موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mercredi avril 12, 2006 الساعة 07:50:04

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

النظام الإقليمي العربي و"المسألة الشيعية"

جهاد الزين

قد يكون من التسرع الاعتقاد بأن الرئيس المصري حسني مبارك قد تسرّع في الحديث عن "الشيعة" الذين حسبما قال هم "65 في المئة من العراقيين وهناك شيعة في كل هذه الدول وبنسب كبيرة. الشيعة دائما ولاؤهم لايران. اغلبهم ولاؤهم لايران وليس لدولهم".

... ربما "تسرّع" الرئيس المصري في طريقة الحديث، بعض التعابير المستخدمة في جزء من الحديث. ولكنه اثار موضوعا تدل كل "المقدمات" في السنوات الثلاث الاخيرة انه موضوع مدروس وبدقة على اعلى مستويات الدولة المصرية وتوجهاتها في المنطقة، خصوصا في العام الاخير.

الصياغات اللفظية التي اختارها الرئيس المصري قبل اي شيء آخر هي التي ادت الى "الصدمة" في تصريحاته. لكن اذا كان من المستحيل على اي مراقب عربي او مسلم او اجنبي ان يقبل فكرة وضع "اغلب" الشيعة العرب في 7 دول عربية (حوالى الخمسة وثلاثين مليونا) في موقف "الولاء" لايران(؟!!)... فان المسألة الجادة جدا التي تستحق مما يبقى من هذا الطرح مناقشةً ورصداً واسعين ودقيقين هي مسألة نجاح الاحزاب الموالية لايران في السيطرة اخيرا على معظم المجموعات الشيعية العربية وخصوصا في العراق ولبنان او من بناء نفوذ قوي فيها.

ربما اراد الرئيس المصري ان يسجّل هذه "الظاهرة"، ظاهرة بروز احزاب موالية للنظام الايراني كـ"حزب الدعوة" و"التيار الصدري" و"المجلس الاعلى للثورة الاسلامية" في العراق و"حزب الله" في لبنان وتراجع او تلاشي التيارات والاحزاب والشخصيات البعيدة عن "الفلك الايراني" في بيئات شيعية عربية اساسية، نوعا وعددا.

اراد الرئيس المصري ان يقول ذلك من موقعه السياسي والامني الكبير في المنطقة، فجاءت التعابير التي استخدمها وقد خانتها "الدقة" من حيث الكلام عن "الشيعة"... في حين اراد تسجيل ظاهرة فعلية ولا يمكن انكارها وهي سيطرة شبه كاسحة لاحزاب على صلة وثيقة جدا بالنظام الايراني على الحياة السياسية، ولاسيما في دولة الغلبة الديموغرافية الشيعية، احدى اكبر الدول العربية واهمها، اي العراق.

لقد دخل الرئيس المصري الى موضوع "الشيعة" من الباب الايراني. اي من باب حذر رئيس دولة اقليمية الدور كمصر من تصاعد نفوذ واهمية دولة اقليمية كبيرة كايران. والسؤال هنا، هل كان حسني مبارك كرئيس لمصر سيكون معنيا بهذا النوع من الكلام عن "الشيعة" لو لم تكن المسألة مرتبطة بدور ايران تحديدا؟

الجواب الذي اعتقده اكثر انصافا – قياسا بتاريخ مواقف الدولة المصرية – هو: لا. فمصر بحكم التكوين والثقافة مهيأة دائما لاطلالة اكثر اتزانا على الوضع في دول المشرق العربي، سواء بين المسيحيين والمسلمين او بين الطوائف المسلمة نفسها، اكثرياتٍ واقلياتٍ، عندما لا يرتبط الوضع الديني او المذهبي بالصراع الاقليمي (ايران) والدولي. وليس بعيدا جدا، وان كان اصبح من الماضي، الزمن الذي كانت فيه الدولة المصرية معنية بالتنافس الحاد مع تركيا والسعودية والاردن الهاشمي، كذلك العراق الهاشمي الذي ساهمت باسقاط نظامه عام 1958.

ينبغي الانتباه هنا في معرض فهم الاسباب التي دعت الرئيس مبارك الى قول ما قاله مؤخرا، هو ان هذه الحساسية السلبية حيال الاتجاهات الموالية لايران عند "الشيعة" العرب، ليست فقط محصورة بقمة الهرم في الدولة المصرية او حتى في نطاق اوسع داخل نخبة الدولة المصرية. وانما هي موجودة داخل النخبة السياسية والثقافية المصرية عموما، اي داخل وخارج الدولة معا. انها حساسية تفاقمت في السنوات الاخيرة، وتجد جذورها اصلا منذ الثمانينات، ثمانينات حرب صدام – الخميني. حساسية ضد "الاسلام السياسي الشيعي" كما يعبّر مثقفون يساريون مصريون بين الوقت والآخر، وبينهم مثقفون معارضون للنظام في مصر.

انها حالة مصرية. ففي مجالين رئيسيين شهد العقد ونصف المنصرم بل العقدان المنصرمان نوعا من التلاقي بين اتجاه الدولة على المستوى الاقليمي وبين اتجاه النخب السياسية والثقافية بما فيها المعارضة للنظام. فخلال تسعينات القرن الماضي، وتحديدا بعد "اتفاق اوسلو" الذي ادى الى نوع من الطموح الاسرائيلي بـ"الاندماج" في المنطقة، اجتمعت الدولة والنخبة الثقافية المصريتان على موقف مشترك ضد "الشرق اوسطية" بما هي يومها، مشروع لنفوذ اسرائيلي رأتها هذه النخب المصرية، رسمية وغير رسمية، على انها تحجيم بل اهمال لدور مصر العربي. والمجال الآخر هو الوضع في العراق، وما عكسه من تصاعد نفوذ ايراني منظورا اليه من القاهرة. لا اتحدث هنا عن جميع النخب، فلا زالت هناك "مدرسة" اصبحت اقلية الآن تتطلع الى اولوية التناقض مع اميركا والى حاجة مصرية استراتيجية لتدعيم العلاقة مع ايران (محمد حسنين هيكل واظن الآن، على سبيل المثال ان كاتبا موصوفا بالقرب سابقا من النظام الديني الايراني هو فهمي هويدي قد انفكّ عن هذه "المدرسة" تحت تأثير التحولات "الطائفية" في العراق).

اذن من الخطأ النظر الى تصريحات الرئيس مبارك الاخيرة بصفتها "خاصة" به او بطاقمه بل هي "رأس جبل" من الحساسية النخبوية العامة في مصر حيال الدور الذي يظهر عليه "الاسلام السياسي الشيعي" وما يحمله معه، منظورا اليه من القاهرة، من خطر على "ماهية" العراق بالمعنى الذي اعتاد عليه، وكان جزءا مؤسسا النظام الاقليمي العربي بعد 1945 (حول الجامعة العربية)، فكيف حين تأتي التصريحات المؤيدة لـ"الفيديرالية المذهبية" من قيادات شيعية عراقية لتزيد من المخاوف على وحدة عراق هو اصلا لا تنقصه كوابيس الانفصالية الكردية الكامنة والمعلنة.

مقابل كل ذلك، وحتى لا نقع في تبسيطية مضرة في فهم تصريحات الرئيس مبارك، من المفيد التذكير بأن الموقف المصري من الملف النووي الايراني رغم كل ذلك لا زال يثير حفيظة الاميركيين لأن الديبلوماسية المصرية تنظر اليه من زاوية الملف الآخر الذي هو الملف النووي الاسرائيلي ولم تقبل ابدا بالتركيز الوحيد الجانب على الملف الايراني، مشددة على ما اصبح تقليديا الدعوة الى "اخلاء منطقة الشرق الاوسط من اسلحة الدمار الشامل" بما فيها رفض ايران النووية الذي يجمع القاهرة مع واشنطن.

• • •

لقد رفعت تصريحات الرئيس مبارك "المسألة الطائفية السنية – الشيعية" في العراق، وعبره في المشرق العربي، رسميا وللمرة الاولى على هذا المستوى الى واحدة من اهم قضايا النظام الاقليمي العربي. سبق للسعوديين (الامير سعود فيصل وقبلهم بشكل سريع اعقبه صمت كامل لبعض الكويتيين) ان اثاروا مسألة النفوذ الايراني في العراق بصورة متصلة بالوضع الطائفي. لكنها المرة الاولى التي يمكن القول فيها ان "المسألة الطائفية" في المشرق تطرح كقضية تتعلق ببنية دول المنطقة وبالتالي بالنظام العربي الاقليمي... الذي لا زال منذ سقوط بغداد "يقاتل" بصورة من الصور غير الرسمية "المشروع الاميركي" في العراق. ان هذا البعد التناقضي العميق بين واشنطن واقرب حليفين لها في المنطقة وهما مصر والسعودية حيال المشروع التغييري الاميركي الذي انطلق من العراق في 9 نيسان 2003، هو احدى الحقائق الرئيسية المعقدة في العلاقات العربية الاميركية اليوم، وهذا تناقض فعلي بين واشنطن من جهة والرياض والقاهرة من جهة اخرى يزيده تعقيدا في الصورة العامة للمنطقة ان تكون الرياض والقاهرة نفسها قد قدمتا خدمات لوجستية او مخابراتية للقوات الاميركية الداخلة الى العراق. مع ذلك هاتان العاصمتان العربيتان تصطدمان بالمشروع السياسي الاميركي وتستفيدان ايضا من تعثره الكبير الحالي (ينطبق الامر ايضا على الاردن، تعاونا وتناقضا!).

كانت "المسألة الطائفية" القديمة التي تعاطى معها النظام الاقليمي العربي كمسألة تطول بنية احدى الدول العربية، بل احدى الدول المؤسسة في الجامعة العربية، هي المسألة الطائفية اللبنانية باعتبارها مسألة الثنائية المسيحية – المسلمة المشكلة للصيغة اللبنانية.

هذه كانت "المسألة الطائفية" القديمة التي اعتاد عليها النظام الاقليمي العربي خصوصا من الخمسينات حتى اواخر الثمانينات، واعتاد التدخل الرسمي فيها.

الآن تبدو المنطقة وقد انتقلت الى "مسألة طائفية" مختلفة يواجهها النظام الاقليمي العربي (ويطرحها ايضا!) في مرحلته الجديدة بعد سقوط بغداد.

لقد قلت مرة لاحد اصدقائي العراقيين، وهو الدكتور مهدي الحافظ، الخبير الاقتصادي المعروف، والسياسي العراقي العلماني الذي سيدخل كوزير للتخطيط في اول حكومة عراقية تشكل بعد سقوط بغداد... وكان في زيارة رسمية لبيروت ضمن وفد رسمي... كان مهدي الحافظ ينقل لحبيب صادق ولي مخاوفه المبكرة من سطوة بعض القوى الطائفية في العراق (اواخر 2003)... قلت له وقتها ان بعض اصحاب الرؤوس الطائفية "الحامية" من السياسيين الشيعة الجدد في بغداد يجب ان لا يخطئوا في مدى قدرة النظام الاقليمي العربي على "افساد حياة النظام العراقي الجديد". وان كون هذا النظام الاقليمي العربي في حالة دفاعية وضعيفة تجاه واشنطن لن تمنعه من جعل وضع العراق الجديد مزريا اذا شعر بالخطر. وذكّرت الدكتور الصديق – والعلماني – بان النخبة المارونية والمسيحية عموما انشأت بلدا عربيا مهما هو لبنان وكان الاكثر حداثة في العالم العربي، مع ذلك فان النظام الاقليمي العربي "أفسد حياة هذه النخبة المارونية" على مدى خمسين عاما حتى ادى الامر الى اضعافها بنيويا لانها لم تحسن التعامل مع الصراع العربي – الاسرائيلي ومستلزماته الداخلية. واليوم، اذا لم ينجح القادة العراقيون الجدد في التعامل مع المنطقة، فان هذا النظام الاقليمي العربي على كل ضعفه وتبعيته لواشنطن قادر على "افساد حياة النخبة الشيعية الجديدة التي تقدم نفسها في الدولة العراقية الجديدة باسم الاكثرية الشيعية"!

هل تنفع هذه "النصيحة" في ما يحدث حاليا في لبنان؟؟ هذا حديث آخر.

النهار (12 04 2006)

 

هذا المقال

 

العنوان:

النظام الإقليمي العربي و"المسألة الشيعية"

الكاتب:

جهاد الزين

المصدر:

النهار

تاريخ النشر:

12 04 2006

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى