|
|
|
آخر تحديث Thursday February 09, 2006 الساعة 07:23:50 PM |
|
عن علاقات طهران وبيروت بالأمس واليوم والأولويات الآتية بين الحقبتين "الرفسنجانية" و"النجادية".. الخريطة الإقليمية تتغير..ومعها حسابات لبنانية كتب حسين ايوب ينظر زعيم سياسي لبناني إلى السجادة العجمية في صالونه الشرقي قائلا: <<الإيرانيون هكذا يعملون في السياسة. بالحرفية نفسها التي يصنعون فيها هذه السجادة أو يرتقونها. قطبة، قطبة، بهدوء تام. هم أذكياء. الباطنية سمة إيرانية بامتياز. هم في الأصل يفتخرون بعرقهم الآري الجرماني. نعم هم ينظرون إلى بعض الغرب نظرة فيها الكثير من التماهي. تماما كما يتغزل بهم بعض الغرب تاريخيا وخاصة ألمانيا. مثلا، أدولف هتلر طالما اعتبر إيران منذ زمن والد الشاه الأخير محمد رضا البهلوي، بوصفها أمة تنتمي مثله إلى العرق الآري>>. إيران ليست بالوافدة الجديدة على لبنان، لكنها منذ بداية الحقبة الرفسنجانية في نهاية الثمانينات، قرّرت تدشين مرحلة جديدة من التعامل الواقعي البرغماتي مع لبنان. بذلك، إنما كانت تدين وتغادر كل منطق الثمانينات. المنطق الذي بدأ مع الثورة الايرانية الخمينية في العام 1979، وباكورته انطلاق مجموعات من <<المهاجرين>> من الذين تبنوا شعار <<اليوم ايران وغدا فلسطين>>. المنطق الذي اعتبر شيعة لبنان كما شيعة باقي العرب وخاصة في دول الجوار الخليجي، سلاحا بوجه <<البعبع البعثي العراقي>> المدعوم من الغالبية الرسمية العربية ومن كثير من دول الغرب. المنطق الذي تسلل من تقاطع الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأهلية اللبنانية المفتوحة بكل حساباتها الإقليمية والدولية من اجل اختبار فرضية أن يكون لبنان أول منصة للمغامرين من رجال الدين الذين تبنوا نظرية <<تصدير الثورة>> وبينهم مهدي هاشمي (اعدم بعد قضية <<إيران غيت>>) رئيس مكتب مساعدة حركات التحرر في العالم الذي كان بين ابرز رموز المعارضة للشاه ممن آوتهم العاصمة اللبنانية، بفضل تسهيلات لعب الإمام السيد موسى الصدر دورا أساسيا فيها منذ العام 1975. تعتبر بداية <<الحقبة الرفسنجانية>> منعطفا حاسما في مغادرة وهم <<تصدير الثورة>> كما وهم القفز فوق الدور السوري في لبنان، وهو الوهم الذي كلّف شيعة لبنان <<حرب أخوة>> دامية وانتهى بإقرار إيران ب<<البوابة السورية>> مدخلا لحضورها الإقليمي وتحديدا في ساحة التماس مع قضية الصراع العربي الإسرائيلي. ليست العلاقة بين لبنان وإيران علاقة مستجدة. عمرها من قبل الثورة الإيرانية. ففي العام 1912، افتتحت أول قنصلية إيرانية في بيروت في زمن الانتداب العثماني، ومع الحقبة الفرنسية، وتحديدا في العام 1927 صارت قنصلية عامة لكل من لبنان وسوريا وفلسطين. مع إيران احمدي نجاد وكل أصحاب السماحة <<جنرالات الثورة>> من قبله، كانت علاقتهم بلبنان علنية إلى حد كبير برغم تهمة الباطنية القديمة الجديدة وملف الرهائن البائس الذكر. مع إيران الشاهنشاهية، كانت ثمة علاقة خفية. دور إيراني في لبنان مرتبط بمنظومة أمنية استخباراتية. باطنية مفرطة وباولويات اميركية بامتياز. أكثر من أزمة واجهت العلاقات الإيرانية اللبنانية تاريخيا، لعل أبرزها منذ الاستقلال (بالمناسبة كانت طهران بين أولى العواصم التي اعترفت باستقلال لبنان في العام 1943)، هي أزمة العام 1969. قطعت العلاقات على خلفية قضية الجنرال بختيار، ولم تستأنف بصورة كاملة إلا مع زيارة الراحل، تقي الدين الصلح رئيس وزراء لبنان الأسبق، في حزيران العام 1974, إلى طهران. زيارة تاريخية اعطيت بعدا اكبر من زيارة الرئيس الماروني كميل شمعون في العام 1957. جاءت <<الثورة>> ورافقها مد وجزر في علاقات بيروت وطهران. خطاب سياسي جديد يتسم بالحدة في توصيف <<النظام السياسي الماروني الاقلوي>>. لم يحصل تطبيع رسمي فعلي إلا في التاريخ الذي قدم فيه سفير إيران احمد دستمالشيان أوراق اعتماده الرسمية إلى الرئيس الماروني أمين الجميل في قصر بعبدا في آب 1987. جاء الطائف وأصيب الإيرانيون بنقزة من مفاعيله. رفعوا سقفهم بوجهه، ولكن سرعان ما قرروا، بالتزامن مع انكفاء الفريق المتشدد، إلى الاعتراف به. قرر <<حزب الله>> الانضواء في المؤسسات السياسية ل<<الجمهورية الثانية>>. انتظمت العلاقات اللبنانية الإيرانية وتطورت تدريجيا بفعل دينامية محلية من طرفين أساسيين، فقد كان رفيق الحريري دائما في قلبها، تبعا، لحسابات ومهمات اكبر من لبنان، ولم يكن <<حزب الله>> إلا عنوانها الاستراتيجي، بمعنى الدور والوظيفة اللبنانية والإقليمية أيضا، وطبعا كانت للإيرانيين حساباتهم ومصالحهم في تزخيم هذه الدينامية وإعطائها الدفع اللازم. مع الخاتمية، بدا أن للبنان حصة ومصلحة في الدور الإيراني الإقليمي. مع النجادية (نسبة إلى احمدي نجاد)، بدا الدور الإيراني للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، احد العناوين الخلافية. وها هو وليد جنبلاط الذي كان ضيفا سنويا شبه دائم على طهران وصاحب النظرية الشهيرة <<حلفنا مع طهران ليس تكتيكيا بل هو تعبير عن المصلحة في التقارب بين كل الثوار في العالم>>، يدشّن مرحلة جديدة، في العلاقة بين بيروت وطهران، بدا معها أن <<الدور الإيراني>> صار خاضعا لمحاكمة صارمة، تبعا لتصنيفه في خانات متجاوزة للمصالح الوطنية اللبنانية والعربية وحتى الإسلامية. صار الدور الإيراني <<دورا فارسيا بامتياز>>. صرنا نتحدث عن <<العرق الآري>>، وصار احمدي نجاد مكملا لبشار الأسد ومقتدى الصدر وخالد مشعل وبنيامين نتنياهو. وهكذا صار تعاطف بعض اللبنانيين مع إيران بمثابة بطاقة عضوية في محور طهران دمشق المفتوح على احتمال تسويات وحسابات نووية وغير نووية مع الغرب. نعم لو جاء احمدي نجاد إلى دمشق قبل الرابع عشر من شباط 2005, تاريخ الزلزال السياسي الذي أصاب لبنان باغتيال رفيق الحريري، لما كانت أثيرت ضجة سياسية. ربما كنا شهدنا عجقة سير في منطقة المصنع الحدودية ودفقا سياسيا لبنانيا للقاء عمدة طهران السابق رئيس إحدى اكبر الدول الإقليمية اليوم. أما وان الزيارة جاءت في مناخ سياسي لبناني وإقليمي عاصف وتشنج غير مسبوق في العلاقات اللبنانية السورية، <<فان الموقف الذي اتخذته وما تزال بعض القوى اللبنانية يقول دبلوماسي إيراني في بيروت هو موقف سياسي من سوريا بالدرجة الأولى وليس من إيران التي ما زالت تتمسك باولوياتها اللبنانية بكل شفافية ولا سيما دعم الوحدة الوطنية اللبنانية وكل ما يؤدي إلى تحصينها وحماية المقاومة اللبنانية في مواجهة الخطر الإسرائيلي الداهم والدائم>>. يبني الإيرانيون حساباتهم في العلاقة مع سوريا وعدد من القوى الإقليمية وفق استراتيجية اقليمية واضحة. في الأصل <<كنا من بين أول من أدانوا جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقلنا بوجوب التوصل إلى الحقيقة ورفضنا التوظيف السياسي، ولكن في الوقت نفسه، كنا ندرك أبعاد الضغط السياسي الذي تتعرض له سوريا قبل صدور القرار الدولي الرقم 1559 وبعده. ربما اخطأ السوري في بعض الحسابات والممارسات اللبنانية ولكن هذا شأن يعالج بالحوار بين قيادتي البلدين. نحن نقيس الأمور من زاوية المصالح بين الدول والشعوب. ولذلك شعرنا بأننا معنيون بحماية الموقع السوري الأمامي في مواجهة المشروع الاستكباري الاميركي الإسرائيلي>>. تصرف الإيرانيون بذهنية <<الدومينو>> التي كان يبني الاميركي استراتيجيته في المنطقة على أساسها. سقوط موقع يعني سقوط مواقع أخرى والعكس صحيح. بدت إيران في بعض المحطات السياسية في السنة المنصرمة الدولة الوحيدة في العالم التي تتبنى نظام بشار الأسد وتدافع عنه وربما احد ابرز عناصر وقوفه على قدميه. يزور الرئيس الإيراني طهران، فيعود إلى دمشق بمعنويات مرتفعة. الاعتبارات الاستراتيجية فرضت على الإيراني الفصل بين <<الحقيقة>> والعلاقة بينه وبين سوريا. وعندما زار احمدي نجاد دمشق، بدا الانطباع الإيراني أن سوريا اليوم أكثر قوة من أي وقت مضى <<النظام قوي والوحدة الوطنية والتماسك الداخلي أقوى وأفضل من أي وقت مضى. شعرنا أن العصبية الوطنية السورية مستنفرة إلى حدودها القصوى. هناك خيبة كبيرة من تعامل اللبنانيين والأجواء العنصرية التي سبقت ورافقت وتلت انسحاب الجيش السوري من لبنان>>. عندما زار محمد خاتمي لبنان وسوريا في العام 2003، لم يكن الملف النووي مطروحا على جدول أعمال الغرب. في ذلك التاريخ، كان الاميركيون قد احتلوا العراق وقبله أفغانستان. كانوا بحاجة إلى الإيراني والعكس صحيح. العدو واحد من طالبان أفغانستان إلى صدام حسين العراق في غزوتي جورج بوش الأب والابن و<<اللادنيون>> أبطال الحادي عشر من أيلول في نيويورك. سهّل الإيراني غزوة أفغانستان وأزاح الخوف التاريخي الممسك بخاصرته الشرقية. سهّل أيضا غزوتي العراق وابعد عنه من استنزف قدراته العسكرية والاقتصادية والبشرية في أطول حرب تقليدية خاضتها جيوش نظامية في القرن العشرين (1980 1988). استبدل الاميركيون شعار القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراقيون، بشعار الديموقراطية أولا. <<تواطأ>> معهم شيعة العراق، سواء <<الإيرانيون>> منهم أو <<غير الإيرانيين>>. بدت الاولوية الشيعية هي المشاركة في السلطة ومن ثم تأتي الاولويات الأخرى. ثمة من ظنّ بإمكانية ترويض شيعة العراق وتدريبهم على الديموقراطية على طريقة معمر القذافي. لكن بدا أن <<دوز>> الوطنية عندهم يحتمل تعديلا في سلم الاولويات. أما وقد انتهينا من صدام حسين ومن ظلم تاريخي لحق بنا، فقد آن الأوان لبناء العراق الجديد وهي عملية لا تتم إلا ببناء مؤسسات منتخبة ديموقراطيا وعندها تطرح أولوية الانتهاء من الاحتلال الاميركي. وهكذا بدا أن الإيراني الذي دخل إلى العراق من شباك الغزو الاميركي، صار هو صاحب الدار والممسك ببابه، بينما الاميركي عالق في شباك المعادلات الجديدة التي انقلبت عليه. ثمة خوف يتسلل إلى الجوار الخليجي. هو خوف محسوب أيضا. الشيعة موجودون في السعودية والبحرين والكويت وقطر وغيرها. هم بنظر البعض قنبلة موقوتة بكل معنى الكلمة. حسابات النفط والديموغرافيا والسياسة تشي بمقاربات خليجية مختلفة للدور الإيراني. على مدى أكثر من ربع قرن من الزمن (1980 2005)، تصرف الإيرانيون كدولة خائفة. دولة محاصرة من الشرق والغرب والشمال والجنوب. صحيح أن هناك منصات <<ثورية>> في لبنان وفلسطين، ولكن بدا أن بناء القدرات الذاتية هو السبيل الوحيد للخروج من عقدة الخوف من الجوار. بدأ البرنامج النووي يفرض نفسه في حساباتهم. احد عناوين الحفاظ على الجمهورية الخائفة. ربما غض الغرب النظر تبعا لحسابات مختلفة ومعادلات انكسرت بانتهاء الحرب الباردة، إلا أن إيران الدولة الصاعدة، وجدت نفسها فجأة دولة إقليمية كبرى. انزاح الخطر من حولها وصارت مصدر خوف وقلق للآخرين. دول عربية إقليمية تتحول إلى دول خائفة. إيران تتسلل إلى العراق ثم تصبح الآمر والناهي. يصيب الخوف نظام بشار الأسد، فتصبح احد ابرز دعائم وقوفه على قدميه. ينتصر <<حزب الله>> في جنوب لبنان ويقيم توازن رعب حقيقي مع إسرائيل ويصر الغرب على دمغه مجرد عنوان إيراني. تنتصر <<حماس>> فيمتد <<الهلال الشيعي>> بدءا من مشهد في أقصى الشمال الشرقي الإيراني وربما من تركمانستان أو بالاحرى اوزبكستان حيث <<ينغل>> الإيرانيون بالمشاريع والنفوذ المتمادي، وصولا إلى معبر رفح في قطاع غزة. القطاع الذي يشكل خزان <<حماس>> البشري وعنوان نفوذها السياسي والعسكري. إيران دولة نووية. يدرك الاميركيون إلى أين وصلت في برامجها وهل هي أقدمت على ما أقدمت عليه لو لم تكن قد بلغت لحظة معينة في تعاملها مع هذا الملف البالغ الدقة والحساسية والخطورة في آن معا. بهذا المعنى، ربما تبدو إيران أولوية في الحسابات الاميركية الإسرائيلية، فكيف تنظر هي في هذه اللحظة إلى لبنان بأطيافه كافة؟ (بعد غد السبت الجزء الثاني والأخير) السفير (09 02 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||