|
|
|
آخر تحديث Friday February 17, 2006 الساعة 07:39:26 AM |
|
أحزاب "الشيوعي" و"القومي" و"البعث" تنحني أمام العاصفة... ولا تتنازل عمار نعمة تبدو الأحزاب العلمانية في لبنان شديدة التأثر بزلزال 14 شباط وبارتداداته العنيفة والمختلفة على البلاد، بدءا ب<<الهبة>> السياسية والشعبية العارمة التي تلت استشهاد الرئيس رفيق الحريري، مرورا ب<<زلزال>> آخر تمثل بالانسحاب العسكري السوري من لبنان، وصولا الى العامل الأهم المتمثل بالاصطفاف الطائفي الحاد في البلاد الذي استقطب القوى كافة في ظل تجييش مذهبي في لبنان قارب مثيله خلال سني الحرب الأهلية. واجهت الأحزاب العلمانية في لبنان، وأهمها <<الحزب الشيوعي>>، <<الحزب السوري القومي الاجتماعي>> و<<حزب البعث العربي الاشتراكي>>، صعوبات جمّة في مواجهة <<تسونامي>> الطوائف التي خرجت من عقالها بشكل اكثر سفوراً من قبل منذ اغتيال الحريري، لكي تزيد من العوائق القائمة امام دعوة تلك الأحزاب الرافضة اصلا لبنية النظام اللبناني، في ظل <<استثمار>> مذهبي وطائفي استغلته بعض القوى لتعزيز قبضتها. لعلّها المعاناة نفسها بالنسبة للأحزاب الثلاثة، وإن تغيرت ظروف كل منها وتبدلت مع تسارع الأحداث، وربما لم يكن زلزال 14 شباط هو من اذن لبداية التراجع في مسار <<الحزب الشيوعي>>، فقد يكون العد العكسي قد بدأ لدى الحزب منذ تراجع المشروع اليساري في لبنان في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي، بينما حجبت <<المظلة>> السورية انحسار <<القوميين>> المستمر منذ عقود، فوقت عنهم <<امطار>> التغيير، في الوقت الذي دأبت فيه على رعاية ابنها <<البعثي>> المدلل في لبنان... حتى موعد انسحاب جيشها من البلد في 26 نيسان الماضي. احرجت التطورات <<الشيوعيين>>، فحاولوا إمساك العصا من الوسط، وفي ظل الاستقطاب الحاد بين قوى 8 و14 اذار، احتار <<الشيوعي>> في البداية، لكنه ما لبث ان رفض الساحتين، فوقف يغرد وحيدا خارج الأسراب، وتعرض لانتقادات حادة، بعضها داخلي والآخر خارجي، لكنه نجح في لملمة الصفوف قدر الامكان، مترقبا ما ستؤول اليه الأمور في المرحلة المقبلة والتي لا يبدو انها ستكون اقل سلبية على الحزب من التي يمر فيها حاليا. وجد <<القوميون>> بعض <<الاحتضان>> السياسي والشعبي في حركة الثامن من اذار، المحاصرة بدورها من قبل قوى <<الأكثرية النيابية>>، الا ان الحزب يعلم قبل غيره مدى الآثار التي تركها الزلزال وارتداداته عليه طيلة العام الماضي، وقد وجد نفسه فجأة من دون الغطاء السياسي والشعبي وحتى الأمني الذي وفره له السوريون في البلد. لكن الحزب يراهن على <<تقطيع>> هذه الفترة، وصولا الى ما ينتظر الأنصار ان يشكل <<مرحلة انحسار المشروع الاميركي عن المنطقة>> التي لا يبدو انها قريبة في أية حال. بالنسبة الى <<البعثيين>>، هم يعلمون مدى خطورة المرحلة على حزبهم، حاولوا في البداية مواجهة المد الشعبي <<المعادي>> فلم يفلحوا، اختاروا الانحناء للعاصفة الهوجاء التي تهب على المنطقة... الى حين. الا ان الأحداث الجسام التي مرت على لبنان يبدو انها تركت بعض الندوب في اروقة الحزب الداخلية التي لم تسلم من الخلافات غير المعلنة والتي ادت بدورها الى تغيير في قيادة الحزب. <<الشيوعي>> يمسك بالعصا من الوسط لعل <<الحزب الشيوعي>> ليس شديد التأثر ب<<زلزال>> الرابع عشر من شباط و<<ارتداداته>> المستمرة منذ عام على لبنان والمنطقة والتي لا يبدو انها ستقف عند حدود ما آلت اليه الأمور مع حلول الذكرى الأولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري وصحبه، في ما اعتبر الحدث الأهم في تاريخ البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان واستتباب السلم الأهلي فيه. قد يكون العد العكسي في مسيرة الحزب قد بدأ قبل ذلك التاريخ بكثير، وذلك يعود على الأرجح الى بداية تراجع مشروع قوى اليسار في لبنان الذي استهل بالتدخل العسكري السوري عام 1976، والذي تلاه الاحتلال الاسرائيلي عام 1982 ما ادى الى هزيمة شبه كاملة للمشروع الفلسطيني في لبنان، الأمر الذي ترك على ما يبدو مفاعيله السلبية على مختلف قوى اليسار في البلد مع بروز قوى جديدة على الساحة في ظل استقطابات طائفية طاغية. ثم كان الانهيار الكبير مع سقوط المشروع الأم في الاتحاد السوفياتي حين تساقطت معه معظم الأحزاب الشيوعية في العالم في لعبة <<دومينو>> كان من حسن حظ شيوعيي لبنان ان حافظوا على <<رأسهم>> خلالها في ظل انحناء مدروس لتلك العاصفة الهوجاء التي ضربت العالم برمته. وقد كان من سوء حظ الحزب ان تعرض الى المزيد من التهميش خلال مرحلة السلم الأهلي في التسعينيات من القرن الماضي حين جاهد للحفاظ على قواعده الشعبية سليمة مع تراجعها المستمر في ظل الحصار الاقليمي والدولي، وطبعا المحلي، الخانق عليه على الأصعدة كافة... لم يطرأ أي تغيير على صعيد الحزب مع بروز تجاذب دولي إقليمي جديد تبلور اثر احداث 11 ايلول في الولايات المتحدة والتي ادت بواشنطن الى حرب لا هوادة فيها على الارهاب تبلورت في غزوتين افغانية وأخرى عراقية... على ان تأتي البقية لاحقا! جاء اغتيال الحريري في حمأة هذه التجاذبات، وقف <<الشيوعي>> حائرا في البداية ازاء التعامل مع هذا الحدث العظيم الذي انقسمت الساحة المحلية سريعا حياله ولا زالت حتى بعد <<إنجاز>> الحدث الآخر المتمثل في الانسحاب السوري من لبنان... حاول الحزب مسك العصا من الوسط بين ساحتي 8 و14 اذار اللتين يعتبرهما الشيوعيون في خندق واحد ضد مبدئه المتمثل في رفض الاستقطابات الطائفية والعائلية في البلاد، ولذلك شكل هؤلاء حركة ثالثة في سبيل بلورة رؤية اصلاحية لطالما نادى بها الحزب ولا يزال من دون آذان صاغية على ما يبدو من قبل طرفي السلطة والمعارضة، السابقين والحاليين. ابدى الشيوعيون قلقهم على البلد اولا، فقدم الحزب مبادرة <<إنقاذية>> في محاولة لوقف المزيد من تدهور الأمور، على حد قول امينه العام الدكتور خالد حدادة، وملخصها استقالة رئيس الجمهورية العماد اميل لحود بعد تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية ومؤقتة تعد قانوناً جديداً <<عصرياً وحديثاً>> للانتخابات على اساس النسبية إلغاءً للقيد الطائفي، على ان يتم انتخاب مجلس نيابي جديد ومجلس شيوخ وانتخاب الرئيس الجديد <<مع تصحيح جدي للنظام البرلماني يعطي البرلمان قوة تمثيلية حقيقية ويوفر مجالا للجميع لكي يتحاوروا من داخل مؤسسات غير مشكك في تمثيلها>>. تعرض <<الشيوعي>> لانتقادات حادة، بعضها داخلي والآخر خارجي، بسبب عدم انضمامه الى <<انتفاضة الاستقلال>> التي عبرت عنها قوى 14 اذار، وبينما لا ترغب قيادة الحزب بالدخول في سجالات داخلية مع عدم اخذها لحركة المعارضة المتواضعة في اروقة الحزب على محمل الجد، لا تزال على موقفها الرافض من الاتهام <<الحصري>> لسوريا بقتل الحريري وبالوقوف وراء سلسلة الاحداث الأليمة التي تلته، وتصر كبعض القوى الأخرى التي تتعامل بعقلانية وبمسؤولية مع ما يحدث، على انتظار نتائج التحقيق الدولي في عملية الاغتيال <<وذلك نتيجة تداخل العوامل الاقليمية فيه، ونحن بذلك لا نستطيع تجاهل القدرات الأمنية السياسية لدى الأميركي في سوريا ولبنان كما تلك التي لدى الاسرائيلي>>. لكن حدادة يحمّل سوريا والنظام اللبناني السوري السابق ما يعتبره <<المسؤولية السياسية>> عما جرى، ويشير الى ان الأحداث التالية <<تقع على عاتق الجهاز الأمني التابع للنظام اللبناني الذي يتحمل المسؤولية السياسية على هذا الصعيد>>. لعل سوريا، او النظام الحاكم فيها، هي محور الخلافات بين الأقطاب اللبنانيين على اختلافهم، ويؤكد الحزب ان لا مناص من علاقة سليمة معها <<اذ لدينا جار، طمّيع لكنه شقيق، في مقابل دولة عدوة لن نبني اية علاقة معها حتى لو قام كل العرب بذلك وفي هذا مصلحة لنا، ويجب تخفيف عوامل الاختلاف والعداء بين لبنان وسوريا>>، حسب حدادة، الذي يحدد ان ذلك يتم عبر اقتناع سوريا أن لخروجها من لبنان عوامل شبيهة بتلك التي احاطت بدخولها اليه والذي تم استنادا الى ميزان قوى دولي وإقليمي. كما يشير الى ان على دمشق الاعتراف بأخطائها في لبنان ما يجب ان يترافق مع مراجعة نقدية جدية لكل ممارساتها السابقة، <<لكننا للأسف لم نلمس أي تغيير جذري يؤكد ان هذه المراجعة قد بدأت>>. كما يلفت الحزب الى المسؤولية التي تقع على عاتق الحكومة اللبنانية التي لا تملك نظرة واضحة وحاسمة في العلاقة مع دمشق التي تحمّلها تبعات كل ما حصل، ويشير حدادة الى ان على الحكومة بلورة برنامج لتطبيع العلاقات مع دمشق لكي تصبح متكاملة، باعتبار ان سوريا قد خرجت نهائيا من لبنان، مع إعادة النظر في طريقة موضوعية وهادئة وذات مصداقية في الاتفاقيات مع دمشق على قاعدة تطويرها وليس إلغاءها وصولا لكي تصبح الدولة في لبنان سيدة حرة مستقلة.
نددت قيادة <<الحزب الشيوعي>> بشدة
بعمليات الاغتيال السياسي المتتالية في لبنان والتي لا يبدو انها ستتوقف في
المدى المنظور، وهي اذ تحتفظ بتحليلها الخاص للأحداث في المنطقة منذ نحو
اعوام ثلاثة حتى اليوم، تعتقد ان اغتيال الحريري حصل في قلب التجاذب
الاقليمي والدولي في المنطقة والتي لا يمكن للبنان ان ينفصل عنها، وذلك بعد
ان انتفى الشرط السياسي الاقليمي للتوكيل السوري في لبنان، ما يؤكد الحزب
انه توقعه منذ مؤتمره التاسع وهو الأمر الذي يقول الحزب إن الأخطاء السورية
المتراكمة قد ساهمت في تعجيله. يوجه <<الشيوعي>> انتقادات حادة الى بنية النظام السياسي اللبناني الطائفي <<الهش>>، وهو يحتفظ برأيه الخاص في كيفية عمل هذا النظام محملا بعض القوى التي تزايد في معاداة سوريا مسؤولية ما وصلت اليه البلاد حاليا في ظل هذا التجاذب الاقليمي والدولي في لبنان. ويقول حدادة <<لا نستطيع ان نفصل كثيرا بين صراع الأجنحة اللبنانية عن ذلك الذي حصل في سوريا والذي جاءت خطيئة التمديد بالقوة، حتى تسرّع مجرى الأحداث الخطيرة التي طرأت لاحقا>>، موجها انتقادات حادة الى من ادعى عجزه عن مواجهة التمديد، مشيرا ردا على بعض الاتهامات، الى ان حزبه هو الوحيد الذي لم يلتق الرئيس السوري بشار الأسد سوى لمرة واحدة . دفع الشيوعيون ثمنا سياسيا باهظا بسبب مواقفهم عبر تاريخ نضالهم، وقد اتخذ <<الرفاق>> قرارهم الذي لا عودة عنه، ب<<الاستقلال>> عن اية قوة اخرى تود الهيمنة على قرار الحزب، لكن الحزب لا يمانع في بناء تحالفات مع من يحترم قراره. ولا يبدي هؤلاء أي قلق على تأثير ما حدث منذ عام حتى الآن على حزبهم، واذا كانت القيادة قد ابدت بعض القلق في البداية خلال ما يعتقد الشيوعيون انها شكلت المرحلة الانتقالية في البلاد اثر مقتل الحريري، أي الفترة ما بين 14 شباط وإجراء الانتخابات النيابية في البلاد مع بداية صيف العام الماضي، فإنها تؤكد ان انعكاسات زلزال 14 شباط كانت نادرة ان لم تكن معدومة على قواعد الحزب. ويقول حدادة <<ليس نحن من يجب ان ينزعج مما حصل بل الآخرون الذي كانوا سابقا في الحزب وخرجوا الى اماكن اخرى>>، وذلك رداً على ما يبدو على <<حركة الإنقاذ>> داخل الحزب <<التي اقتصرت على العشرات من الأفراد المعارضين للقيادة>> التي اتهمتهم بالارتهان لزعيم <<الحزب التقدمي الاشتراكي>> وليد جنبلاط في حركتهم التي طالبت الحزب مرارا بالربط بين <<معركة التحرير ومعركة السيادة>>، متهمة القيادة الحالية بتقسيم الحزب. لكن القيادة الحزبية ترفض في المقابل تلك الاتهامات وتؤكد انها تعلمت من تجارب الماضي وباتت اكثر تماسكا الآن. ومن يعود بعقارب الساعة الى الوراء، يذكر جيدا مدى الارتباط الذي كان قائما بين الحزب ابان الحرب الأهلية والرمز الأهم بالنسبة للحركة الوطنية كمال جنبلاط، ما ادى بالحزب الى دفع ثمن باهظ لتحالفاته. ويبدو ان <<المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين>>، وهذه المرة رفض <<الشيوعي>> إقامة علاقة <<تبعية>> مع <<ملوك الطوائف>> وهو ما ادى الى ما يصفه الحزب ب<<الاستقلالية>> في القرار السياسي. ولدى الحزب نظرته الخاصة في عدم الاعتراف بتراجعه على الصعيد الشعبي، ويؤكد قياديوه ان الانتسابات الحزبية، خاصة من قطاع الشباب، قد زادت لديه بنسبة 80 في المئة، ويشيرون الى ان هذه الانتسابات شملت مناطق مختلفة وذلك ردا على ما يهمس من ان <<الشيوعي>> بات يتخذ الصفة <<الشيعية>> في تمثيله وهو الأمر الذي لا يناسب الحزب في أي حال نظرا لضعفه التمثيلي على هذا الصعيد، الأمر الذي كشفته الانتخابات النيابية الأخيرة في الجنوب. امام هذه الأحداث، وقف الشيوعيون امام خيارات ثلاثة لا رابع لها حسب حدادة: تأييد عودة الوصاية السورية التي لا زال البعض يراهن عليها، القبول بوصاية جديدة فيستمر النظام الطائفي اللبناني بالدوران في حلقة مفرغة او العمل على فتح باب جدي للتغيير الديموقراطي في الداخل <<وإن كانت قناعتنا هي الأضعف>>. يبدو ان قرار الحزب قد اتخذ برغم الصعاب. تجاوز الشيوعيون عقدة الخوف، اتخذوا من التجارب المريرة السابقة عبرا للمستقبل، دفعتهم علمانيتهم الى التصادم العنيف في الماضي مع من سموهم ب<<المشاريع الطائفية>>، ودفعوا الثمن الباهظ على التورط في <<حروب الطوائف>>، وبرغم تأكيدهم التعالي على الجراح، هم غير مستعدين لدفع الثمن نفسه اليوم، مع علمهم بدقة الموقف المتخذ منذ 14 شباط 2005 وما تلاه، وهو القرار الذي يصفه البعض بأحد اهم القرارات عبر تاريخ الشيوعيين في لبنان، وذلك اثر نقاش طويل في اروقة الحزب الداخلية، خرج الى العلن، خشي البعض من ان ينعكس على بنية الحزب <<التي اثبتت الأحداث انها اصلب من المتوقع>>. لعل في ذلك ما يفسّر سبب اصرار الشيوعيين على استقلاليتهم، آملين في <<تمرير>> المرحلة الحالية بأقل قدر من الخسائر!... لكن من يضمن المستقبل؟ <<القومي>>: <<تقطيع>> المرحلة يدرك <<القوميون>> جيّدا مدى الانعكاسات الضارة التي جرّها اغتيال الحريري على حزبهم، وهم يعون الآثار السلبية لارتدادات زلزال 14 شباط وما تلاه عليهم، وذلك برغم بعض <<الاحتضان>> السياسي والشعبي من قبل قوى الثامن من اذار التي وجدت نفسها بدورها محاصرة عبر المد الشعبي الهائل والمستمر من قبل قوى 14 اذار. يبدو <<الحزب السوري القومي الاجتماعي>> الأكثر تأثرا بالأحداث الجسيمة التي حفل بها عام 2005، وقد وجد الحزب نفسه فجأة من دون الغطاء السياسي والشعبي وحتى الأمني الذي وفره الوجود العسكري السوري في لبنان خلال السنوات الماضية. وعلى عكس حزب <<البعث>> <<الذي حفظ رأسه>> عبر ارتباطه الوثيق بالحزب الأم في دمشق، يشعر مناصرو <<القومي>> بالعزلة جراء الأحداث التي حفلت بها البلاد، الا ان كل تلك الأحداث لم تنعكس انقسامات داخلية في اروقة الحزب، برغم بعض <<الخلافات>> التي بدت خلال الانتخابات الأخيرة للحزب في آب الماضي والتي ادت الى <<تعديل>> في قيادته. يقر <<القوميون>> ان العام الماضي كان استثنائيا بامتياز بدلالاته الخطيرة على الوضع اللبناني بمجمله وذلك للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف، وهم يصنفون ما حصل ب<<الانقلاب>> على الثوابت والمبادئ التي دافع عنها الحريري طيلة حياته وخاصة ما يتصل بمسألتين بالغتي الأهمية بالنسبة الى الحزب هما: قضيتا المقاومة والعلاقات اللبنانية السورية. والحزب لا يجري اية مراجعة للخيارات التي اتخذها ودافع عنها خلال الفترة الماضية في وجه ما يسميه ب<<المشروع الأميركي الذي جاء بالقرار الفتنة 1559>>. يحلو للقادة <<القوميين>> التحدث باسم <<اكثرية اللبنانيين>> حول ما يحدث، وقد اتخذ الحزب قراره الطبيعي بالانضمام الى ساحة <<8 اذار>> شاكرا لسوريا مدها يد العون الى الشعب اللبناني ودورها الانقاذي للبنان ومساعدتها للمقاومة، حسب توفيق مهنا احد قياديي الحزب، الذي يرفض مقولة ان حزبه بات في موقع الدفاع عن النفس في وجه قوى <<الأكثرية>> في البلاد، لكنه لا يخفي تعرض الحزب لحملة سياسية وتعبوية وإعلامية <<بل لحملات ترهيب خطيرة>>، مشيرا الى ان هذه الحملة حاولت منذ اللحظة الأولى تحميل سوريا والحلفاء تبعة الاغتيال <<لكن فألهم قد خاب بعد ان اثبت التحقيق عدم صلتنا بالموضوع>>. والحال ان الحزب قد وجه انتقادات معلنة الى التقرير الذي جاء به رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري ديتليف ميليس، مهيبا بالجميع ان لا يتسرعوا في بناء مواقفهم السياسية على ما جاء به من فرضيات. لكن مهنا يؤكد مطالبة حزبه بالحقيقة في من يقف وراء اغتيال الحريري وصولا الى معاقبته، ويشدد على دعمه للتحقيقات الجارية على هذا الصعيد <<من دون استسهال الاتهامات وإلباسها للبعض>> بينما يشكك في المقابل في حرص الآخرين على جلاء الحقيقة. وللحزب تحليله الخاص، كآخرين، لما حدث والذي يضعه <<في اطار تنفيذ المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير عبر خلق ما يسمى بالفوضى البناءة او الخلاقة أي تدمير المنطقة عبر ادوات داخلية>>. ويستشهد بذلك ب<<الانقلاب>> الذي اجراه البعض في خياراته للاقتصاص من المقاومة وسوريا وصولا الى الدعوة الى احتلالها! وبرغم عدم اقرار <<القومي>> بالتراجع على الصعيد الشعبي، الا ان الحزب لم يتمكن من ايصال اكثر من عضوين منه الى الندوة البرلمانية، هما اسعد حردان الذي حملته اليها لائحة <<المقاومة والتحرير>> بزعامة <<حزب الله>> وحركة <<امل>> في الجنوب، ومروان فارس الذي كان ل<<حزب الله>> ايضا فضل ايصاله الى البرلمان... الا ان مهنا يضع اللائمة في ذلك على <<البلوكات الطائفية>> التي نشأت منذ 14 اذار في البلاد والتي ادت برأيه الى استثمار مذهبي وطائفي وعززت قبضة المرجعيات الطائفية ووضعت العوائق امام التيارات العلمانية والديموقراطية وقدرتها على التأثير سواء في معسكر 14 اذار او في المعسكر المقابل. لكن <<القومي>> يفصل الانتخابات الداخلية الأخيرة التي اجرت تغييرا في قيادته وأتت بعلي قانصو رئيسا بدلا من جبران عريجي في وجه معارضة سمّت نفسها ب<<التيار الديموقراطي>> في الحزب طالبت القيادة بتجديد خطابها وبالانتقال من موقع الموالاة الى موقع المعارضة، عن كل ما جرى، ويصرّ قياديوه على انه خرج سالما من الأزمة وأظهر انه عصي على الاختراق بالرغم من كل المضايقات التي تعرض لها. الا ان المناصرين يتهمون بعض من هم في السلطة بالقيام بعمليات اعتقال في صفوف الحزب اضافة الى مداهمات لمقراته في بيروت وغيرها <<بهدف ابتزازنا وإخضاعنا للترهيب لحرفنا عن موقعنا الطبيعي وتعديل خياراتنا>>، الا ان هؤلاء يشيرون بدورهم الى ان هذه الاعتقالات قد توقفت الان من دون استبعاد استئنافها في المستقبل. وكما للحزب روايته لما حصل، فهو يحتفظ بتحليله للمرحلة المقبلة، ويشير مهنا الى متغيرات على الساحتين اللبنانية والاقليمية بدأت تلوح في الأفق، بدءا بما سماه <<التصدع>> في معسكر قوى 14 اذار مرورا برفع الغطاء العربي والدولي عنه ووصولا الى بداية فشل المشروع الأميركي في العراق وصعود المشروع المقاوم في فلسطين ما سيؤدي الى ارتدادات ايجابية برأيه على المنطقة برمتها وعلى سوريا والمقاومة في لبنان. يرفض <<القوميون>> وضعهم في موقع الدفاع عن النفس، ويصرّ هؤلاء على انهم ليسوا ضعفاء <<بل اقوياء>> بوجه الخصوم في ظل متغيرات اودت برأيهم باصطفافي 8 و14 اذار، لكنهم يصرون على الحوار ويدعون اليه <<من فشل في السلطة والحكومة>> في سبيل توحيد الساحة الوطنية، وذلك يتم كما يرى الحزب عبر فصل التحقيق في اغتيال الحريري عن موضوع النظام في سوريا. <<البعث>> يشكو من التضييقات... و<<الخلافات>> إذا كان <<القومي>> اكثر الأحزاب تضررا مما حصل، فإن ما يشفع ل<<البعث>> كونه من <<اهل البيت>> بالنسبة الى السوريين وحفظه واجب على الحزب الأم في دمشق. يسجّل للبعثيين انهم كانوا اول من حاول التصدي ل<<تسونامي>> ساحة الشهداء التي اندفعت اليها الجموع ما بين استشهاد الحريري في 14 شباط من العام الماضي و14 اذار، ويذكر اللبنانيون كيف اعتمر الأمين القطري السابق للحزب عاصم قانصو كوفيته وشرع مع جمع قليل في حركة احتجاج <<عابرة>>. لكن المد الشعبي كان هائلا وقد طغى حتى على تظاهرة 8 اذار في ساحة رياض الصلح التي دعا اليها الأمين العام ل<<حزب الله>> السيد حسن نصر الله والتي كانت احد الاسباب الرئيسية في حشد 14 اذار الكبير. <<برمت>> موازين القوى دورة كاملة خلال اشهر قليلة، حتى بات الحزب في موقع المدافع عن الوجود، مهمشا ومحاصرا، حتى وردت انباء عن تعرض عدد كبير من مناصريه للتضييق والاعتقال... ويشير الحزب الى ان حملة الاعتقالات شملت ما بين 100 و150 من مناصريه خاصة على اثر اغتيال الزميل جبران تويني في 12 كانون الأول الماضي. ويبدي انصار الحزب مرارة كبيرة بسبب <<الكيدية التي تجاوزت المعقول>> في ما جرى مؤخرا ويؤكدون انه <<لا يمكن لأحد الغاء تاريخ الحزب في النضال الوطني والقومي>>... وثمة تململ واضح في قواعد البعثيين مما آلت اليه الأمور اخيرا الأمر الذي ينذر بخروج ردود الفعل عن سيطرة القيادة في المستقبل. ولم يسلم قادة الحزب من الاتهامات، ف<<استحضرت>> في وجه قانصو قصة تلك السيارة <<المعدة للتفخيخ والتي كانت مركونة في مرأب المبنى الذي يقع فيه منزله>> وهو يضحك بحرقة بسبب تلك الاتهامات، ويسأل بتهكمه المعهود <<اين هي يا ترى المتفجرات المعدة للتفخيخ؟ فليزودونا بها!>>. ويشير الى ان هذه القضية استدعت تحقيقات متتالية مع 35 شخصا في محيط سكنه، ويضع قانصو هذه الاتهامات <<السخيفة>> في اطار عملية الثأر السياسي المستمرة في البلاد منذ الانسحاب السوري من قبل الحاكمين الجدد للبلاد، مضيفا: <<نحن لا نتوسل ابدا اساليب العنف في تعاطينا وسأقاضي كل من تسول له نفسه توجيه مثل هذه الاتهامات الينا>>. وإزاء الاتهامات المتتالية ضد الدور السوري في لبنان وضد حلفاء دمشق، يؤكد الأمين القطري الحالي غازي سيف الدين، ان الرأي العام اللبناني تأثر بالانفعالات التي نتجت في البلد اثر اغتيال الحريري <<المخطط له>>، منددا بالذين انبروا لتوجيه الاتهامات من دون انتظار نتائج التحقيق الدولي ومن دون طرح السؤال الجوهري: لمصلحة من كان اغتيال الحريري؟! ويشير الى ان الأيام قد كشفت للرأي العام اللبناني من كان المستفيد من ذلك <<فالذين اغتالوه ارادوا استحضار الحرب الأهلية والمؤامرة من جديد <<وهو يندد بكلام سمير جعجع ووليد جنبلاط في ساحة الشهداء معتبرا ان ما طرحاه ينسجم و<<المشروع الأميركي والصهيوني للبلد>>، بينما يشير قانصو الى ان الذين يقولون بأن المقاومة هي ميليشيا هم <<اصحاب تاريخ معروف، حرضوا على سلاح المقاومة منذ سنوات وليس فقط اثر صدور القرار 1559>>. والواقع ان ثمة اتهامات حادة في اوساط البعثيين ضد بعض قوى 14 اذار تصل الى حد تصنيفهم في موقع <<الخونة>> و<<الكفرة بالثوابت الوطنية ومقتضيات الوفاق الوطني>>، فضلا عن تنكرهم لما يرون انها التضحيات التي قدمها الجيش السوري في لبنان. ويصر هؤلاء على التمسك بالثوابت الوطنية والعربية للحزب في مواجهة <<الوصاية>> الجديدة التي يقودها السفراء في لبنان، حسب القادة البعثيين الذين يؤكدون تمسكهم بخيار المقاومة المستمرة طالما بقي لبنان في دائرة الاستهداف الصهيوني حسب سيف الدين، الذي يضيف العلاقة مع سوريا ايضا كلازمة بالنسبة الى الحزب. لكن المراقبين توقفوا اخيرا عند ما حصل من تغيير على رأس القيادة البعثية قبل فترة وجيزة، ووضعها البعض في اطار ارتدادات الأحداث الأخيرة في البلاد على الحزب الذي لم يتمكن من ايصال سوى عضو واحد الى المجلس النيابي هذه المرة هو قاسم هاشم، وذلك بعد ان تمثل الحزب في البرلمان السابق بثلاثة نواب هم، اضافة الى هاشم، قانصو وعبد الرحمن عبد الرحمن. وإذ تضع القيادة الحالية ما جرى في اطاره الطبيعي، يلفت المعترضون في الحزب، وعلى رأسهم قانصو، الى ان مؤتمرا دوريا للحزب كان من المقرر له ان يعقد في 16 حزيران الماضي، ويشيرون بشكل سلبي الى عدم انعقاده ويضعون هذا الأمر في اطار السلبيات الأساسية لاستشهاد الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان. ويشدد هؤلاء على ان هذه المسألة انعكست سلبا على الحياة الحزبية وعلى القيادة القطرية وما تلا ذلك من تداعيات بسبب عدم قيام الحزب بدوره على صعيد طرح القضايا الكبيرة والملحة كافة على الساحة. ويشير المعترضون الى <<عدم قانونية حل القيادة القطرية وتعيين اعضاء كانوا قد جربوا في السابق>>، ويشيرون على هذا الصعيد الى ان الأمر من صلاحية القيادة القومية، وكان يتوجب حل تلك القيادة امام قيادة لبنان لأنها قيادة منتخبة منذ العام 2001. إلا أن سيف الدين يقر بعدم اجراء انتخابات <<لأن الظروف الراهنة لا تسمح بعقد مؤتمرات حزبية والدورة الحزبية الحالية قد انتهت وما حصل هو تعيين القيادة الحالية وهو اجراء حزبي داخلي في مصلحة الحزب>>. لكن المعترضين يبدون بدورهم امتعاضهم مما يسمونه <<انعدام وزن>> في قيادة القطر في لبنان نتيجة الآراء المختلفة، فالوضع في الحزب ليس سليما بالشكل الكافي وقواعد الحزب ليست كثيرة التعاطف مع هذا الحل الأخير حسب بعض اوساط الحزب التي، برغم اطمئنانها الى مستقبل <<البعث>> في لبنان، وتشديدها على ان القاعدة الحزبية متماسكة وقوية بقيادة الرئيس السوري بشار الأسد، تحمّل القيادة الحالية مسؤولية تقديم مبادرات او طروحات <<لتأمين مستقبل واعد للحزب>>. يبدو الحزب على يقين من ان هذه المرحلة العصيبة لن تطول، واذ يشعر المناصرون ببعض الارتياح بسبب التغيير الذي طرأ على قيادة لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري بعد ان تولاها القاضي البلجيكي سيرج براميرتز <<بعد ان شهدت البلاد موجة من الاتهامات المسيّسة والموجهة والتي صورت الحزب في موقع معاكس للحقيقة>>، يرى البعثيون انه من الواجب إبداء التفاؤل في هذه اللحظات العصيبة على الحزب، إلا أنهم مطالبون الآن بوضع خلافاتهم جانباً تحت مظلة تستوعب الجميع من دون استثناء في إحدى أدق المراحل في تاريخ <<البعث>>. السفير (17 02 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||