|
|
|
آخر تحديث Saturday March 11, 2006 الساعة 07:50:42 AM |
|
لبنان قابل للمعالجة لكن بعيد من الحلول النهائية سليم نصار اذا سارت الامور حسب توقعات رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، فإن الاثنين المقبل سيشهد افتتاح الفصل الثاني من مسرحية الحوار الوطني. وكانت جلسات هذا الاسبوع قد توقفت فجأة بعد فشل سعد الحريري ومشاركي وليد جنبلاط، في ايضاح المواقف المتصلبة التي طرحها الزعيم الدرزي في الولايات المتحدة. ورأى أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله، في هذه المواقف مأزقاً سياسياً لا يشجع على مواصلة الحوار واستكمال صوغ عقد جماعي ضد التشرذم والخلاف. وفي سبيل انقاذ هذا المشروع الوطني، اقترح الرئيس بري تأجيل جلسات الطاولة المستديرة الى الاثنين المقبل لعل جنبلاط يشرح وجهة نظره بشأن الطروحات التي عرضها أمام الصحافيين في "معهد بروكينغز" في واشنطن. وهي طروحات مفاجئة تختصر برنامجه السياسي حيال كل القضايا، الامر الذي اعتبره بعض أقطاب الحوار الوطني انقلاباً على كل شيء حتى على ثوابته السابقة. والسبب أن جنبلاط ظل محتفظاً بالمعايير الواقعية التي تؤسس لعلاقات متميزة بين لبنان وسوريا، حتى بعد اغتيال الحريري. ولكنه اشترط قبل إبرام اتفاق جديد، تحرير "الوطن الرهينة" وانقاذ اللبنانيين من نظام التبعية لدمشق. وفي حديثه لوكالة "فرانس برس" قبل أقل من سنة، رفض استغلال مقتل الحريري من أجل زعزعة الاستقرار الداخلي في سوريا، وحرص على القول ان "أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان. هذه هي قناعتي وهكذا ورد في اتفاق الطائف. لذلك أريد أن اؤكد أهمية الاستقرار في سوريا، ورفضنا القاطع لدعم أي مشروع غربي او اسرائيلي، يهدف الى إرباك الاستقرار والأمن في هذا البلد". في كلمته أثناء الاحتفال بذكرى اغتيال رفيق الحريري (14 شباط الماضي) شن وليد جنبلاط حملة ضد الرئيس بشار الاسد ضمّنها الكثير من عبارات السخرية وصيحات الانتقام. وكرر هذا الموقف في أحاديثه المتلفزة، معترفاً انه أخطأ في مصالحة النظام المسؤول – حسب قوله – عن مقتل والده كمال جنبلاط. ثم اتبع حركة الانعطاف السياسي، بدعوة الادارة الاميركية للانخراط معه في عملية تحرير لبنان – بشكل سلمي او عسكري – مذكراً بأن كل حركات التحرير السابقة حظيت بدعم دولي لكسب معاركها. وبما أن عملية تحرير لبنان في رأي جنبلاط، تبدأ بإقالة رئيس الجمهورية اميل لحود، وبضرورة تسليم سلاح "حزب الله" للجيش اللبناني، فإن التوصل الى نتائج ايجابية عبر الطاولة المستديرة، يبدو أمراً صعب التحقيق. والسبب أن السيد حسن نصرالله لن يقبل بالتنازل عن السلاح، قبل جلاء الغموض الذي يكتنف قضية مزارع شبعا. ففي حين يعترف جنبلاط بلبنانيتها (400 كلم مربع) ويرفض منطق السيادة عليها، فإن مسألة تحريرها ستظل مشكلة غير محسومة الى أن تصدر الأمم المتحدة الوثيقة النهائية بشأنها. ويدعي خصوم وليد جنبلاط انه طلب من وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس اقناع اسرائيل بضرورة انسحابها من هذه المزارع كي تسقط حجة "حزب الله". ويبدو ان البطريرك الماروني نصرالله صفير أراد إخراج هذا الموضوع من التداول، حرصاً على وحدة الصف الداخلي. وعندما زاره وزير الخارجية فوزي صلوخ، قال ان وزير الخارجية السوري أعلن في مؤتمر برشلونة ان مزارع شبعا لبنانية. وهذا يستدعي اجتماعاً مع الجانب السوري بعد انتهاء لجنة الخبراء اللبنانيين من إعداد الوثائق والمعاهدات الموقعة بين الفرنسيين والانكليز، بهدف التوصل الى نتائج مرضية. وفي ضوء هذا الواقع، يقول البطريرك ان "القسم المهم من القرار 1559 قد نُفذ بانسحاب القوات السورية. أما ما بقي منه فهذا أمر يتعلق بالشأن الداخلي اللبناني، وبأهمية التوصل الى قرار توافقي يصدر عن اجتماعات الحوار الوطني، خصوصاً بعد اعلان الجميع بأن المقاومة ليست ميليشيا". في تصاريحه قبل السفر الى واشنطن تلبية لدعوة الوزيرة رايس، قال جنبلاط ان السلاح المنقول من سوريا الى المقاومة سوف يستعمل لأغراض أخرى الى جانب تحرير مزارع شبعا. وذُكر ان قافلة من شاحنات تنقل اسلحة وصواريخ، سمح لها الجيش اللبناني بالعبور لأن القرار السياسي الرسمي يؤيد شرعية هذا العمل. ثم تساءل جنبلاط عن أهداف الجهة التي تريد ان تجعل من لبنان محوراً ايرانياً - سورياً مرتبطاً بالمشاكل الاقليمية والدولية. وقال في هذا السياق إن تظاهرة المليون تدعو الى تطبيق اتفاق الطائف، والى الغاء الدويلات ضمن الدولة. قبل افتتاح مؤتمر الحوار الوطني، علم الرئيس اميل لحود، ان الاطراف المشاركة ستطرح ملف الرئاسة، خصوصاً ان هناك فقرة في القرار 1559 تتناول هذا الموضوع. واستغل وليد جنبلاط هذه الفقرة، ليتحدث عن أولويات قوى 14 آذار، ويشدد على ضرورة اختيار رئيس يحفظ المصالح اللبنانية. ووصف الرئيس لحود بأنه يمثل النظام السوري، وبأن التمديد له حصل بالاكراه. وحدد الثلثاء المقبل كموعد لتحريك عملية اسقاط الرئيس، مهدداً باستخدام الشارع اذا فشلت الوسائل الدستورية والسياسية. ودعم موقفه بالتذكير ان سبعة نواب فقط اسقطوا الرئيس بشارة الخوري عام 1952 لأنهم تسلحوا بإرادة الشارع. بناء على نصيحة مستشاريه الجدد، نقل الرئيس اميل لحود موقفه الدفاعي الى موقف هجومي، خصوصاً بعدما وعدته دمشق بتشكيل جبهة معارضة في حال نجحت حملة جمع التواقيع على عريضة إقالته. وبادر الى نشر رسالة في صحيفة "لوريان – لوجور" اتهم فيها المحرضين على اسقاطه بأنهم يعملون بمساعدة قوى أجنبية حليفة لاسرائيل (يعني اميركا وفرنسا). وهاجم لحود الاكثرية النيابية لأنها تهيمن على البرلمان وعلى غالبية اعضاء الحكومة، وقال انها تسعى الى السيطرة على مؤسسة رئاسة الجمهورية لكونها المؤسسة الوحيدة التي صمدت. وبعد أن وعد الشعب بانقاذه من حكومة ملحقة بمصالح أجنبية، أشاد بدور سوريا خلال الحرب اللبنانية، وبالوطنيين الحقيقيين الذين بمساعدتهم، سيدافع عن وحدة البلاد ضد هجمة القوى الخارجية. وفي مؤتمر الاحزاب العربية الذي عقد في دمشق هذا الاسبوع، حيّت سوريا اميل لحود وموقفه الداعم للمقاومة. كما تمنى الحاضرون الحفاظ على الثوابت الوطنية الممثلة بالعلاقات السورية – اللبنانية وحماية سلاح المقاومة وعروبة لبنان. ولم ينسَ الرئيس بشار الاسد أن يقدم النصح للبنانيين في شأن استعادة وعيهم الوطني والقومي. وانتقد عضو "اللقاء النيابي الديموقراطي" اكرم شهيب نصيحة الاسد، مذكراً اياه بأن الشعب اللبناني يعتز بانتمائه الوطني ويفهم القومية انفتاحاً وديموقراطية وشرفاً، ولا يفهمها انغلاقاً وسجناً واستبداداً واستباحة للكرامات ووصاية على الآخرين باسم الانتماء القومي. وفي مداخلة سياسية اعتبر رئيس "حركة التجدد الديموقراطي" نسيب لحود، ان اللغة التي استخدمها الرئيس الاسد غير مقبولة لأنها ترمز الى الماضي ولا تخدم قضية تحسين العلاقات بين البلدين. في انتظار استئناف حوار الاقطاب في البرلمان الاثنين المقبل، من المتوقع ان يتحول الاجتماع الاول الى جلسة محاسبة واستجواب لوليد جنبلاط، ويستعد نواب "حزب الله" لتوجيه الانتقادات الى مواقفه المعلنة في واشنطن لأنها تنسف كل القواعد المعدة لنجاح لغة التفاهم والتوازن المطلوب. في حين يرى بعض النواب ان الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون، قد يعزفون عن تسهيل عملية نسف جلسات الحوار بواسطة افتعال خلاف مع جنبلاط. وفي تصورهم ان جنبلاط لا يريد النجاح لخطوات توافقية قد تحول دون إقالة لحود أو نزع سلاح "حزب الله". وقد أشار العماد عون الى وجود هذا المأزق عندما قال في اذاعة "صوت الغد" ان الرئيس لحود لن يتعرض للاقالة او لتنحية دستورية. ويستفاد من هذا الكلام ان الخيار الوحيد أمام جنبلاط هو استخدام الشارع لتحقيق هذا المطلب. ومثل هذا الخيار صعب التحقيق بعدما أصبحت طهران حاضرة جداً جداً في الساحة السياسية اللبنانية، او بعدما اصبحت شريكاً في إزاحة لحود او بقائه. وهذا ما أظهره حضور حلفاء سوريا في جلسات الحوار. يُجمع النواب على القول ان توتر الاجواء الاقليمية لا يساعد اللبنانيين على تحييد وطنهم، كما يتمنى نبيه بري. لذلك نصح الفرنسيون بضرورة اعتماد الحكمة والروية في وقت تعصف حول لبنان كل زوابع الشرق الاوسط، بدءاً بفلسطين، مروراً بالعراق، وانتهاء بايران. وهذا ما أوصى الرئيس شارل ديغول باعتماده يوم استقبل وزير خارجية لبنان السابق فيليب تقلا. قال له إن في العالم قضايا معقدة يمكن معالجتها ويصعب حلها. وذكر له أن فلسطين وكشمير ولبنان تعتبر بؤراً متفجرة يمكن معالجتها ولكنها بعيدة عن الحلول النهائية. وفي ضوء الوقائع الاقليمية الحالية، يرى الديبلوماسيون في بيروت أن الرئيس لحود لن يستقيل الا اذا استكملت صفقة استبداله بالعماد عون. وفي حال تعذر هذا الامر، بسبب كثرة المرشحين الموارنة، فإن اميل لحود أعرب عن استعداده لتأييد مرشح من خارج المجلس والكتل النيابية هو وزير العدل شارل رزق. بقي السؤال الأهم: هل وعدت الوزيرة الاميركية كوندوليزا رايس وليد جنبلاط بثمن سياسي كبير كي يقفز من تحت المظلة الروسية الى استظلال المظلة الاميركية؟ وما هو الانقلاب الفكري او العقائدي الذي تعرض له كي يعتذر من مدير البنك الدولي بول وولفوفيتز عن تمنياته لأن يراه ميتاً عقب تفجير فندق في بغداد؟ بل ما هو الدافع الحقيقي للتذكير بأن لبنان يحتاج في عملية تحريره الى الدعم الاميركي، من دون الاشارة الى ان البارجة الحربية "نيوجيرسي" أرسلها الرئيس رونالد ريغان كي تضرب قوات حركة التحرير، ومنها قوات الحزب الاشتراكي، بهدف منعها من الوصول الى قصر بعبدا؟ كل هذه الاسئلة المحيّرة يطرحها اللبنانيون قبل عودة الزعيم الدرزي من واشنطن للاشتراك مجدداً في اجتماعات الحوار الوطني. وهي اسئلة يصعب ايجاد أجوبة شافية لها اذا اعتمد علم المنطق. ولكنها تصبح منطقية – حسب رأي أحد اصدقاء رئيس اللقاء النيابي الديموقراطي – اذا ما تذكرنا ان والده كمال جنبلاط اغتيل في 16 آذار 1977. ويعترف نواب كتلته ان نفسيته تتبدل خلال هذا الشهر الذي اغتيل فيه يوليوس قيصر ايضاً، وتجنح به الصدمة الى الاحباط والغضب والرغبة بالانتقام. وربما استفاق هذا الشعور النائم بعد 28 سنة عندما وصلته قائمة بالمرشحين للقتل وقرأ اسمه بينهم، او ربما وعدته كوندوليزا رايس بالانتقام ممن أهدروا دمه. وفي مطلق الاحوال، فإن الورقة التي لعبها اخيراً ستضعه امام خيارين لا ثالث لهما: إما الانزواء في المختارة او اللجوء الى شقته في باريس، بينما الرهان على تغيير النظام السوري من قبل الادارة الاميركية، فقد جدد له بسبب تحالفه الوثيق مع ايران! النهار (11 03 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||