|
|
|
آخر تحديث mercredi avril 12, 2006 الساعة 07:56:09 |
|
إصلاح الاقتصاد في دولة قيد الدرس سليمان تقي الدين قال وزير المال: ان الحكومة لو استطاعت ان توقف العجز في مؤسسة كهرباء لبنان لما طرحت ضرائب جديدة. هكذا لا يزال اللبنانيون يدفعون ثمن عجز الحكومات المتعاقبة عن معالجة ملفات الهدر والتسيب والفساد. وليست مؤسسة كهرباء لبنان إلا نموذجا كاد يتحول الى لغز بعد ان استنزفت من المال ما يوازي اكثر من ربع الدين العام. وزير المال لا يتحدث عن ملفات كثيرة اخرى أحصاها تقرير الأمم المتحدة عن الفساد في لبنان عام 2000، توفر مليارا ونصف المليار دولار سنويا لو تمت معالجتها، هذا اذا لم نسأل أصلا عن سبب المديونية وكيف وصلت البلاد اليها. لكن الحكومة كسابقاتها ما زالت تتعاطى مع المشكلات بعقلية بدائية جدا، فهي تريد ان توازن بين النفقات والواردات، وببساطة لا تجد وسيلة سوى زيادة الضرائب. ومن غرائب الأمور ان الحكومة لم تعد في وارد تحويل لبنان الى <<جنة ضرائبية>> لتشجيع الاستثمار، فهي تقترح اليوم زيادة الضرائب على أرباح الشركات وكذلك زيادة ضريبة القيمة المضافة بالنظر لسهولة جباية هاتين الضريبتين، علما بأن المبدأ الاقتصادي التقليدي يفرض تخفيض الضرائب عندما يتراجع النمو من أجل جذب الاستثمارات وزيادة فرص العمل. على أي حال، تطرح الحكومة خطة اقتصادية شاملة تحت ضغط الأزمة في الداخل والمطالب الآتية من المؤسسات الدولية. ولا شك في ان في عناوين تلك الخطة الكثير من الايجابيات وهناك الكثير من الاجراءات الاقتصادية التي يتفق حولها الاقتصاديون لكنهم يقولون ان جميع الخطط الاقتصادية لن تنجح في تحقيق أهدافها، بل إنها لن تطبق إلا اذا كانت متلازمة مع الاصلاح. والاصلاح هنا يجب ان يكون شاملا الادارة الاقتصادية والادارة السياسية، وإلا لتحولت جميع مشاريع الحلول كمن يجمع الماء في الغربال. هذه كانت تجربة السنوات الماضية وهذا ما حدا بالحكومة ان تُضمِّن الورقة الاقتصادية عناوين في الاصلاح الاداري. وذهب وزير المال الى الحديث عن تغيير التشريعات او تطويرها. وعلى فرض ان القوى السياسية قد وافقت الحكومة على خطتها الاقتصادية تسهيلا لمؤتمر بيروت، اي لاستدراج الدعم الدولي للوضع المأزوم، وهذا مشكوك فيه عند المفاصل التي لها علاقة بالسياسات الاجتماعية، فهل من الممكن التصدي لقضايا الاصلاح في الجانب السياسي منه، وهو في حقيقته يؤدي الى الفصل التام بين الادارة والنفوذ السياسي، بين السلطة وعمل المؤسسات الدستورية. يراد بالتعاقد الوظيفي مثلا ترشيق الادارة وتخفيف أعباء نظام التقاعد وادخال كفاءات جديدة وفعالية. فهل يمكن تحقيق هذه الأهداف في ظل نظام المحاصصة السياسية الطائفية القائم الآن. وما هي الضمانات التي يمكن معها تحقيق هذا الهدف طالما تتعذر إعادة تشكيل المجلس الاقتصادي الاجتماعي وهو هيئة استشارية لا سلطة لها الا السلطة المعنوية ويحصل حولها تجاذب سياسي منذ ثلاث سنوات ويعطل دورها في ظروف ملحة لاجراء حوار اجتماعي وطني بين المكونات المتعددة لقوى العمل في البلاد. وتلامس الورقة الاصلاحية، او الخطة الاقتصادية، مسألة القضاء، طبعا من زاوية محدودة جدا من حيث مساهمته في تشجيع الاستثمار وليس من زاوية تحقيق العدالة بمفهومها الشامل. لا بأس. يمكن للقضاء ان يكون أداة فعالة في حماية الاستثمار لكن ليس بالضرورة أداة اساسية في المحاسبة عن الفساد والهدر في المال العام وعن التجاوزات على القانون والتصادم بين المؤسسات الدستورية على قاعدة طائفية. ويمكن ايضا ألا يكون حاميا للحريات العامة. فهل يكفي مثلا تحقيق سرعة الفصل في الملفات وتنفيذ العقود وحماية موجبات المتعاقدين لتكون البلاد قد دخلت فعلا في عصر دولة القانون. وهل الحكومة على استعداد للبحث أصلا في العبء المالي الذي تفرضه المحاكم على التقاضي الذي بات قيدا قاسيا على نظام العدالة. أم ان نظام العدالة سيظل في لبنان محصورا في الخاصة دون العامة من الناس. وكيف يمكن مقاربة ملف القضاء والحكومة نفسها تسهم في تعطيل المؤسسات القضائية الرئيسية في البلاد من المجلس الدستوري الى مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي المجلس العدلي. والسبب وراء ذلك واضح جدا، وهو استتباع القضاء وتشكيل هيئات تدين بالولاء السياسي للفريق الحاكم. والهدف الآن إزالة هيمنة سياسية لتجديد هيمنة سياسية من نوع آخر. وعلى فرض أنه حصل توافق سياسي أعاد تشغيل مؤسسات القضاء، فأي قوانين يطبق، فهل سيظل قانون اصول المحاكمة للرؤساء والوزراء كما هو الآن الذي يحول أصلا دون الملاحقة، وهل سيظل قانون الإثراء غير المشروع كما هو الآن متعذر التفعيل والتطبيق. وكيف يمكن ان يحقق القضاء أمن الاستثمار ويشجعه في ظل تسلط الطبقة السياسية دون رادع من نظام العدالة في البلاد. وهل مشكلة العدالة في البلاد هي مع بسطاء الناس أم مع كبار القوم المتربعين فوق دست القانون. لقد أظهر القضاء اللبناني خلال السنوات الماضية عجزا فاضحا عن التعاطي مع مختلف الملفات وفي جميع القضايا الكبيرة. في القضايا ذات الطابع السياسي والمتعلقة بالحريات العامة، او هكذا على الأقل يقول الفريق السياسي الحاكم عن ملفات الدكتور سمير جعجع وملفات الجنرال ميشال عون وعن ملف تلفزيون <<الأم تي في>>. وفي ملف الخلوي لم ينقذ مجلس شورى الدولة الدولة اللبنانية من ورطة فسخ العقود وأصدر قرارات ذات طابع فضائحي في ملف الكسارات. ولم يستطع ان يتصدى لملف التجنيس ولم يصدر فيه حكما قضائيا واضحا. ولم يبت القضاء ملفا واحدا مهما من ملفات الفساد في البلاد ووقف عاجزا على التعاطي مع ملف الاملاك البحرية والاعتداء المتمادي عليها منذ عشرات السنوات. وعلى العكس من ذلك تم استخدامه لسياسات كيدية في بعض الملاحقات والتوقيفات التي طاولت بعض كوادر الفريق الحاكم اليوم. ولم تحترم الحكومات يوما قرارات ديوان المحاسبة وتوصياته ولم تفتح ملفات الذين أوصى بفتح ملفاتهم سواء أكانوا افرادا او إدارات. إذاً، كيف ستكون مكافحة الفساد ومن سيتولى مهمة هذه المكافحة ما لم تبلور الحكومة رؤية شاملة لنظام العدالة تطاول مرفق القضاء في جميع فروعه وتطاول القوانين والتشريعات عامة التي يجب ان تضمن الحقوق. وكيف يمكن للحكومة ان تضع خطة اقتصادية ليس هناك من اداة فعالة لتنفيذها. ولماذا يظل الاصلاح الاقتصادي شأنا يتعلق بوزارة المال وليس بالحكومة ككل. أي، لماذا لا تتحول الحكومة الى ورشة عمل وطنية في سبيل الاصلاح فيكون لوزارة العدل دورها في رسم تلك الخطة وفي تحديد الاحتياجات الوطنية لضمان تنفيذ اي خطة اقتصادية. وهل يكفي ان تحدد وزارة المالية ضمن خطتها عنوان الاصلاح في القضاء كي تستقيم الأمور من دون تحديد وجهة هذا الاصلاح وطبيعته ووسائله. ام ان الامور ما زالت عند حدود تقديم مشروع يرضى عنه الفريق الدولي لتأمين انعقاد مؤتمرات الدعم ثم تذهب التوصيات في ادراج الادارة واللجان وتتزايد كتلة الدين العام وتغرق البلاد اكثر في الازمات الاقتصادية والاجتماعية والأخطر في الفوضى. طبعا، من واجب وزير المال ومن واجب الحكومة إعداد الخطط المالية والاقتصادية ومن المفيد جدا إيجاد توافقات سياسية حول القضايا الاقتصادية ويمكن ان تحصل تسويات تؤدي الى تقديم تنازلات من القوى السياسية عن بعض مواقع النفوذ او الامتيازات. فالمسار العام الاقتصادي في البلاد يتجه نحو ذلك منذ زمن طويل. لقد تخلت الدولة عن الكثير من دورها في الرعاية الاجتماعية بالمعنى الفعلي للكلمة. واذا كانت فاتورة الخدمات الاجتماعية ما زالت كبيرة جدا سواء في قطاع التعليم الرسمي او في الصحة او سوى ذلك من الشؤون، فإن الدولة تستوفي ذلك من أعباء ضريبة اخرى غير عادية. من فاتورة المحروقات والكهرباء، ومن فاتورة الهاتف، ومن مجمل الضرائب. فالذي يحصل فعلا ان الخدمات تقدم الى الفئات التي تتمتع بالحماية من مواقع النفوذ السياسي سواء في خدمات التعليم او الصحة او الشؤون الاجتماعية، فائض المعلمين في القطاع الرسمي وفائض الموظفين في الاعلام وغيرهما من الوزارات والمحظيين من خدمات وزارة الصحة وطبعا الذين لا يدفعون فاتورة الكهرباء واولئك الذين يتلقون الدعم عن القمح والتبغ والشمندر والمستفيدين، مؤخرا، من شراء الدولة لبعض من موسم الزيت. لكن القضية ليست هنا، سواء نجحت الحكومة أم لم تنجح في إقرار خطتها الاقتصادية التي تنطوي على الحد من النفقات ولا سيما الاجتماعية او في تخفيف الأعباء عن طريق تقليص حجم الادارة والقطاع العام لصالح دينامية الاقتصاد الليبرالي الحر، او انها نجحت في تمرير ضرائب جديدة رغم مفاعيل ذلك على تقليص فرص النمو نتيجة الكلفة المتزايدة على قطاعات الانتاج وخفض القوة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين، فإن المشكل الحقيقي يكمن في المناخ السياسي العام في البلاد الذي تتصرف الحكومة حتى الآن كأنها قادرة على الحؤول دون تأثيراته على خططها الاقتصادية. فمن باب أول هناك ضرورة لتوافق القوى السياسية على مشروع الدولة حيث الاقتصاد يشكل عنصرا مهما فيه، دولة راعية أم دولة ليبرالية بالمطلق، وما هو مصير التنمية الشاملة المتوازنة وكيف يمكن ملاءمتها على الواقع. والى اي مدى تساهم الدولة في اعداد البنية التحتية للتنمية وايجاد مرافق اقتصادية حيوية في بعض المناطق تعويضا عن الاقتصاد الطفيلي الحالي او تعويضا عن سياسات الدعم. والى اي مدى يجري افراغ الأرياف من ساكنيها والى متى ستظل الهجرة الداخلية سببا من أسباب المشاكل الاجتماعية. وكيف ستعالج الحكومة مسألة اللامركزية الادارية. وهل يشكل مطلب تفريع الجامعة عنصرا في موضوع التنمية المتوازنة وقد بدأ طرح هذا المطلب بقوة مؤخرا. وكيف يمكن معالجة مسألة النمو بدون سياسات تشجيعية للصناعة اللبنانية ولبعض فروع الزراعة أقله في فاتورة الكهرباء والخدمات الادارية، ومن خلال تشجيع الصناعات الزراعية وتسويقها، او حتى من خلال خلق اجواء في البلاد تشجع فعلا على اقتصاد المعرفة. فإذا كانت اجواء البلاد لا تساعد اليوم على انتعاش اقتصاد السياحة والخدمات، فهل يمكن الخوض في آفاق اقتصادية جديدة. من هنا تبدو خطط الحكومة الاقتصادية بدون أية حماية سياسية، فإذا لم ينجح الحوار الوطني في إرساء قواعد الدولة العصرية الآمنة المستقرة فكيف يمكن تنفيذ خطط اقتصادية. واذا لم يتم تجديد الوفاق الوطني وتعزيز العيش المشترك والثقة بالدولة عن طريق تجديد الطبقة السياسية وتوسيع نطاق المشاركة فكيف يمكن ان تنفذ الخطط الاقتصادية الطموحة لمعالجة مشكلات تاريخية أساسها فوضى الطوائف وغياب دولة المواطنة. والسؤال يبقى: هل يمكن اصلاح الاقتصاد في دولة قيد الدرس؟ السفير (12 04 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||