|
|
|
آخر تحديث Saturday March 04, 2006 الساعة 12:08:36 PM |
|
عزمي بشارة يتحدث عن أحوال عرب 48 التغيرات في الخريطة الحزبية الإسرائيلية محمود سويد احمد خليفة صقر أبو فخر إن ما يشغل بال الكثيرين في الوطن العربي هو تلك التغييرات التي تشهدها إسرائيل. إن هذه التغييرات هي، ولا ريب، انعكاس لأوضاع داخلية اسرائيلية. ما الذي أدى الى هذه اللحظة التغييرية؟ وهل تقود هذه التغييرات الى موقف اسرائيلي أكثر مرونة حيال التسوية؟ وما دور الانتفاضة الفلسطينية في دفع اسرائيل الى الانسحاب من غزة، وفي التغيرات التي جرت داخل الليكود باعتبار ان جزءا منها يرجع الى قرار الانسحاب هذا؟ - أود أن أقول إن رصد استطلاعات الرأي العام الاسرائيلي هو نوع من الباروميتر للمزاج العربي، وإن فراغ الساحة العربية من الاستراتيجيات المتعلقة بالشأن الفلسطيني يحوّل الأمور الى نوع من استراتيجيا الانتظار. والذي ينتظر يتسلى بقراءة الاستطلاعات والاتكال على تناقضات المجتمع الاسرائيلي وصراعاته السياسية الداخلية. وهذا تفاؤل مزمن. وهذا النوع من التفاؤل المزمن ناجم عن عجز بصيغة If you can't beat them join them، أي حينما لا تكون لديك أي استراتيجيا لهزيمة الخصم انضم إليه، او ادّع أنه تغير. خطاب الأماني العربية (Wishful thinking) هذا ليس تعبيرا عن الحال الاسرائيلية بقدر ما هو تعبير عن المزاج العربي. وللأسف الشديد هنالك جانب أيديولوجي جدي ومتجدد في القراءة العربية. وأقصد بالجانب الايديولوجي الليبرالي اليميني الجديد (New liberal). والبعد الأيديولوجي في قراءة اسرائيل يعمي عن القراءة العلمية والدقيقة للأوضاع. لسنا أمام عالم عربي أصبح فجأة يغص بالخبراء بإسرائيل لكثرتهم، وإنما أصبح عاجزا الى درجة أنه يعتقد ان قراءة اسرائيل تعوضه عن استراتيجيا عربية. لست ضد فهم العدو، او معرفة العدو، او معرفة الخصم. فقد كانت لدينا مشكلة هي ان العالم العربي لم يكن يقرأ اسرائيل. الآن المشكلة هي ان العالم العربي لم يتحول الى قراءة اسرائيل في سبيل معارضتها، وإنما صار يقرأها نتيجة عجزه، ونتيجة عدم وجود استراتيجيا. وهو يتوقع ان التغيرات في اسرائيل بديناميتها الداخلية وحدها ستجلب له الخلاص. ليس انقلاباً عشية هذه الانتخابات دار نقاش: شارون تغير، شارون لم يتغير، هنالك شارون جديد، شارون سيصبح ديغول، وينسحب هذا على حزب <<كديما>> الذي أقامه، الى آخر هذا الكلام. في ما يتعلق بهذه الانتخابات، وربما بعد كل تجربة سياسية جدية في إسرائيل، نلاحظ ان الاسرائيليين يتجهون الى نوع من إعادة التنظيم الحزبي، او إعادة اصطفاف للقوى السياسية. وإعادة الاصطفاف لهذه الاحزاب تفهم خطأ في الوطن العربي على أنها انقلاب سياسي. لا توجد حالة انقلابية في إسرائيل. إن إعادة ترتيب وضع اليمين الاسرائيلي حزبيا لا تؤدي فجأة الى ايديولوجيا جديدة، لأن أعضاء الليكود الذين انسحبوا منه وأسسوا حزب <<كديما>>، وعلى رأسهم شارون، كانوا منذ أعوام وفي الليكود يفكرون تماما كما يفكرون الآن في <<كديما>>. النقطة الجوهرية هي ان اليمين الاسرائيلي تغير بعد الانتفاضة الأولى وليس بعد الانتفاضة الثانية، وتبنى موقف اليسار الصهيوني. بمعنى ان صاحب نظرية الانفصال الديموغرافي عن الفلسطينيين في التاريخ الفلسطيني الاسرائيلي هو حزب العمل والأحزاب الصهيونية على يساره، للحفاظ على هوية وجوهر الدولة اليهودية كما يسمونه. هذا بالضبط ما أنجب النكبة. وهي من هذه الزاوية نوع من الانفصال الديموغرافي. النظام الصهيوني لا يريد ان يعيش مع الفلسطينيين وإنما يريد دولة يهودية. إن اول شكل من أشكال الفصل الديموغرافي كان تشتيت اللاجئين وترحيلهم. الشكل الثاني هو اقتراح التسوية الاقليمية على الأردن بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان التعبير الأول عن ذلك هو التسوية الاقليمية مع الأردن، ثم تسويات اقليمية مع الفلسطينيين. في اعتقادي ان اليمين الصهيوني وصل الى هذه القناعة بعد الانتفاضة الاولى. لماذا أقول ذلك؟ لأنه جرت محاولة في التاريخ الاسرائيلي لحل وسط بين هذا وذاك اقترحه اليمين الاسرائيلي. ومتى حدثت؟ بالضبط عندما وصل مناحم بيغين الى السلطة، وضم الجولان. لماذا جرى ضم الجولان؟ كي يستفز سورية؟ نعم، هنالك نوع من استفزاز سورية. لكن ايضا لأن الجولان خال من السكان. فعدد السكان لا يتجاوز ثلاثين ألفا. أما بخصوص ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد أدرك بيغن ان النظريات شيء والتطبيق شيء آخر. من هنا نشأت نظرية الحكم الذاتي للفلسطينيين التي أقنع فيها السادات، والتي فشلت في المفاوضات، ان نظرية مناحم بيغن هذه هي محاولة لحل وسط بين ضم أرض اسرائيل وبين فصل السكان ديموغرافيا في حكم ذاتي. الاسرائيليون اليمينيون المحتفى بهم حاليا لا يريدون ان يفاوضوا الفلسطيني. وأيضا لا يقترحون تسوية مع العرب. العرب خارج الصورة أصلا. الانتفاضة الاولى جاءت بعد كامب ديفيد وبعد حرب لبنان، وأثر الانتفاضة في المجتمع الاسرائيلي كان كبيرا. لكن الأمر الذي يهمنا الآن هو ان اليمين الاسرائيلي وصل الى قناعة، وخصوصا بعد فك الارتباط بين الملك حسين والضفة الغربية في خطابه المشهور سنة 1988، انه يجب ان يقوم كيان فلسطيني يعبر عن هذا الانفصال الديموغرافي. اي الذهاب الى كيان فلسطيني او دولة فلسطينية لقاء ضم ما يتبقى من الارض الى اسرائيل من طرف واحد. الآن ثمة أمران منعا هذا التفكير من التعبير بشكل كامل عن ذاته. الامر الاول هو فئات ايديولوجية داخل الليكود رفضت هذا التفكير وترفضه الآن يمثلها حاليا عوزي لانداو مثلا، وآخرون أكثر غيبية مثل موشيه فايغلين، وهو يمثل فئات من المستوطنين عارضت أوسلو وانضمت الى الليكود كي تحبط أوسلو من داخل الليكود. أيام رابين قامت حركة في البلد اسمها <<زو أرتسينو>> (هذه بلادنا)، بقيادة موشيه فايغلين والنائب في الكنيست بيني إيلون. بيني إيلون أسس حزبا ودخل الكنيست مع رحبعام زئيفي (غاندي)، وموشيه فايغلين اختار طريقا اعتقد من خلاله ان الأهم هو ان يدخل كل المتطرفين الى الليكود ويحتلوا الليكود من داخله، وظلوا منذ ذلك الوقت يشكلون عقبة كأداء امام طريق شارون. إذاً، العقبة الأولى هي الموقف الأيديولوجي داخل الليكود. والعقبة الثانية هي صراعات حزبية داخلية مثل الصراع بشأن قيادة الحزب، وهذه يمثلها في الأساس نتنياهو. وهذا الأخير لا يفكر تفكيرا مختلفا عن شارون، وإنما يريد الوصول الى قيادة الحزب. وما دام شارون يمثل رأيا معينا فنتنياهو ضد هذا الرأي ويؤدلج عداءه التنافسي هذا. أذكر نقاشات بين هنري كيسنجر وسايروس فانس، وكنت في حينه وما أزال صديقا لنوعام تشومسكي. كان الناس يحاولون ان يفسروا مواقف فانس، فكان تشومسكي يقول لي: لماذا التفسير؟ إذا كان كيسنجر يقول كذا، فإن فانس يقول عكسه، وهكذا. إن اسرائيل بلد فيه هذا القدر من الفساد، في ما يتعلق بالخلط بين المناصب الحزبية والطموح الشخصي والموقف السياسي. وشارون، في هذه الدورة البرلمانية، واجه اشكالات فظيعة. فأعضاء حزبه صوتوا ضده في اقتراحات نزع الثقة. وهذا ما أدى الى ان يحسم أمره، ليس حسما سياسيا ايديولوجيا، بل ان يمنح إطارا مستقلا لفكره عن الليكود بحيث لا يضطر الى خوض صراع قبل كل جلسة كنيست. هنا حدث خطأ في فهم موقف شارون. فالبعض اعتقد ان شارون كان سيفشل في الانتخابات الداخلية في الليكود، وهذا غير صحيح. شارون كان سينجح في اي انتخابات داخلية في الليكود ويسيطر على الليكود. مشكلته أنه لن يتحكم في قائمة الوزراء، وبالتالي سيضطر في كل مرة الى خوض صراع يتعلق بكل شأن، لأن الحزب كان سيصوت له باعتباره القائد الوحيد، ولكن لن يصوت لوزراء من جماعته، وبالتالي سيصبح تحت رحمة خصومه. لذلك حسم أمره وأسس حزب <<كديما>>. تحولات الليكود قبل قيام الليكود كان هناك حركة اسمها <<غاحَل>>، خاضت دورة انتخابية واحدة. وكانت مولفة من حيروت والحزب الليبرالي، اي حزب البورجوازية او حزب المدن، حزب الطبقات العليا في المدن وال upper middle class. لكن حزب حيروت التاريخي، الذي أسسه مناحم بيغن كاستمرار لمنظمة الإيتسل ومنظمة ليحي، تمكن من ان يخوض الانتخابات ويحصد عشرة مقاعد فقط في الانتخابات الاولى. أما التوسعات الكبرى اللاحقة فقد جرت من مصدرين: المصدر الأول هو التحالف التاريخي مع اليهود الشرقيين ضد <<مباي>> واستغلال القيادات الشابة الجديدة واستنفار رغبتها في الزعامة مثل المهاجرين من دول عربية من شباب معسكرات المهاجرين (ال<<معبروت>>)، وشباب مدن التطوير وأحياء الفقر، وهذا جلب له جمهور المصوتين. لكن بن غوريون كان يقف ويخطب ويقول ان الشعب كله موحد من دون حيروت وماكي، وكان يعتبر اليمين المتطرف بقيادة بيغن تافها، الى درجة ان بن غوريون حينما كان يتكلم عن بيغن كان يقول <<هإيش هازيه>> اي <<هذا الرجل>>، فلم يكن يذكر اسمه قط. وكان هناك عضو كنيست تاريخي اسمه يوحنان بدر، فكان بن غوريون يقول: ذلك الجالس الى يمين يوحنان بدر، وهو يقصد مناحم بيغن. إذاً، جاء المصدر الأول لاتساع قاعدة الليكود من التحالف مع اليهود الشرقيين. أما المصدر الثاني فهو التحالف مع الليبراليين البورجوازيين الذين أعطوا الليكود الشرعية، اي ان الليكود صار حزبا مقبولا، بعدما كان حزب المغامرين (إيتسل وليحي). هذان التحالفان حوّلا حيروت الى الليكود، من حزب هامشي يميني الى حزب احتل السلطة سنة 1977. عاد الليكود بعد تأسيس <<كديما>> الى حيروت التاريخي. مشكلة حيروت الذي اسمه اليوم الليكود، والليكود الذي اسمه اليوم <<كديما>>، انه حشر بين الليكود واليمين المتطرف، وما عاد لديه خانة كبيرة. فمنذ سنة 1948 أقامت أحزاب اليمين المتطرف في اسرائيل مربعا سياسيا لها، او خانة سياسية. الآن ما عاد هناك مكان لحزب آخر كبير بينها وبين الليكود. <<إيحود ليئومي>> موجود، <<المفدال>> موجود، ليبرمان أسس <<اسرائيل بيتينو>> وهكذا. ان تنوع اليمين المتطرف في اسرائيل يشغل مساحة كبيرة جدا من الخريطة الحزبية. ومن الناحية الأخرى هناك اليمين البراغماتي الذي هو الليكود الجديد او <<كديما>> بقيادة شارون (وحاليا أولمرت وموفاز وليفني وغيرهم). والليكود الذي احتفظ بالاسم محشور بينهما. وهنا تكمن معضلته. فكيف يحدد تميزه السياسي بين هؤلاء وأولئك؟ غير ان له ميزة هي ان الجهاز معه، الجهاز الذي هو مجموعة الناشطين الذين يمكن تسميتهم <<الماكينة الانتخابية>>. الماكينة الانتخابية موجودة عند الليكود. طبعا، حدث تطور مؤخرا، وهو التطور الأهم، اي انتقال تساحي هنغبي الى جانب شارون، لا لأنه ابن غيئولا كوهين، وإنما لأن هنغبي يمثل شيئا مهما في جهاز الليكود، فهو رئيس مركز الليكود، وكان في الحركة الطالبية، وعنده جهاز حزبي انتخابي مدرب. مأزق الديموقراطية - يقال ان انضمام تساحي هنغبي وشاوول موفاز الى شارون ربما يؤدي الى خسارة <<كديما>> نحو خمسة مقاعد. - هذا الكلام يقوله من يقرأ استطلاعات الرأي. - إذاً هذا الاحتمال غير صحيح. - لا طبعا. المشكلة في قراءة الاستطلاعات هي أنها تقارب الوضع الاستاتيكي لا الديناميكي، وهي استطلاعات صحافية لا استطلاعات صادرة عن مراكز علمية. الاستطلاعات الصحافية تتناول عينة من 450 شخصا، وتحصل على مواقفهم بالهاتف. فهي إذاً ليست مقابلات تساعد في تحديد الاجابة، الاستطلاعات ترصد الليكود في فترة انحطاطه، إذ هناك صراعات بين قادته الذين يشتم بعضهم بعضا، ويتناولون فساد هنغبي وفساد شارون وأولاد شارون. الاستطلاعات لحظية جدا، ولا تنير الصورة الشاملة. لذلك ثمة دائما سوء فهم في موضوع الاستطلاعات. اما القضايا المتعلقة بالسيولة في الخريطة السياسية الحزبية فهذه ليس لها علاقة بالصراع العربي الاسرائيلي، او بالقضية الفلسطينية. فهذا النائب او ذاك ينتقل ببساطة من حزب الى آخر إذا لم يكن له مكان في قائمة الحزب الانتخابية وسيكون له مكان في القائمة الاخرى، او ان القائمة الاخرى أضمن له في الانتخابات. في اعتقادي ان هذه ظاهرة تدل على مأزق في النظام الحزبي هو مأزق الديموقراطية. الديموقراطيات الحديثة تعتمد على الاحزاب. والآن ما عادت الايديولوجيا بوصلة، ولا البرنامج السياسي. بمعنى ان السياسي الانتهازي يقول لنفسه: لماذا أذهب الى الانتخابات؟ أليس لأصبح عضوا في البرلمان؟ السبب في الذهاب الى الانتخابات هو ان أصبح عضوا في البرلمان لا كي أنفذ برنامج كذا. النواب والوزراء، بمن فيهم رئيس الحكومة، ينتقلون بالجملة من حزب الى آخر منافس له، ولا تحدث هزة كما يفترض ان يحدث لدى انحلال نظام سياسي، الأمر الذي يدل على ان الحالة هي حالة أهلية (community) لا حالة مجتمع (society). الانتقالات تتم داخل القبيلة وداخل العائلة. مثل لعبة الكراسي التي تدور حول الطاولة وكل واحد يغير كرسيه في كل دورة، وكأنها لعبة كراسي حول الطاولة الواحدة نفسها. وهذه الطاولة هي الأيديولوجيا التي تجمعهم جميعا. وهذا النوع من الانتقالات يؤكد أنه لا يوجد في اسرائيل ديموقراطية ليبرالية وإنما ديموقراطية يهودية. لو ان فيها ديموقراطية ليبرالية مع هذه الانتقالات لأدى ذلك الى هزات. لكن لأن نظامها هو نظام <<ديموقراطية يهودية>> فجميع الانتقالات تتم داخل العائلة نفسها ولا تحدث أي هزات كبيرة. ماذا يجري في حزب العمل؟ - الصورة لدينا هنا في العالم العربي ان هناك انقلابين وقعا في اسرائيل:وصول عمير بيرتس الى قيادة حزب العمل، وخروج شارون وتأسيسه حزب <<كديما>>. أنت تقول إنه لم يقع اي انقلاب على الاطلاق وإنما مجرد انفصال. كيف تفسر إذاً التحولات الجارية في حزب العمل التي أدت الى صعود بيرتس؟ - انتخاب عمير بيرتس، ولا شك، تغيير ايضا، لكنه ليس انقلابا. ويمكن القول ان التغيير هو مجرد انقلاب على شمعون بيرس، لأن شمعون بيرس حوّل الحزب في الأعوام الأخيرة، بعد عهد باراك، الى ركيزة من ركائز شارون تساعده على تخطي معارضة اليمين المتطرف وتساعده في ان يكون حضوره الدولي مقبولا. وبهذا المعنى نعم، هناك اتجاه للحفاظ على الحزب وعلى خط الحزب وإنقاذ الحزب من سياسة بيرس. وحزب العمل اختار البقاء في مقابل حالة الاندثار التي مارسها شمعون بيرس الذي أراد دائما ان يؤدي دور المؤسس التاريخي في هذا الكيان، وان يكون له شأن في رسم حدوده. أما رهان عمير بيرتس فهو، الى حد بعيد، على هويته الشرقية. حزب العمل نجح في نقل فئات من اليهود الشرقيين الى حزب العمل، وهذا تغيير قياسا على العشرين عاما الأخيرة منذ سنة 1977. ولأول مرة ستقترع كتل من اليهود الشرقيين لحزب العمل، بافتراض ان مغربيا هو الآن على الحزب، وهو يمثل أحلامها بالوصول الى السلطة. لكنها ليست كتلا كبيرة، وقسم منها سوف يتخلى عنه عندما يدرك انه لن يصل الى السلطة. في الوقت نفسه فإن حزب العمل يخسر بعض الأشكناز. وثمة تصريحات لشمعون بيرس من هذا القبيل، كقوله ان هناك أناسا غرباء سيطروا على حزب العمل. والأفكار المعروفة عن عمير بيرتس بشأن الدولة الفلسطينية، اي دولة قريبة من حدود سنة 1967، واستعداده للتفاوض في كل شيء ما عدا القدس واللاجئين، هي أفكار شبيهة بأفكار عميرام متسناع. لكن، أين صار متسناع؟ عاد رئيسا لبلدية صغيرة. وبيرتس لا يريد مصير متسناع، لذلك فإنه يعدل خطه نحو اليمين.. مصيبته أنه خسر الكثير من الغربيين ولم يربح الشرقيين. - ما مدى تأثير القريبين منه. أمثال عامي ايالون، في إعادة تشكيل موقف الحزب من موضوع التسوية؟ - في رأيي ان موقف حزب العمل اكتمل وانتهى الموضوع، ولن تحدث اضافات اساسية عليه من عامي ايالون او من غيره، مع ان ايالون يظهر بمظهر المجدد القادم بأفكار جديدة، ولديه كل شيء قابل للمفاوضات إلا يهودية الدولة، ويهودية الدولة تعني رفض حق العودة أساسا. أحوال العرب في إسرائيل - واضح جدا ان العرب ما زالوا مهمشين في اسرائيل. ولا شك في ان ولادة حزب التجمع الوطني الديموقراطي أحدثت نقلة في صورة عرب 48 لدى الرأي العام العربي. ماذا عن الانتخابات المقبلة وعن استعداداتكم لها، وعن التحالفات المتوقعة؟ - العرب في إسرائيل لا يشكلون وحدة اقتصادية سياسية. وهم لا يفرزون ديناميكية سياسية خاصة بهم كأنهم نظام سياسي قائم بذاته، هذه حقيقة. لكننا، في الوقت نفسه، لسنا أمام قرية هندية في القرن التاسع عشر تعيد إنتاج ذاتها كما كان ماركس يتحدث عن الريف الهندي، ولسنا امام دولة. نحن امام حالة بينية. كُسرت الحالة الريفية، وكُسرت العلاقة بالأرض، وكُسرت العلاقة بالزراعة وانفتحت على المدينة لكنها لم تشكل بذاتها اقتصادا قائما بذاته، اي وجود طبقات تفسر سلوكها السياسي. والحياة الحزبية العربية في الداخل ليست حياة حزبية عربية، إنما هي حياة حزبية عربية في اسرائيل، يعني في إطار البرلمان الاسرائيلي وتحت سقفه. فنحن هنا لا نتحدث عن خريطة حزبية عربية في كيان عربي. لا يوجد كيان عربي في الداخل. الكيان العربي في الداخل هو افتراضي (Virtual)، ونحن كحركة وطنية نفترضه كي نصنعه في عملية بناء الشعب والحفاظ على الهوية الوطنية في الداخل. الآن ثمة عدة متغيرات، منها الحالة الاقليمية المتراجعة. أنا أتحدث عن المشاهد للتلفزيون الذي هو أغلبية الناس الذين أصبحوا مستهلكي إعلام وجمهورا من المشاهدين. وبالنسبة الى مستهلكي الإعلام هنالك تراجع في الخطاب الوطني والقومي في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، ليس بعد 11 ايلول/ سبتمبر فحسب، بل، وبشكل خاص، بعد حرب العراق. ثم ما جرى في لبنان بعد اغتيال الحريري والصراعات السورية اللبنانية. ويمكن ان نتخيل تأثير ذلك في نفسية الناس. وفي العالم العربي جرى التعامل مع شارون على أنه رجل سلام. ثم إننا وقفنا وحيدين امام خطة فك الارتباط ننتقدها امام قوى سياسية عربية هنا في الداخل وأمام عالم عربي يحتفل بها. وكان عليّ أن أشرح امام العرب لماذا نحن ضد فك الارتباط، وكان جمهوري يسألني: اذا كان العرب مع فك الارتباط فلماذا أنت ضده؟ هذا الوضع سبب لنا إحباطا معنويا. والموقف الوطني في الداخل هو، في نهاية المطاف، حالة معنوية لا حالة اقتصادية أو حالة مؤسساتية، وبالتأكيد ليس حالة دولة وطنية. نحن لا نستند الى قوة اجتماعية. وإنما الى حالة معنوية تتأثر بأمل وأفق، وتتأثر بالمشاريع العربية وبالحالة الفلسطينية، الخ. في مرحلة السبعينيات من القرن المنصرم، التي أنا عاصرتها كقيادي في الحركة الطالبية عندما اندفعنا بقوة ضد اليمين الاسرائيلي، كانت تلك هي مرحلة تشكل الوعي الوطني الفلسطيني في الداخل، حيث كانت السياسة الاسرائيلية تقوم بعملية نبذ للعرب، وبقايا لمشروع عربي يقوم بعملية جذب لهم، وهو مشروع المقاومة الرومانسية في حينه بعد سنة 1967، او المشروع القومي العربي. الآن جاذبية العرب تناقضت، ونبذ إسرائيل للعرب تراجع. النبذ الاسرائيلي ما عاد مجرد إقصاء. صارت القضية مركبة، فشارون يأتي بوزير عربي في هذه الأيام. المحكمة العليا تتدخل في كل شيء. انها محاولة لتعديل سياسات التمييز. ومنذ عهد يتسحاق رابين حتى اليوم مرت مجموعة من القوانين دفعت إلياكيم روبنشتاين (المستشار القانوني السابق للحكومة) الى القول إنها ثورة دستورية. ومنها قوانين بادرت الى سنها شخصيا ضد المؤسسة الصهيونية. القوانين التي تسمح بتمثيل العرب في الشركات الحكومية، اي تمثيل العرب بشكل لائق في الوظائف الحكومية. أنا أخذت قوانين السود في الولايات المتحدة وعرضتها على الكنيست. هذه القوانين لا تطبق الآن، طبعا، بشكل كاف. لكنهم كيّفوا تعريفهم للدولة اليهودية وفق حلول وسط بشأن الحقوق الليبرالية، من دون تغيير في الجوهر الصهيوني. هم بدأوا يعدلون في سياسات التمييز. هذه التعديلات أدت الى تغير في المزاج وأنماط السلوك السياسي العربي في الداخل سميناها عملية <<الأسرلة>>. الأمور الاخيرة، منذ بداية الانتفاضة الثانية، ثم خطة فك الارتباط والموقف العربي منه والأوهام حوله، واستقبال شارون عربيا، وبناء أوهام حول عمير بيرتس وحول الأحزاب الصهيونية، وحول التسوية، ذلك كله جعلنا نواجه معضلة. مشكلتنا الأساسية الآن هي مع تيارات المؤسسة الحاكمة التي لديها مثقفوها العرب. اي ان هناك مثقفين عربا يعملون في جامعات اسرائيلية وينظرون ضد السياسة العربية. المؤسسة الاسرائيلية لديها رجالها العرب، لا أقصد ان أسميهم <<العملاء>> بالمعنى القديم للكلمة، وإنما عمالة بنيوية غير واعية لمصالحها وتعتقد ان ما تقوم به أمر براغماتي ممتاز. وهؤلاء مجموعة من المثقفين الذين تربوا في المؤسسة الاسرائيلية وفي الجامعات الاسرائيلية، وبدأ الواحد منهم أستاذا مساعدا يبحث في شؤون العرب، ثم مساعدا للبروفسور الفلاني الخبير بشؤون العرب، ثم أصبح أستاذا في الجامعة وصار يقال: لدينا عرب في الجامعة. وهؤلاء يكتبون ضد السياسة العربية وضد الأحزاب العربية. وهذا التنظير يقود إما الى الاستنكاف عن الانتخاب، وإما الى عدم التصويت، وإما الى التصويت للأحزاب الصهيونية باعتبار ان النواب العرب لا يقدمون خدمات، وهذه أكبر كذبة حدثت في تاريخ العرب في الداخل. النواب العرب في الداخل على اختلاف شديد. بينهم انتهازيون، وبينهم عرب معروفون مرتبطون بالمؤسسة الصهيونية الحاكمة بشكل عضوي، يقيمون احزابا وهمية لكن يختبئون وراء تسمية <<العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي>>، وبينهم اعضاء في أحزاب صهيونية ايضا. لكن هناك تنافسا في خدمة المواطن لأن ليس لديه غير النائب العربي ليلجأ إليه. واليوم التجمع الوطني الديموقراطي يقوم بعملية تسييس للمطالب العربية، اي أنها ليست مجرد مطالب أفراد تُحل عبر الواسطة وإنما مطالب سياسية من أجل المساواة، وهي تظهر بقوة في مشاريع القوانين. وفي المقابل هناك نزعة الى عدم التسييس، اي الى نزع التسييس، بترديد الرغبة الصهيونية في القول <<اتركوا السياسة لأصحابها>>. وهذه النزعة هي أكبر خصم لنا في هذه المرحلة. أنا سميتها حالة استرخاء على تقاطع هامشين تجعل الواحد منا لا هو اسرائيلي ولا هو عربي، يطالب بحقوق اسرائيلية مجتزأة، ويحافظ على هوية عربية بالحد الأدنى، اي مجتزأة ايضا. هذا هو الخصم الأساسي لنا كحركة وطنية لأنه قد يؤدي الى الاستنكاف عن الفعل السياسي، اي عن التصويت في هذه الحالة، وقد يؤدي الى تصويت للأحزاب الصهيونية. العرب ويهودية دولة إسرائيل إن شارون يؤسس لتقليد يفرض التفاوض مع المواطنين العرب في شأن حقوقهم الفردية. لكن على العرب، بحسب شارون، ان يسلموا بمسألة يهودية الدولة وحق اليهود في الاستيطان. تعالوا الى قضية النقب مثلا، على العرب ان يسلموا بالحق في نشر اليهود في النقب لأن الدولة، ببساطة، هي دولة يهودية. ويقول شارون: أنتم لديكم قضايا إذا لم تقاربوها قوميا، بل مطلبيا، فلا مانع لدينا من تحقيقها لكم. إذا كان ينقصكم أجهزة لشبكات صرف صحي فسنساعدكم في بنائها، وهذه ليست مشكلة. لكن لا تأتونا بمطالبكم على أنها مطالب وطنية وقومية متعلقة بعروبة الأرض. وبهذا يبدو شارون معتدلا لأنه مستعد لمعالجة القضايا الفردية. وهو ليس عنيدا في القضايا الفردية، لكنه خصم شرس بإصراره على يهودية دولة اسرائيل. والرد يحتاج الى درجة عالية جدا جدا من الوعي، وقيادة سياسية، وتنظيم العرب في مؤسسات بحيث نحافظ على الهوية القومية العربية الفلسطينية في الداخل، وعلى التماسك القومي كي لا تتشرذم المطالب بين أهالي النقب، والجنوب، والمدن المختلطة. وكي لا يصبح عسيرا التفتيش عن الجامع بين مطالب ابن قرية الجش او فسوطة عند حدود لبنان وبين ابن النقب في القرى غير المعترف بها. نحن نسعى لمشروع وطني شامل يتوجه الى العالم كله. لكن هناك من لا يريد الذهاب الى المجتمع الدولي. نحن مع الظهور في الأمم المتحدة كعرب في الداخل، ولهذا طرحنا مؤخرا مشروعا لا يمكن ان ننجح فيه إلا إذا تحولنا الى قوى رئيسية على الساحة العربية. قوى رئيسية برلمانية في البرلمان الاسرائيلي. وأقصد بذلك القول إننا في البرلمان الاسرائيلي لا توجد لدينا نزعة انفصالية، لكن وراء سعينا تكمن غاية مهمة، وهي تحويل لجنة المتابعة العليا الى برلمان عربي في الداخل. وهذا معناه أن رأينا الذي ننفرد به حاليا كتجمع هو ان تتنافس الأحزاب العربية في انتخابات داخلية لانتخاب هيئة تقود الأقلية العربية وتعترف اسرائيل بها. ثم نطالب بمقعد مراقب في جامعة الدول العربية، ثم في الأمم المتحدة، إنها ليست قضية اندماج في اسرائيل. في مقاطعة كيبك في كندا هناك وزيرة شؤون خارجية تسافر الى دول العالم وتعقد اتفاقيات صداقة. كان هناك اعتماد على إذاعة صوت العرب وغيرها من أجل الحفاظ على هوية ما، وحاليا لا أستطيع ان أعتمد على <<روتانا>> لتشكيل هوية قومية. الهوية القومية يجب ان تتشكل من خلال مؤسسات ديموقراطية يقيمها عرب في الداخل، ومن خلال مناهج التعليم العربية. وهذا المشروع الوطني ممكن التنفيذ. لكن من غير الممكن تنفيذه إلا إذا ذهبنا الى البرلمان الاسرائيلي من أوسع أبوابه والقول إننا غير متنازلين عن المواطنة، فهي في حالتنا ليست صهيونية وإنما مشتقة من كوننا سكان البلاد الأصليين، ونحن نعرض مشروعنا كمشاركة في مصير هذا البلد. وهذا كله كي نستطيع ان نحمي ظهرنا ونساهم في تشكلنا الذاتي الوطني. وبهذا المشروع نتميز من الجهات السياسية العربية الاخرى. وهو مشروع دولة المواطنة، اي دولة لجميع مواطنيها. لدينا أشخاص مرتبطون بالمؤسسة الاسرائيلية، ثم هناك من هو مرتبط بالمؤسسة الاسرائيلية ارتباطا اقتصاديا. وعلى سبيل المثال، هوجمنا في انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2000 من جانب أصحاب المصالح في الداخل وقالوا لنا: <<وين رايحين فينا! الاسرائيلي اليهودي ما عاد يأتي الى القرى العربية ليشتري او يتوقف في مطعم عربي ليتناول الطعام. شركة الكهرباء استنكفت عن إصلاح الأعطال>>. وهؤلاء صاروا يعتبرون أنفسهم <<قوى الاعتدال>> ضد قوى التطرف. ان مجرد القبول بعملية التنافس تحت السقف الاسرائيلي يخلق الانتهازية، لأن من يصنع إيقاع التنافس هو الإعلام الاسرائيلي، هناك مجموعة عوائق امام مشروعنا. والمشكلة اكثر تعقيدا مما نتصور، لأنه لا توجد مدينة ولا يوجد مركز مديني في الداخل يصلح قاعدة اجتماعية لهذه الأفكار التي نطرحها على غرار بيروت مثلا، او دمشق، حيث يوجد مثقفون وجامعات ومؤسسات وصحافة، ألخ. - على الرغم من هذه العوامل كلها، وعلى الرغم من التنافس بين الأحزاب العربية فقد تمكنت هذه الاحزاب من تقليص التصويت للاحزاب الصهيونية، وأوصلت الى الكنيست عشرة نواب عرب في إحدى الدورات. الآن هل هناك تقهقر في هذه المسألة؟ - هذا الطرح مبكر الآن. إن استراتيجيتنا الانتخابية، في ما عدا المشروع السياسي، تتضمن رفع نسبة التصويت، ودعوة الناس الى عدم التصويت للأحزاب الصهيونية والتصويت للأحزاب العربية، ثم التصويت للتجمع الوطني الديموقراطي. نحن نقوم باستراتيجيا قومية فعلا. ونأمل بأن ننجح في تقليص التصويت للأحزاب الصهيونية، وأن نرفع نسبة التصويت عامة، او نرفع المساهمة كي يكون هناك تأثير عربي حقيقي في داخل البرلمان. * تُنشر هذه المقابلة بالاشتراك مع مجلة الدراسات الفلسطينية في العدد 65 الذي سيصدر في أوائل آذار 2006. السفبر (04 03 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||