موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mercredi avril 12, 2006 الساعة 08:09:22

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

"أحاديث مع أدونيس، والدي" لنينار إسبر

كرسي اعتراف وعرّافة

 

أحاديث بين زهرة بريّة وسنديانة، بين الشاعر ونحلة عطشى الى رحيقه، تحوم حوله، تطنّ في وجدانه، تغرز إبرتها في ذاكرته، تحرّضه على البوح، تغتصب أسراره ولا يغضب.

أدونيس في كرسي اعتراف، والعرّافة ابنته نينار، في كتاب يجمع بينهما كموعد لتعارف أعمق، هو أبعد من الحاضر، وبين الماضي والآتي. فتاة منذ الصغر عند باب شبه مقفل، تتوق أن تقتحم ما في داخله. ولا تتردد. جريئة في غوصها على عالم واسع من شعر من علي إسبر، "أدونيس" الشعر العربي.

سألت وانتظرت جواباً عن كل سؤال، واضحاً، مباشراً، لا التواءات فيه ولا مواربات. وإن عبر سؤال بلا جواب، تكون له في المرصاد فتعيده اليه بإلحاح وعناد.

"أحاديث مع أدونيس، والدي" الصادر عن دار "سوي" الفرنسية ليست حواراً بين شاعر وصحافية. فنينار تخطّت بأسلوبها الجدار الرقيق الذي يفصل الخلاّق عن محدثه، وخرقت الهالة الحارسة حميمياته، لما لها من دالّة عليه، وإلفة.

عرفنا أدونيس شاعراً يكيل بقصائده الزمن على مساحات المدن، وطائراً يحلّق بذاكرته في اتجاه الريح، منشداً مع "مهيار الدمشقي". أما "الهوية غير المكتملة" ففي الحوار الادبي الشاعري مع شانتال شوّاف، الى إن جاءت هذه النحلة تمتص من نسغ غابة بكاملها، شرهة، تُتعب ولا تَتعب، في نفسها فضول لمعرفة هذا الأب بحذافيره: طفولته، قريته، الذاكرة، الحب، الجسد، البطل... وعناوين معظمها بالانكليزية، مستعارة من أغان تحبها لغلوريا غنيور وسيرج وشارلوت غينسبورغ وديفيد بويي وماريلين مونرو وغيرهم...

في مقدمة الكتاب تقول نينار إنها أرادت هذه المقابلات مع والدها لأنها كانت في حاجة للتعرّف اليه أو بالاحرى لتمضية وقت معه: "أردت أن يروي لي اشياء تكون أجوبة عن اسئلتي، كإبنته لا كصحافية لا كأديبة لا ككاتبة".

لم تسع الى اسئلة فلسفية تبهره بها بل جاءت اليه حرّة من الاقوال المعقدة، لمسايرة ساذجة أحياناً، ذكية أحياناً أخرى، متطفلة في أكثر الاحيان دون رقابة. فنينار تخرج في اسئلتها على إطاره الشعري البحت ورؤاه فيه. الرابط بين سؤال وجواب هو أدونيس الرجل، الأب والشاعر.

فهل سعت هذه "العفريتة" الى حيلة المناقشة والجدال للوصول الى علاقة أب وابنته، هي التي لم تعرف منه سوى القليل؟ تعترف نينار بأنها لم تتأسف على غياب الأب اثناء طفولتها ومراهقتها، "هذا الغياب سمح لي بتطوير شخصيتي بلا حواجز رغم ضرورة الحواجز". لها في هذا الصدد تشبيه جميل عن هذا الغياب: "حين نكبر وفي خيالنا صورة عظيمة عن الأب الغائب، فكأننا لا نتقن فن السباحة، نرى البحر أمامنا، شاسعاً والارض الصلبة تتوارى تحت قدمينا فلا يعود من احتمال سوى الغطس في الماء. وعلى هذه الدرب، بعد غرق وصعود، نعود الى إيقاعنا، ونلتقي الأب كمكافأة، كخبر سعيد".

هي تسأل: كيف السبيل لأن نتدارك الشيخوخة؟ يجيب: "الشباب مرتبط بالشيخوخة، لكن هذا النوع من الاسئلة لا ينطبق على جميع البشر، لكل امرىء حياة خاصة ومميزة، ودرب يسير أو لا يسير فيها. المهم أن تسأليني اذا كان لحياتي من معنى. لقد اعطيت حياتي معنى في الكتابة لأن الكتابة سمحت لي بأن افهم نفسي وأفهم العالم الذي أعيش فيه. بها وسّعت حدودي. لذا أنا مقتنع بأن الشباب والشيخوخة مرتبطان أحدهما بالآخر".

تسأله هل المؤلفات التي يتركها الكاتب بعد موته، تحيا بعده كأنه لم يمت. يجيب: "اذا تسنى لامرأة أن تعيش مع عبقري كبيكاسو، فهذا لا يعني أنها فهمت فنه حين كان على قيد الحياة. ثمة حاجز يقف بينهما سببه الغيرة والمنافسة والكراهية. أما بعد الموت فيصبح فهمه محتملاً اذ تسقط الحواجز ويبقى الفن. في مستطاع الموت احياناً أن يضيء على شخص وعمله.

خبّرني عن حياتك في قريتك، عن سنوات الفقر واشياء مقلقة اثرت فيك؟ يجيب: "يصعب عليّ أن أتذكر ذلك كله. لكن ما أحب أن أتكلم عنه هو هدوء الطبيعة والليل. هذه الوحدة في القرية تربطنا بالارض وبالكون أكثر مما تستطيع المدينة أن تفعله. أول مرة زرت المدينة تهيأ لي أنه لم يعد في استطاعتي العودة الى الريف كأني إذا عدت فكمن يزور مقبرة. مع الوقت انقلب الشعور. أخرج من القبر لأهرول نحو الطبيعة".

والمنفى؟ ألا تظن أن المنفى فرصة مؤاتية، بالعذابات التي يحملها، وبالشعور بالعزلة والافتقار الى روابط الطفولة، وبهذا التمزق الذي يجعلنا نعثر على مدى ولغة وثقافة ووجوه جديدة؟: "الفنانون، المفكرون، الشعراء هم في كل حال في المنفى. منفاهم في قلب مجتمعهم وحتى في لغتهم. الخلاّقون لا يشعرون بالمنفى هو فيهم".

في أي مكان يقع منفاك؟" "كان لديّ شعور طوال سنوات حياتي بأن الدرب التي أمشي عليها، هي درب منفى، مذ كنت في سوريا كان لديّ هذا الشعور. كنت دوماً على هامش المجتمع، والفكر السائد آنذاك. وحتى في لبنان كنت في تنقل دائم من منطقة الى أخرى ومن منزل الى آخر. حياتي كلها مسار طويل نحو المنفى. هذا المنفى أصاب لغتي العربية. أنا منفيّ داخل جزيرة اسمها اللغة العربية.

كيف تحدد الأبوّة؟: "في جميع المجتمعات ولاسيما العربية منها، يمثل الأب السيد المطلق المطاع، الذي يربّي اولاده على صورته وقيمه واخلاقه. ثمة دراسات عديدة انتقدت هذه المجتمعات لأنها تدمر الاولاد ولا تمنحهم ذاتيتهم. ما كتبه هشام شرابي تحليل لهذه الظاهرة. أنا شخصياً، كما فعل والدي من قبلي، لم ألعب هذا الدور. أردت أن تكبرا (أرواد ونينار، ابنتا الشاعر) بدون تدخلي، الشيء الذي اثر عليكما بشكل سلبي. اعتقدت أن والدتكما كافية لملء هذا الفراغ. كنت على خطأ، ليتني اعيد عقارب الوقت الى الوراء، لأبتكر تصرفاً آخر مع ارواد ومعك. لقد كنت طوال هذا الوقت في اسفاري منشغلاً في العمل وكسب الحياة.

تذكّره نينار بأنه كان دوماً غائباً، يدرّس في الولايات المتحدة أو في فرنسا. محاضرات واسفار. تخاطبه: "كنت غائباً حتى عندما تكون بيننا، غارقاً في عالمك، احلامك. اجبرتني على التفتيش عنك في الناس لا في قراءتك. وكنت اخشى دوماً أن اجدك خوفاً من أن اعثر فيك على الشاعر. كنت أولاً أريد الأب. اضطررت أن اهتم بالمتصوفة، بشعر ابن عربي او الحلاج. كان لا بد لي أن أجد شرحاً للامرئيتك، أن اجدك في الملموس".

في الفصل الاخير من الكتاب شيء من العتاب الحنون. ثم تنتقل نينار الى عالمها الفني لتلوم والدها لأنه لا يهتم بهذا العالم، حتى لو قال لها إن أفلامها تشبه القصائد. ثم تقول له: "أنت شاعر عصرن الشعر العربي لكنك محاط بنحاتين ورسامين كلاسيكيين. لقد تعرفت مذ وصلت الى باريس الى الرقص المسرحي كيينا باوش وتعرفت ايضاً الى مسرح بوب ولسون، وحضرت مع شقيقتي أرواد في نيويورك عرضاً لكلود واميلر ادهشني. هذا ما كنت ابحث عنه. أما حين كنا في بيروت فإن أرواد كانت تستعير افلام الفيديو لفيلليني وبازوليني وهتشكوك وهذه صور نقشت فيّ وساعدتني في تشييد عالمي.

أدونيس: تروين هنا سيرة تبرز مذاقاتك الفنية وعلاقتك بالفن.

نينار: لأني ابحث في الفن عما يدهشني، ويجعلني احلم.

في الختام تعود نينار الى حرب بيروت، الى القنابل والقذائف التي كانت ترسم على الجدران وجوهاً مقرّحة: "هذا العدم اثّر فيّ ومنحني توقاً لرسم أشكال غير منتظرة في فضاءات عادية".

مي منسى

may.menassa@annahar.com.lb

النهار (12 04 2006)

العودة إلى صفحة "المكتبة"

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى