موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Friday January 06, 2006 الساعة 08:27:02 AM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

خفايا وأهداف انشقاق خدام عن الأسد

إنذار دولي الى دمشق: العقاب الشديد إذا رفض أركان الحكم طلبات المحققين

بقلم عبد الكريم ابو النصر

 "تصريحات عبد الحليم خدام ليست البلاغ رقم واحد لحركة انقلابية مدعومة عربياً ودولياً وجاهزة لتغيير النظام السوري، بل انها ناتجة من ان نائب الرئيس السابق يائس كلياً من هذا النظام ويريد في هذه المرحلة مساعدة لجنة التحقيق الدولية على اقتحام القلعة السورية المحصنة وكشف كل الحقائق المتعلقة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اياً تكن الانعكاسات على مصير هذا النظام. وضمن هذا الاقتناع يساعد خدام، في تصريحاته هذه، على توجيه اصابع الاتهام، وللمرة الاولى، الى الرئيس بشار الاسد شخصياً فيضعه في دائرة الخطر على اساس انه يتحمل مسؤولية ما في جريمة اغتيال الحريري وفي ما جرى ويجري في لبنان، مما يؤدي الى تصعيد المواجهة الدولية مع دمشق. وما قام به خدام هو انشقاق – انقلابي يؤشر الى مرحلة جديدة بالغة الخطورة في مسار نظام الاسد". هذا ما اكده لنا مصدر ديبلوماسي عربي بارز في باريس وثيق الاطلاع على تطورات هذا الحدث الاستثنائي الذي شكلته المقابلة التلفزيونية للرجل الثاني سابقاً في النظام السوري. اذ لم يسبق في تاريخ سوريا الحديث ان انقلب مسؤول كبير وركن اساسي من اركان السلطة على القيادة الحاكمة في هذا الشكل العلني واخذ ينتظر في الخارج، في ظل حماية دولية غير معلن عنها، من اجل اضعاف النظام الذي خدمه سنوات طويلة من خلال المساعدة على اتهام هذا النظام بالتورط المباشر في جريمة اغتيال الحريري.

مصادر ديبلوماسية غربية في باريس معنية مباشرة بتطورات هذه القضية، كشفت لنا ان هناك خمسة اسباب وعوامل رئيسية دفعت خدام الى تفجير هذه "القنبلة السياسية" وهي الآتية:

اولاً - اتخذ خدام قرار الانشقاق عن النظام السوري مباشرة بعد اغتيال الحريري، اذ انه رافق مختلف مراحل العلاقة المتوترة بين دمشق والرئيس الشهيد. وقد شكلت عملية اغتيال الحريري بالنسبة الى خدام "جريمة ارهابية لا تغتفر وهي ذورة الاخطاء السياسية" ليس فقط لان الرئيس الشهيد كان صديقاً شخصياً له وقدم خدمات كثيرة الى سوريا، بل لانه ادرك، بخبرته الواسعة، ان هذه الجريمة ستلحق اضراراً كبيرة بسوريا وليس فقط بلبنان. وانتظر خدام الفرصة الملائمة لاعلان انشقاقه هذا ولتسجيل رأيه الشديد القسوة بالنظام السوري وبأعماله وسياساته. وكان خدام جاهزاً لاجراء هذه المقابلة مطلع كانون الاول الماضي وتردد بين الادلاء بحديث مطول الى صحيفة عربية يومية او الى محطة تلفزيونية عربية، فاختار التلفزيون في النهاية.

ثانياً - قرر خدام الانشقاق عن النظام السوري في هذه المرحلة بالذات لانه "يئس كلياً" من امكان تصحيح مسيرة هذا النظام، وادرك انه لم يعد لديه اي دور او قدرة على منع القيادة السورية من "الانزلاق نحو الهاوية والكارثية" لارتكابها اخطاءً تلو اخطاء ولسوء تعاملها مع الشعب السوري ومع مختلف القضايا والملفات الداخلية والخارجية.

ثالثاً - قرر خدام الانشقاق عن النظام السوري ليس لان هذا النظام ضعيف ومهدد بالانهيار في اي لحظة، كما يتصور البعض، بل لان هذا النظام، في تقويمه هو، قادر بأجهزته الامنية والعسكرية على الصمود والاستمرار في مواجهة الضغوط الاقليمية والدولية الكبيرة التي يتعرض لها، ولان ذلك، في نظره، ليس لمصلحة سوريا. اذ ان هذا النظام يتصرف على اساس انه واثق من ذاته ومن مناعته الداخلية مما يدفعه الى المجازفة بالدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي، ومع الدول الكبرى والمؤثرة بدلاً من التعاون الحقيقي الكامل مع لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الحريري، وضمن هذا الاقتناع حرص خدام على ان يوجه في هذه المقابلة التلفزيونية اقسى الاتهامات الى النظام السوري، وصولاً الى حد تحريض الشعب السوري عليه اذ انه اتهم بشار الاسد "بالإنفراد بالسلطة وبالقراءة الخاطئة للتطوات الدولية والاقليمية، وباتخاذ قرارات خاطئة لمواجهة هذه التطورات".

كما اتهمه بأنه وضع سوريا في قلب "دائرة الخطر" وذهب ابعد من ذلك بقوله "ان نصف الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، والنصف الآخر في التوازي مع خط الفقر، بينما تتراكم الثروة في ايدي مجموعة  قليلة من الناس المقربين  من السلطة". وفي تقدير  ديبلوماسي اوروبي ان احدى التهم القاسية جدا الموجهة الى هذا النظام قول خدام ان "القيادة السورية حملت على الحريري لأنه يقوم بعمل غير مسموح به في لبنان وهو تجميع الطائفة السنية حوله،  وهذا ضد سوريا". ولم يسبق ان تم التركيز علنا على هذا الجانب في علاقة  الحريري مع دمشق.

 تشجيع آخرين  على الانشقاق

رابعا – اراد خدام ايضا بحملته العلنية هذه تشجيع مسؤولين من داخل النظام السوري او مرتبطين به على الانشقاق عنه، من خلال التأكيد ان هذا النظام يسير في الاتجاه الخاطىء وانه سيواجه  المزيد من المشكلات والمصاعب في المرحلة المقبلة، ومن خلال التلويح لهم ضمنا بان انشقاقهم سيلقى ترحيبا من جهات اقليمية ودولية بارزة، وانه يمكن ان يتم في ظل حماية دولية غير معلن عنها. وفي هذا المجال اكدت المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة ان خدام انشق عن النظام السوري "بقرار ذاتي وليس بوحي او تشجيع من اي دولة". لكنها اضافت ان قراره هذا "يلقى دعما من سائر الدول العربية والاجنبية" التي تعلق اهمية قصوى على انتهاء التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري بنتائج محددة وبادانة ومحاكمة  جميع المتورطين في الجريمة.

خامسا – اراد خدام، بشكل اساسي، تقديم دعم كبير للجنة التحقيق الدولية ليس فقط من خلال الاشادة بعملها وبمضمون تقارير رئيسها ديتليف ميليس، خلافا لما تقوله دمشق،  بل ايضا وخصوصا من خلال اعطاء صدقية سورية وعلى مستوى رفيع، لشهادات  قدمتها شخصيات لبنانية عدة الى لجنة التحقيق  وروت فيه  ما سمعته  من الحريري من انه تلقى تهديدات مباشرة من الرئيس بشار الاسد بسبب التمديد للرئيس اميل لحود وقضايا اخرى. وقد ذهب خدام ابعد من هذه الشخصيات، اذ قال ان بشار الاسد ومسؤولين سوريين آخرين هددوا رفيق الحريري مرارا، وان الاسد قال للرئيس الشهيد "سأسحق من يحاول الخروج  عن قرارنا في لبنان". كما اكد خدام انه لم يكن  يتصور ان تغتال سوريا الحريري وان "اي جهاز امني في سوريا  لا يستطيع اتخاذ قرار اغتيال الحريري منفردا"، وان الاسد  امّن الحماية  لرستم غزالي قائد جهاز  الامن والاستطلاع في لبنان رغم تهديداته للحريري وممارساته الخاطئة في هذا البلد.

واوضحت المصادر  الديبلوماسية  الغربية  المطلعة ان خدام  مستعد فعلا لتزويد لجنة التحقيق الدولية "كل ما لديه من معلومات وادلة ووثائق" تساعد المحققين  على انجاز  مهمتهم ومعاقبة جميع  المتورطين  في هذه الجريمة.

والتقارير الديبلوماسية التي وردت من دمشق على باريس ولندن وواشنطن وعواصم اخرى  تؤكد ان تصريحات خدام احدثت "صدمة هائلة" داخل القيادة السورية التي  لم تكن تتوقعها او تحسب لها  اي حساب.  وهذا ما دفع النظام الى اتهام خدام بالخيانة العظمى ومحاكمته على هذا الاساس.

ماذا يريد المحققون من سوريا؟

تصريحات خدام  صدرت في الوقت الملائم من حيث مضمونها، اذ ان التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الحريري وصل الى باب "القلعة السورية المحصنة" لكنه لم يتمكن حتى الآن من الدخول الى هذه القلعة او من اقتحامها وذلك بسبب امتناع المسؤولين الامنيين السوريين عن التعاون بشكل كامل وجدي مع التحقيق، وبسب رفض اركان النظام الالتقاء بالمحققين. وذكرت لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع ان لجنة التحقيق الدولية تملك معلومات وادلة وشهادات وتسجيلات هاتفية كافية لاصدار قرار ظني في هذه الجريمة ولاحالة مجموعة من المسؤولين الامنيين السوريين واللبنانيين واشخاص آخرين على المحاكمة بتهم التورط المباشر او المساعدة او المشاركة في جريمة اغتيال الحريري. لكن لجنة التحقيق راغبة في الحصول من المسؤولين السوريين على المزيد من المعلومات، وان ما ينقصها خصوصاً هو "الرواية السورية المفصّلة والكاملة التي تكشف خفايا الدور السوري في هذه الجريمة، وكيف تم اتخاذ قرار الاغتيال، وعلى اي مستوى اتخذ، وكيف جرى التخطيط لهذه الجريمة، ومن شارك فيها فعلاً وفي مختلف مراحلها". واكدت هذه المصادر ان لجنة التحقيق لم تتمكن حتى الآن من انتزاع اعترافات اي من المسؤولين الامنيين السوريين بالتورط في هذه الجريمة، وان تكن حصلت منهم، وخصوصاً خلال استجوابهم في فيينا، على معلومات مهمة ومفيدة وذلك نتيجة التضارب او التناقض في شهاداتهم او نتيجة عدم توافق افاداتهم مع ما يملكه المحققون من ادلة ومعلومات. وما ينقص لجنة التحقيق ايضاً انها غير قادرة حتى الآن على ان تحدد بدقة الادوار التي لعبها في هذه الجريمة الارهابية "الثلاثة الكبار" في القيادة السورية اي بشار الاسد وشقيقه ماهر قائد الحرس الجمهوري، وصهره آصف شوكت رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية. وتريد اللجنة ان تحدد بدقة اكثر مدى العلاقة بين تهديدات بشار الاسد للحريري، واغتيال الاخير، وكذلك كيفية اتخاذ القرار في سوريا حين يتعلق الامر باغتيال شخصية سياسية كبرى كالرئيس الشهيد.

واهمية شهادة خدام العلنية هذه انها احدثت ثغرة كبيرة في "القلعة السورية المحصنة"، ودفعت لجنة التحقيق الدولية الى اعطاء الاولوية القصوى لاستجواب بشار الاسد وفاروق الشرع وزير الخارجية، وكذلك لاستجواب ماهر الاسد وآصف شوكت وآخرين في اقرب وقت ممكن، وتزود معلومات اضافية عما يجري في سوريا من نائب الرئيس السابق.

واكدت لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية مطلعة ان هناك تفاهماً بين الدول الاعضاء في مجلس الامن على ان بشار الاسد واركان النظام السوري ليست لديهم "اي حصانة ديبلوماسية او سياسية او قانونية"، تمنع المحققين الدوليين من لقائهم وطرح اسئلة عليهم لمعرفة حقيقة ما جرى، اذ ان قرارات مجلس الامن هي فوق سيادة الدول، كما ان القانون الدولي هو فوق القوانين الداخلية لاي دولة، وكشفت لنا هذه المصادر ان هناك مشاورات سرية جارية حالياً بين عدد من الدول الكبرى المعنية بالامر لدرس فكرة عقد اجتماع طارئ لمجلس الامن من اجل توجيه انذار دولي رسمي الى بشار الاسد يدعوه الى التعاون الكامل وغير المشروط مع لجنة التحقيق والى استقبال المحققين الدوليين بسرعة، في حال أصر الرئيس السوري وآخرون من اركان الحكم على رفض التجاوب مع طلبات اللجنة الدولية. وتستند هذه المشاورات الى قرار مجلس الامن الاخير رقم 1644 الصادر استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والذي يحذر القيادة السورية من ان مجلس الامن سيجتمع "في اي وقت" اذا رأت لجنة التحقيق الدولية ان المسؤولين السوريين يمتنعون عن التعاون الكامل وغير المشروط معها، واذا لم ينفذ المسؤولون السوريون طلبات اللجنة "من دون تأخير". وفي تقدير ديبلوماسي اوروبي بارز فان تصريحات خدام وضعت الرئيس الاسد والمقربين منه امام خيارين قاسيين وصعبين للغاية: فاما التعاون الكامل مع لجنة التحقيق بما يؤدي فعلياً الى ادانة النظام هو في هذه الجريمة الارهابية نتيجة اقتناع المحققين الدوليين بان السلطات السورية متورطة في اغتيال الحريري، واما رفض التعاون مما يجعل سوريا تتعرض لاجراءات دولية واقليمية قاسية جداً تضع النظام السوري اكثر فأكثر في "قلب دائرة الخطر" وتفتح الباب امام مختلف الاحتمالات.

لماذا لم ينشقوا عن حافظ الاسد؟

يبقى سؤال رئيسي طرحناه على ديبلوماسي اوروبي يتابع الشؤون السورية من سنوات طويلة هو: لماذا لم ينشق اي مسؤول كبير عن النظام السوري في عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد كما حدث اليوم مع انشقاق خدام عن نظام بشار الاسد؟ اجاب هذا الديبلوماسي: "لان حافظ الاسد حقق لبلده انجازات اساسية عدة في الداخل وفي الخارج بقطع النظر عن تقويمنا لاساليبه وللوسائل التي اعتمدها. اذ انه ضمن لسوريا دوراً اقليمياً اكبر من حجمها ووزنها وجعل الدول العربية والاجنبية تحترمها وتقدر نفوذها الى حد كبير كما اقام علاقات جيدة او قوية مع الدول الكبرى والمؤثرة وعلى رأسها اميركا والدول الاوروبية. ونجح حافظ الاسد في تأمين الاستقرار الداخلي في سوريا طوال ثلاثين عاماً، بصرف النظر عن بعض الهزات الامنية، ووضع حداً للصراع الدولي على بلده. اما النظام الحالي فقد بدد معظم انجازات الاسد الاب ووضع سوريا في مواجهة قاسية وطويلة مع المجتمع الدولي ومع الدول الكبرى، وجعلها في عزلة عربية ودولية ليس لها سابق اذ ليست هناك دولة واحدة تدعم وتساند فعلاً توجهات القيادة السورية واعمالها وسياساتها وخصوصاً في ما يتعلق بلبنان وجريمة اغتيال الحريري. اما انشقاق خدام فهو ناتج من خيبة أمل كبيرة لديه، اذ انه ابن النظام السوري واحد ابرز اركانه وقد رأى كيف تم القضاء على ابرز ما تحقق في عهد حافظ الاسد واين وصلت الحال بسوريا".

النهار (06 01 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى