لعل <<الطاولة المستديرة>> التي
أعدت بناءً على طلب رئيس مجلس النواب هي العنصر الوحيد الذي بات
جاهزا للحوار، أما ما عدا ذلك، فإن الصورة تبدو ضبابية ولا أحد
يجرؤ على ان <<يضمن>> ان الحوار سينطلق فعلا في الثاني من آذار
المقبل، وفق الرؤية التي رسمها <<المخرج>> نبيه بري.
والالتباس العميق يكمن حتى الآن
في الخيارات الحقيقية للمحاورين المدعوين الى <<لوزان>> اللبناني،
أو على الاقل بعض هؤلاء ممن تعمدوا إضفاء <<اللون الرمادي>> على
موقفهم من المشاركة او عدمها، بحيث تركوا مصير الحوار المفترض
معلقا في الهواء.
صحيح ان الوفود التي انتدبها
الرئيس بري من أجل <<التسويق>> للحوار تحرص على إشاعة مناخ إيجابي
حول نشاطها، ولكن بعض أعضائها لا يخفي في جلساته الخاصة حذره حيال
ما سيفضي إليه <<المجموع الاجمالي>> لهذه الحركة التي قد يكتشف
أصحابها في نهاية المطاف انها كانت مجرد <<جولة سياحية>> إذا
تناقضت مصالح لاعبين أساسيين في الداخل والخارج مع مبادرة بري التي
يرى مؤيدوها وداعموها ان النوايا الحسنة المعلنة من قبل البعض لا
تعكس بالضرورة ما هو مضمر لديه <<ومع ذلك فإننا نقوم بما يمليه
علينا واجبنا ونضع الجميع أمام مسؤولياتهم>>.
وكون بري يشرف على ترتيبات
الحوار، لا يعني انه سيكون <<حياديا>> فيه او حكما بين أطرافه، بل
إن أوساطا في حركة أمل تؤكد ان رئيسها يحمل موقفا واضحا ومحددا من
كل المسائل المطروحة للنقاش، وبالتالي يجب ان يُنظر إليه على أساس
انه طرف رئيسي لا اجتهاد في توصيف موقعه السياسي، وليس مصادفة في
هذا الاطار ان طاولة الحوار مستديرة، أي انه لا أحد يترأسها.
حزب الله يؤكد، من جهته، انه
حريص على مشاركة فعالة في الحوار باعتبار انه كان من أبرز الداعين
إليه. لا مشكلة لدى الحزب مع <<جدول الاعمال>> الذي طرحه الرئيس
بري، ولكنه يخشى من ان تؤدي سياسة <<الشروط المسبقة>> الى تعطيله،
وهو يعتبر ان مبادرة فريق الاكثرية الى فتح ملف رئاسة الجمهورية
خارج إطار الحوار، وبالطريقة المستخدمة، إنما تعطي انطباعا سيئا عن
نوايا هذا الفريق حيال مبادرة بري.
وفي كل الحالات، يطمئن الحزب
القلقين عليه من احتمال ان تتسبب الصيغة المقترحة للحوار إذا عاشت
ب<<محاصرته>>، الى ان هناك العديد من الحلفاء سيجلسون الى جانبه
حول الطاولة المستديرة، عدا عن ان الحزب ليس من الاجسام السياسية
والشعبية القابلة للحصار، وهو لئن كان حريصا حتى الآن في سلوكه على
الحكمة والتهدئة إلا ان ذلك لا يمنع ان لديه في <<الاحتياط
الاستراتيجي>> أوراقا حاسمة لقلب الحسابات، ربما يستخدمها وربما
يكتفي بالتلويح بها.
ويوحي الحزب بأنه مطمئن الى عدم
قدرة قوى 14 آذار على كسب معركة إسقاط رئيس الجمهورية ب<<الوسائل
المشروعة>>، وبرأيه لن يكون يوم 14 آذار المقبل مختلفا عن اليوم
الذي سيسبقه او سيليه، بناءً على المعطيات الراهنة، دستورياً
وشعبياً، إلا إذا كانت <<الاكثرية>> تخفي مفاجأة ما تحت الارض او
فوقها، <<وعندها فإن أي منطق انقلابي محتمل لن يطيح فقط بالرئيس
إميل لحود، وإنما سيطيح بكل شيء في لبنان.. وعل كل حال، لننتظر
المفاجأة التي يعدنا بها سمير جعجع>>.
وإذا كان غبار المعركة على قصر
بعبدا قد حجب دلالات التوافق على الدكتور بيار دكاش لملء المقعد
النيابي في بعبدا عاليه، فإن حزب الله ينصح بالتأمل في تلك النتيجة
التي تعكس طبيعة موازين القوى المستجدة بعد تفاهم الحزب والتيار
الوطني الحر، والتي أرادت مجموعة الاكثرية تأجيل تظهيرها الى
مناسبة أخرى.
وللمناسبة، يروى في الصالونات
السياسية ان العماد عون كان قد اقترح على الدكتور سمير جعجع
وحلفائه خلال المفاوضات ثلاثة أسماء ليختاروا منها واحدا يكون
الاسم التوافقي، وهي: بيار دكاش، بيار عبدو دكاش، ودكاش بيار.
يسرد الرواة هذه الواقعة التي
يمتزج فيها المزاح بالجد للقول إن العماد عون فاز في انتخابات غير
معلنة في بعبدا عاليه، خصوصا انه كان أول من رشح دكاش المعروف
بعلاقاته الجيدة مع التيار الحر وحزب الله، وبالتالي فإن <<مسحوق>>
التوافق النظري حسب الرواة لا يكفي لتجميل صورة الواقع الحالي
ل<<الاكثرية>> التي فضلت تجنب هزيمة سياسية في غير وقتها، قد تؤثر
على الزخم المطلوب لإنجاح حملة إسقاط لحود.
أما في صفوف تحالف 14 آذار، فإن
مقاربة ملف الحوار موعدا ومضمونا تتم بحذر شديد، وتكشف مصادر
نيابية في هذا التحالف عن ان قوى <<الاكثرية>> تبحث من حيث الشكل
في إمكانية ان تشارك في الحوار عبر وفد موحد وورقة عمل واحدة،
بمعزل عن العدد الذي حدده بري، ولكن حسم مبدأ الحضور، بحد ذاته،
يتوقف كما يتبين من مناخ <<الغالبية>> على تسليم الآخرين بأن مسألة
تغيير رئيس الجمهورية محسومة وغير قابلة للنقاش، عملا بالقرار
1559، وأي بحث سيجري على طاولة الحوار حول الملف الرئاسي يجب ان
يطال المرشح البديل وليس ما إذا كان يجب ان يرحل لحود او يستمر.
السفير (23 02 2006)