|
|
|
آخر تحديث Wednesday February 22, 2006 الساعة 10:44:45 AM |
|
دستور... مقدسات... وطن... وسلاح سليمان تقي الدين تتسلح الأكثرية النيابية بحجج سياسية كثيرة من أجل العمل على إسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود. ولعل أهمها أنه يرمز الى ازدواجية السلطة والتوازن السياسي القلق الذي يكبح المسار <<الاستقلالي>> كما يتصوره قادة <<ثورة الأرز>>. لذا فإن معركة الرئاسة الاولى هي مدخل لاجراء التحولات المطلوبة وليست نهاية المطاف في ذلك. إن القبض على المؤسسات الدستورية لم يكن يوما في لبنان كافيا للسيطرة على البلاد. يعرف ذلك بالتجربة الشخصية أقطاب من فريق 14 آذار الذين مارسوا الحكم على أعلى المستويات. ولطالما يعرف جميع اللبنانيين ان الدولة عندنا هي عقد تفاهم وطني لا يستطيع ان ينفرد به أحد. والذين يخوضون معارك <<دستورية>> يعرفون ان التغيير في لبنان يحتاج الى توازنات قوى إن لم تكن راجحة جدا، قادت البلاد الى شل الدولة والمؤسسات وتعطيل الدستور. ينطلق فريق <<الاكثرية>> في معركته الرئاسية بالاستناد الى القرار الدولي الرقم 1559 الذي دعا الى انتخابات حرّة ونزيهة بعيدة عن المداخلات والضغوط وذلك قبل يوم واحد من تنفيذ قرار التمديد، والى ما تعتبره <<الاكثرية>> بطلانا للتمديد بحكم الضغوط التي مورست على النواب الذين صوتوا للتمديد. كما تعتمد هذه الكتلة على عريضة برلمانية تدعم بنظرية البطلان واخرى تطالب <<برحيل الرئيس>> غير الشرعي، وعلى تحركات شعبية في الشارع متعددة الأشكال (الاضراب، الاعتصام، التظاهر، حتى العصيان المدني). من البديهي ان جمهور 14 شباط الذي احتشد في ساحة الشهداء في الذكرى الاولى لاغتيال الرئيس الحريري يعزز الثقة باندفاعته واستعداده للمشاركة في التحركات المقبلة لاستكمال <<ثورة الارز>> وإنهاء بقايا <<النفوذ السوري ورموزه في السلطة>>. ولم يُخفِ تحالف الاكثرية النيابية (المستقبل، الاشتراكي، القوات) من خلال الخطب والمواقف في 14 شباط وبعده، أنه يتطلع الى معالجة ما يسميه المناطق الخارجة عن سلطة الدولة في <<الضواحي>> و<<المخيمات>> و<<الجنوب>> و<<الحدود السورية>>، تلك المناطق التي يراها كما رأتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليسا رايس جزءا من <<محور طهران دمشق حزب الله>> الذي يناقض <<مشروع الدولة ووحدتها>>. من الواضح ان فريق الاكثرية النيابية النسبية جدا (71 من 128) يواجه عقبات دستورية في ما خص انهاء ولاية الرئيس، فهو لا يملك اكثرية الثلثين المطلوبة لتعديل الدستور، والاجراءات ذات الصفة القانونية لا تصل الى نتيجة حاسمة بما في ذلك عريضة الإبطال إلا اذا استطاع استصدار قرار جديد من مجلس الامن الدولي ينزع الشرعية عن قرار التمديد، وهذا على ما يبدو هو المسار المرسوم لهذه المعركة. ورغم ان مثل هذا القرار الدولي، ولو في شكل بيان رئاسي لمجلس الأمن، هو قرار غير مسبوق وليست له مفاعيل قانونية مباشرة على القانون الدستوري الداخلي، إلا أنه ممكن اليوم بالنظر للمعطيات الدولية الحالية بل ربما كان منسقا على هذا الصعيد. ولو كان القرار من طبيعة سياسية غير قانونية لكنه يعطي الاكثرية النيابية زخما اضافيا وربما يؤسس ويمهد لها ان تعقد جلسة نيابية تنتخب فيها رئيسا جديدا على أساس خلو سدة الرئاسة ولا شرعية التمديد، وعندها لا تحتاج الى اكثرية موصوفة بل الى اكثرية عادية في الجولة الثانية من الانتخاب، وربما لا يكون هناك انتخاب بل تزكية لمرشحها الوحيد. هذا المخرج ممكن نظريا وفي خطة مرسومة على الورق في ظل تعقيدات الاوضاع، لكنه مشهد انقلابي على المستوى السياسي يطيح بشرعية المؤسسات الدستورية واستقرارها ويضع البلاد امام احتمالات خطيرة. من الصعب ان نتصور الآن كيف سيتصرف الرئيس الحالي، وكيف ستتصرف المؤسسة العسكرية لحماية النظام العام والمؤسسات، وكيف ستتصرف الكتل النيابية الاخرى وبعض أعضاء الحكومة على الأقل في خلال المراحل الاولى من هذه الخطة ذات التوقيت الزمني السريع (14 آذار) وما هو مصير اجتماع الحوار النيابي في (2 آذار) الذي دعا له رئيس المجلس، خاصة أن البلاد الآن في غياب مرجعية قانونية للحسم كالمجلس الدستوري صاحب الصلاحية للبت بالطعون الانتخابية الرئاسية وبالقوانين العادية والدستورية اذا ما كان هناك مبادرات على هذا الصعيد. لكن من المؤكد ان قوى الاعتراض او المعارضة سترفض هذا المسار بجميع مراحله ومفاصله وتطعن في نتيجته وشرعيته ونكون امام ازمة دستورية وازمة حكم وطنية وانقسام في المؤسسات من النوع الاستثنائي معكوسة بأعلى درجات الاحتقان والتشنج السياسي في الشارع. وسيكون سلاح المواجهة الأمضى في هذه الأزمة الميثاق الوطني (الطائف) والدستور حيث النص على أنه <<لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك>>. عند هذا المستوى من المواجهة تسقط اللعبة القانونية، وتسقط المعايير والقواعد الديموقراطية كما تسقط لغة الارقام لترتفع راية الطوائف عارية من اي عنوان آخر <<سياسي>> وتدخل البلاد بسرعة مذهلة في رحاب <<الفوضى الخلاقة>> باعتبارها السبيل الوحيد الذي تمتلكه الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا لدعم الديموقراطية في لبنان ووقف التدخل الايراني السوري في شؤونه ومواجهة <<إرهاب>> حزب الله. إن التمهيد لهذا المشهد يبدأ من اسقاط جميع <<المقدسات>> لدى جميع القوى، وقد حصل، ولم يعد هناك من حدود لطرح المواضيع الخلافية بين اللبنانيين. فالبحث دائر الآن حول من هو <<العدو الوطني>> للبنان، هل هو اسرائيل أم سوريا. والبحث دائر الآن في اي موقع اقليمي يندرج لبنان واي خيار دولي يختار.
والبحث دائر الآن كيف تدار البلاد بغلبة
سياسية ام بتوافق وطني، بالطائف ام بدون الطائف. بتفاهمات ثنائية ام ثلاثية
ام بوفاق شامل. بحوار ام بدون حوار. هذا هو المشهد الفعلي في البلاد، ولا
نغامر في القول ان احداث الأشرفية في الخامس من شباط أرادت تذكير
اللبنانيين بمضاعفاته لتعيد القوى حساباتها <<ولاستنهاض>> فريق لبناني وضع
نفسه بحكمة وعقلانية خارج هذا التأسيس المتجدد للانقسام الطائفي وحاولت
قيادته ان تعطل لعبة الغلبة حتى لو كان هذا التعطيل يصدر عن <<مصالح شخصية
وطموحات>>. ويبدو ان <<المطلوب>> هو اظهار المجتمع اللبناني <<مجتمع
أشرار>> قاصرا عن ادارة نفسه وفاقدا للمناعة والضمانات ورجالات الدولة
ويحتاج الى وصاية جديدة دولية هذه المرة ومباشرة وربما الى <<قوات ردع
دولية>> لا يخفي البعض حاجته لها ورغبته فيها، <<لتحرير لبنان>> من نفوذ لا
يمكن لعاقل إلا ان يراه مكونا لبنانيا أصيلا سواء أكان سياسيا ام طائفيا.
وبعد، يراهن البعض في لبنان و<<يجزم>> بعدم توافر شروط الحرب بان
اللبنانيين تعلموا من دروس الحرب الأهلية وويلاتها وعدم جدواها في حسم
الامور الوطنية ومن عدم استعدادهم لخوض غمارها مجددا. كأن الحرب يمكن ان
يخوضها الناس العاديون وليس الجماعات السياسية المنظمة. فالحرب الأهلية لم تتوقف اصلا على المستوى السياسي، وصراع الطائفيات هو الذي أدى لغياب الدولة التي نشكو غيابها ونسبّح بمشروعها الموعود على أيدي جميع الأفرقاء السياسيين الوطنيين، كل على هواه وما ملكت يداه. فماذا يمكن ان يسمى الصراع المفتوح الآن على السلطة بين تحالف طائفي وتفاهم طائفي آخر. وماذا نسمي حركة السفراء النشطة غير المألوفة في اي بلد من العالم وهي تدعم هذا الفريق او ذاك من فرقاء الصراع. وماذا نسمي الخطاب الهادر بالتعبئة المذهبية واستنفار العصبيات ونشوء الدوائر الأمنية والحديث عن السلاح بيد هذا او ذاك من الفرقاء ولعبة الخوف والتخويف منه او عليه. وماذا نسمي لغة العداء والتخوين والتجريح والتشويه، وماذا نسمي منطق المعسكرات الداخلية والمحاور والعزل والاقصاء ورفض الحوار او الاشتراطات المسبقة عليه، هذا بسلاحه وذاك بجراحه. لا يجهل قادة الصراع الى أين تسير الامور، فهم يعرفون تماما ان هذا التأزم السياسي والاصرار على منطق القوة اياً كان مصدره هو الطريق الأقصر لتفجير مكونات الوحدة الوطنية. لكنهم يراهنون عادة على توازنات معينة يحسبون أنها قادرة على حسم الصراع وفرض الوقائع ليتفاوضوا حولها بعد ان تدفع الناس الثمن. هذه كانت التجارب وهذه هي الانزلاقات الى الحرب الأهلية التي لم تتم يوما بقرار بل جاءت تدريجا نتاج الاصرار على احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية واحتكار الوطن. انها القطاف المر لأناس لا يعرفون <<جمال التسوية>>، لأناس لا يفحصون خطواتهم على معايير غير معايير السياسة: قوة، غلبة، نفوذ، كراهية، مغانم، سلطة، مصالح، كل ذلك مقابل غياب معيار واحد مهم، نترك لرجال الدين الأذكياء التذكير به. السفير (22 02 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||