|
|
|
آخر تحديث Tuesday December 27, 2005 الساعة 11:25:38 PM |
|
كي لا تقع الحربمرة أخرىنصري الصايغ القلق سيدنا، الخوف ينزل ساحتنا، الأمل يغادر بلادنا، السواد لغة الآلام الباهظة... لبنان يدفع ثمناً فادحاً من دماء رجالاتهلبنان يتوقع الأسوأ... والأكثرية تعزف كلاماً رثائياً. إلا أن الحكمة تقضي بأن نقرّ بما يلي: إنه لأمر مشروع أن يحس اللبنانيون بذلك، ولكنهم يبالغون، عندما يقفلون الأبواب أمام الضوء الذي يكشح القمة ويطرد السواد. فالحرب ليست على الأبواب، والمجهول ليس مدانا البعيد، إذا عرفنا كيف نرمّم بما تيسّر لنا من قوى سياسية لبنانية، السلم الأهلي، وننطلق منه إلى حالة الوطن المعافى. أمام لبنان، بقواه السياسية، فرصة نادرة وربما وحيدة ولعلها فريدة لكي يثبتوا أنهم قادرون على حكم لبنان، بسلام. على اتخاذ القرارات الصعبة من دون وصاية من أحد، ومن دون تدخل من طرف خارجي، ومن دون ضغط من قوة عظمى. أمام اللبنانيين، بقواهم السياسية كافة، الأكثرية والأقلية، أن يلتقطوا اللحظة ليجدوا حلولاً لمشكلاتهم الصعبة، لقضاياهم المصيرية، وأن يرتقوا إلى سوية التعبير عن الموقف، والتعاطي مع المواقف المتغايرة والمختلفة بلغة الحوار. حوار الحفاة والعقارب... تسميم للمياه اليابسة. حوار الأفخاخ... اغتصاب، وتعدٍ على الآخر. حوار الاستقواء... إرهاب، وإلزام وإخضاع للآخر. حوار الشكليات... مداهنة، وكسب وقت، وتأجيل الانفجار. حوار البيزنطيين... فتح الباب لفتوحات تأتي بالحلول من الخارج، وتفرض فرضاً. أمام اللبنانيين ما يلي: 1. كيفية التعامل مع الحقيقة. الإجماع اللبناني على طلب الحقيقة لكشف مرتكبي جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري ومعاقبتهم، يشوبه خلاف على الوسائل: لجنة تحقيق دولية، محكمة دولية، وسواها. أليس باستطاعة من انتدبهم اللبنانيون، عبر انتخابات طائفية نقية، أفرزت أربع تكتلات طائفية ذات تمثيل واسع وحقيقي لقواعدهم الطائفية، أن يتوافقوا على الوسائل. المسألة تحتاج إلى ربط حقيقة اغتيال الحريري، بحقيقة أخرى ناتجة عنها، هي السلامة والسيادة الوطنيتين. 2. كيفية التعامل مع دمشق. لا يجمع اللبنانيون على اتهام دمشق بجرائم الاغتيال والتفجيرات التي حصلت في فترة ما بعد التجديد الإكراهي للرئيس إميل لحود، إلا أن هناك أسباباً واعتبارات وحججاً لدى "تيار المستقبل" وحلفائه في تعيين المتهم، كما أن له من الحجج عدداً لا يحصى، لطلب الحماية من مجلس الأمن. وهو يظن أن هذا الطلب يؤمن للبنان أمناً منتهكاً، بعمليات إرهابية دموية. إلا أن فريق المقاومة وحلفائها، المطالب بالحقيقة لا يرفع إصبع الاتهام السياسي ضد أحد، ويحذر من توجيه التحقيق في اتجاهات، تضيع المجرمين الحقيقيين. ويرى في طلب الحماية الدولية خطراً عليه وعلى لبنان. لأن قرارات مجلس الأمن غير حيادية، بل منحازة لإسرائيل وأعداء لبنان. هل يمكن أن يتفق الطرفان على كيفية التعامل مع سورية، في ظل فريق يتهم وفريق ينتظر التحقيق. لعل الخطورة تكمن هنا. والخوف من هذه الهوة، يفتح أمام القلق الأبواب، ليتخذ مكانه في العقل اللبناني. إن اتفاق القوى اللبنانية كافة، على اعتبار الحقيقة مسالة قضائية، والعلاقات مع دمشق مسألة سياسية توفر أرضية لرسم علاقات يتم فيها التطبيع رويداً رويداً. إلا أن هذا الأمر مرهون بوقف آلة القتل التي يرى فيها فريق "المستقبل" أنها السياسة السورية الانتقامية من اللبنانيين. 3. كيفية التعامل مع القرارات الدولية. نص القرار 1559 على نزع سلاح الميليشيات، وسلاح الفلسطينيين. فهل يتفق اللبنانيون بحواراتهم الجدية على صيانة سلاح المقاومة، كأداة تحرير لما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة، وكصيانة ردعية لاستقلال لبنان وسيادته. على أن هذا القرار، يحتاج إلى تطمين الفرقاء اللبنانيين كافة، من كون هذا السلاح، وهذه المقاومة، المحتضنة من الطائفة الشيعية، لن يرتد إلى الداخل، ليكون أداة فتنة طائفية. كما لن يكون تحت وصاية أي دولة إقليمية (سورية وإيران) أو تحت أي حاجة فلسطينية. إن مثل هذا الحوار الجدي، يفتح النقاش على دور لبنان في المنطقة: أ. هل سلاح المقاومة يردع إسرائيل، المعتبرة حتى الآن، عدواً لكل اللبنانيين؟ ب. كيف السبيل إلى طمأنة الجميع؟! هل ماضي المقاومة ونضالها وحكمتها كافية لاقناع المتخوفين الخائفين والمصطادين في المياه الأجنبية؟ ت. هل من مصلحة لبنان السيد المستقل، أن يدعم مقاومته بأحلاف إقليمية، أم أن ذلك يشكل خطراً عليه؟ مثل هذه الأسئلة هي مدار الحوار والنقاش الجدي. ليضع لبنان صورة الواقع أمامه ويتصرف على ضوء حدودها وترسيماتها. نادراً ما كان السلاح الفلسطيني حلقة نقاش داخلية. وغالباً ما كان سلعة إعلامية وسياسية، يتقاذفها أهل الحكم والسلطة والمعارضة في أسواق التجارة الداخلية. لم يكن السلاح بحد ذاته هو الهدف. فهل يمكن البحث في هذا السلاح، بمعزل عن الحركة الجارية في فلسطين، وفي العالم؟ وهل يمكن النظر في هذه الحالة من دون التطلع إلى رغبات الفلسطينيين وحقهم في العودة؟ من حق اللبنانيين، أن يطالبوا بالأمن ثم الأمن ثم الأمن. ومن واجب السلطة أن تمارس سلطتها الأمنية، وتمنع إقامة ما يسمى بـ "الجزر الأمنية". ومن حق الفلسطينيين أن يقيموا بكرامة متمتعين بحقوق "الغرباء" كاملة، كما يتمتع أي لبناني مهاجر في أي بقعة في العالم، باستثناء حق التصويت والاقتراع. كما من حقهم كفلسطينيين، أن يطالبوا بضمانات لإقامتهم في مخيمات اللجوء، كي لا يصار إلى تشتيتهم والاعتداء عليهم من قبل العدو الإسرائيلي. هل هذا صعب؟ صعب، إذا استمرت حالة التجارة بالعداء للفلسطينيين، بلا نتيجة. لكنه سهل جداً، إذا أخرج من حلبة الابتزاز المتبادل. 4. كيفية التعامل مع ترسيم الحدود ومزارع شبعا. لا شيء يمنع ترسيم الحدود. نحن نعيش في ظل نظام دولي، وفي ظل مفاعيل سايكس - بيكو الكريهة، لكن من يظن أن الترسيم يمنع العلاقات المتبادلة الصحية والممتازة. ومن يظن أنه إذا آن أوان التوحد، يمكن لهذه الحدود أن تقف عائقاً أمامه. الحدود ليست جغرافية أبداً، بل هي سياسية. والحدود السياسية قائمة من زمان التجزئة، ولا يضيرها أن تصبح رسوماً على جغرافيا. تبقى مشكلة مزارع شبعا، وإقامة تمثيل ديبلوماسي. الأولى: مشكوك بنواياها. يمكن حلها بحوار حسن النوايا، على ضوء المصلحة اللبنانية التي تفترض أن تبقى مقاومته قوة وتزداد قوة ومنعة. الثانية: مؤجلة، ولكنها مطلوبة. 5. كيفية الحكم: الديموقراطية التوافقية أم العددية؟ عبث، أن يتحدث اللبنانيون عن شيء ويمارسون عكسه. بما أن التمثيل طائفي، وقد اختاره اللبنانيون في الانتخابات الأخيرة عن رضى وحماس وقبول منقطع النظير، فإن ممثلي الكبانات الطائفية في لبنان مدعوة، بحجم تمثيلها، إلى ممارسة الحوار الجدي، لإقامة السقف السياسي للبنان. يمكن حل هذه المشكلة وفق ما يلي: نص اتفاق الطائف على الطرق الآيلة لتحقيق التوافق الوطني، ولا مصلحة تعلو فوق مصلحة "العيش المشترك". كيف نترجم ذلك؟ كل القضايا المثارة اليوم، تحتاج إلى توافق وتفهم عميق. أما القضايا الإجرائية الداخلية، فهي تحتاج، في حال عدم حصول اتفاق، إلى التصويت. لا يحكم لبنان بفريق أو أفرقاء، ضد فريق أو أفرقاء. لأن كل فريق اليوم، يمثل طائفته خير تمثيل. لا يستقيم حوار بعزل طرفاً. ولا يستقيم تصويت يخرج طرفاً من السلطة. لذلك أمام الأكثرية والأقلية اليوم، فرصة إقامة سلطة لبنانية، باتفاق اللبنانيين، من دون وصاية او تدخل خارجي. في مثل هذه المناخات، يمكن القول، أن لبنان، مهما بلغت مصاعبه، ومهما تعقدت مشكلاته، يستطيع أن يؤسس، بديموقراطيته، لوطن يتعافى رويداً. هذا لا يعني، أن لا يأخذ الرياح الإقليمية بعين الاعتبار، بل من واجبه تدارك سلبياتها. ليكون هو قادراً على المساهمة، بوقف التدهور الحاصل على مستوى الأمة. وهذا لا يعني، أن لا يحتاط للرياح الدولية المناوئة، وأن يكون قوياً وذكياً وحكيماً، في كيفية رسم العلاقات معها. فلا يقع في عواصفها، ولا يضع رأسه في عنق الزجاجة. ويصير الحل إما بقطع رأسه، أو بكسر عنق الزجاجة... ويا للكارثة. قوة لبنان في وحدته ومقاومته. أما إذا لم يتفق فرقاء لبنان الطائفيون اليوم، فهذا يعني أن نظام الطائف مات. ولا قدرة له على الحياة. وإن بلداً لا يستطيع أن تحل قواه الأساسية مشكلاته، سيكون مساحة لتدخلات الآخرين. الحرب القادمة، إن حصلت، سيكون اللبنانيون قد استدعوها، وسيكونون وقودها، وسيخسر الجميع، والأمة كذلك. نصري الصايغ 27 12 2005 |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||