏ الذي توقف فجأة بعد أن كشفت صحيفة الصنداي شخصية مؤسسه‏)‏ ـ من أهم مواقع التعارف والكتابة الحرة التي يعبر فيها ملايين الشباب عن‏'‏ غضبهم‏'‏ من حكوماتهم‏,‏ وبالتالي كان ثمة ضباط من العديد من الدول الذين‏'‏ اعتقدوا‏'‏ أنهم يؤدون مهمة إنسانية بالكشف عن أسرار عسكرية في غاية الخطورة‏,‏ منها ضباط من كوت ديفوار نشروا وثائق خطيرة عن الوضع الأمني الذي تم استغلاله من قبل المخابرات الإسرائيلية في السنة الماضية ل‏'‏معاقبة فرنسا‏'‏ علي موقفها‏'‏ السلبي‏'‏ من الحرب علي العراق‏,‏ يقول‏'‏ دونالد ماكرو‏'‏ بالحرف الواحد‏..‏ لقد لعب الإنترنت المهمة الأخطر علي المستوي العسكري‏,‏ إذ أن مجرد السؤال في حوار عادي عن الوضع السائد في البلد الفلاني لم يعد بريئا‏,‏ لكن ثمة أخصائيين يجيدون طرح الأسئلة بتفادي طرحها بشكل مباشر‏,‏ ولإجبار الطرف الآخر علي طرحها‏..‏ فقد كانت دولة مثل إسرائيل في الستينيات والسبعينيات تصرف الملايين من الدولارات كرواتب لعملاء تعمل علي تدريبهم وبالتالي علي تهيئتهم للأعمال المطلوبة منهم‏.‏ كان عالم الجواسيس محاطا دائما بنفس الهالة الرهيبة والمخاطر التي نجحت السينما الأمريكية في صياغتها‏.‏ الجاسوس أو العميل هو نفسه الخائن في كل اللغات‏,‏ هو الشخص الذي يعي أنه يختار الجهة المضادة لأسباب مادية وأحيانا ثأرية‏,‏ وهؤلاء يفعلون ذلك عن مغامرة وعن سقوط إرادي‏,‏ لكن الذي يجري أن‏'‏ العميل‏'‏ الراهن لا يعرف الدور الذي يقوم به‏.‏ لا يعرف أنه يخون ويبيع أسرار بلده‏.‏ لا يعرف أنه ضحية حوار غير برئ‏,‏ ولا يعرف أن كل كلمة يقولها تمر علي عشرات المحللين النفسانيين وأنه هو في الأخير فأر تجارب في عالم متناقض ومشبوه‏.‏ لهذا من الصعب جدا تفادي‏'‏ كارثة الإنترنت‏'‏ يقول أكثر من رأي‏,‏ من الصعب تفادي‏'‏ كارثة الشات‏(‏الدردشة‏)'‏ لأنه يبقي هو العالم المغري لملايين من الشباب بالخصوص الذين يبلغون أقل من عشرين سنة‏,‏ ولهم ثقافة حياتية وفكرية جد محدودة‏,‏ بحيث أنهم لا يهمهم سوي الكلام في أشياء‏'‏ محظورة‏'‏ مع شخص يعتقدونه جنسا لطيفا‏!‏ يقول‏'‏ مايكل هيجل‏'‏ في مجلة‏'‏ بون‏'‏ الألمانية‏.‏ ما يبدو حقيقيا جدا‏,‏ وباعتراف ضباط سابقين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مثــــل‏(‏ جون دلتون‏)‏ وضابط الاستخبارات البريطانية المتقاعد‏(‏ هنري سرلوب‏)‏ صاحب كتاب‏'‏ واجهة شاحبة‏',‏ وضابط الاستخبارات الإسرائيلية‏'‏ ميخائيل ماتان‏',‏ هؤلاء كتبوا بأنفسهم عن الدور الذي لعبوه في استقطاب عملاء بطرق لم يكونوا ليحلموا بها‏,‏ أي بجرهم إلي الحوار عبر الإنترنت‏.‏

الغريب في الأمر‏,‏ يقول‏'‏ هنري سرلوب‏'‏ إن مواقع التعارف عبر النت هي التي تستقطب الملايين من الناس عبر العالم‏.‏ ركن التعارف جلب أطباء وصحافيين مثلما جلب رجال أعمال وموظفين عاديين وأشخاص عسكريين أيضا‏,‏ لهذا كانت المواقع المعنية بالتعارف من أكثر المواقع زيارة في أوروبا وطبعا مفتوحة لاستقطاب شباب من العالم العربي‏,‏ ومن أمريكا اللاتينية‏.‏ الطريقة في غاية السهولة نجدها ببساطة في كتاب‏'‏ العميل البريء‏'‏ للكاتب الإنجليزي‏':‏ إدوارد ريتشادرسون‏'‏ قائلا‏:‏ العميل المثالي هو الأكثر حنقا علي نفسه‏,‏ هو الكاره لذاته‏,‏ الذي لا يحمل أي هدف محدد‏,‏ فتلتقيه في حالة شرود‏,‏ لتقوده إلي عالمك‏,‏ ولتصقل شخصيته كما تشاء‏.‏ بأن تصنع منه عميلا مثاليا و‏'‏بريئا‏'‏ لمجرد أنه لا يعرف أنه يقدم لك خدمات كبيرة مقابل أن تكون صديقه.

الاهرام العربي – 20/12/2005.

المرسل: د. سهيل حداد

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى