|
|
|
آخر تحديث lundi avril 17, 2006 الساعة 03:09:16 |
|
أين العرب من المخاض العالمي؟ كلوفيس مقصود في الحالة الدولية الراهنة على محاولة خروج من الجمود الذي سببه الخوف من الاستقطاب على اثر حوادث 11 ايلول في واشنطن ونيويورك، وكان قد سبقها انهيار الاتحاد السوفياتي وتبوؤ الولايات المتحدة موقع القطب الوحيد. وبعد مقولة الرئيس الاميركي بوش الشهيرة "اما معنا واما الارهاب" وتجاوب المجتمع الدولي، برز الاحتضان الذي كاد ان يكون شاملا مع الولايات المتحدة والالتفاف حول قراراتها رغم الشوائب التي رافقت التصرفات المعيبة التي لازمت الاعتداءات على عدد من العرب والمسلمين الاميركيين وعلى تقصد تشويه الحضارة الاسلامية وصورة الاسلام والعرب. ولكن رغم ذلك ظل التعاطف الجماهيري مع المحنة – المأساة التي ألمّت بالشعب الاميركي هو السائد الى درجة ان الجريدة الفرنسية الناقدة للسياسات الاميركية "لوموند" كتبت في افتتاحيتها بعد 11 ايلول "كلنا اليوم اميركيون". كانت هذه المقولة بمثابة تعبير عن موقف وجداني واخلاقي شارك فيه العرب والمسلمون. *** ... عبّر هذا الموقف الوجداني العام عمليا عن الموافقة على الاجراءات التي اتخذها كل من مجلس الامن والجمعية العمومية للامم المتحدة، مما جعل الحرب على حكومة "طالبان" شرعية. واعتبرت العمليات العسكرية آنذاك قانونية لان من حق الولايات المتحدة الدفاع عن النفس. اذا كيف تم التفريط بهذا الرصيد الكبير من التعاطف والتأييد لسياسة ادارة بوش في تعامله الفوري مع حوادث 11 ايلول؟ *** في الاجابة عن هذا التساؤل نتبين عناصر المخاض الحالي الذي من شأنه ان يفسر الانتقال شبه الشامل من التعاطف والتأييد الى الاستياء والمعارضة للسياسات والتصرفات الاميركية الراهنة. وما يعنينا في هذا الصدد هو ان ينفذ العرب الى طبيعة المخاض العالمي المصمم على معرفة دوافع الحرب على العراق وكيف ان الولايات المتحدة تجاهلت المؤسسات الدولية التي شرعنت حقها في الحرب على "طالبان"، ومن ثم تجاوزتها في آذار 2003 عندما غزت العراق بدوافع كاذبة، وهي وجود اسلحة دمار شامل وضلوع صدام حسين مع تنظيم "القاعدة"، وبالتالي استباق نتائج لجان التفتيش التابعة للامم المتحدة. وكان هناك تنام مطرد للمعارضة الاميركية لكون هذه الحرب حرفت انظار العالم عن قانونية حربها على "القاعدة" و"طالبان"، وكشفت وسائل وأنماطاً لاتخاذ قرارات مصيرية في ادارة بوش تهدد بخروق للدستور. وبرز تشويه الحقائق والممارسات في سجون غوانتامو وابو غريب، مما يتنافى مع القانون الدولي. كما ان "العهر" الذي مارسه فريق المحافظين الجدد ادى الى تآكل سريع في سمعة الولايات المتحدة. كل هذه العوامل وغيرها تزيد الاميركيين اقتناعاً بعبثية الحرب وعدم ضرورتها، وهو يصعد المسألة وينطوي على احتمال معاقبة للكثير من الطاقم السياسي الحاكم. * * * اذا المخاض العالمي الحالي ساعد ولا يزال على التحرر من الخوف الذي ادى الى قلق من جراء الانكفاء الطوعي عن المساءلة اعتقادا ان الادلة الدامغة هي ما "تؤكده" ضرورات الحرب على الارهاب، وعلى العراق. اجل، لم يعد الخوف سائدا ولم يعد التخويف الذي يلازم الاملاءات الاميركية مقنعاً او عملياً، ولم تعد "صرعات" العلاقات العامة مؤثرة، وما شاهدناه في الايام الاخيرة من انتقادات جنرالات اميركيين لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد سوى آخر تجليات عملية مساءلة حادة. ثم ان المخاض الجاري في الساحة الاميركية يفيد من المخاض الآخر مثلا في هزيمة برلسكوني في ايطاليا وفوز تيارات اليسار الديموقراطي في البرازيل وتشيلي وفنزويلا واحتمال نجاحه في البيرو والمسكيك، اضافة الى ما حصل قبلا في اسبانيا والى الانتكاسات السياسية لطوني بلير الحليف المزمن لبوش. لكن هذا المخاض – وان يكن يعبر عن ظاهرة ابتعادية عن الاملاءات في دول قريبة من واشنطن تقليديا، الا انه يشكل اسهاما مرغوبا في برهنة صوابية المخاض التصحيحي الحاصل في الولايات المتحدة نفسها. * * * لقد تعمدتُ الاطالة في تقديم ملامح المخاض العالمي وتجلياته الحالية، الى وصول الهواجس التي لا تزال تلازم النظام العربي الحالي. فالهواجس تردع المخاض ومن ثم تعمق الفجوة في النظام العربي. فالمخاض عادة يشترك فيه الكل، لكن اذا تقاعس الحكم يتحول الغضب المشروع تمردا، بوصلته غير واضحة، وصيرورته عادة ما تكون غير ناضجة او ناجحة. هذا الوضع المنكفىء عن المخاض والممعن في التأرجح بين الارتهان والمراهنة على الادارة الحالية للرئيس بوش، هو ما يفسر ردود فعل غير مدروسة لاملاءات اميركية، من مثل ان رئيس الوزراء العراقي الدكتور ابرهيم الجعفري يجب ان يستبدل، وقد يكون عزله مفيدا، الا ان اسلوب انطلاقه كمطلب او كإملاء اميركي يدفع الى التمسك به لا اقتناعا بصوابية بقائه. ان الفوضى المدمرة الطاغية على حياة العراقيين وشراسة ممارسات الاحتلال استدرجت فلولاً "للقاعدة" تعمل على تشويه اهداف المقاومة، وقد بدأت جهات اميركية تفرق بين المقاومة والفئة الدخيلة عليها. اضافة الى ذلك تزداد عملية التفكك الطائفي والعرقي حدة. * * * واذا كان العراق ساحة لظهور مباشر للامبريالية، فان فلسطين هي الساحة العربية لتظهير الشريك الاصغر (والاخطر) كحليف للامبريالية الاميركية في المنطقة العربية، لعل وصف اسرائيل بالحليف لم يعد دقيقا، اذ صار بينهما شراكة عملية بفضل اختراق اللوبي الاسرائيلي بعض مفاصل صناعة القرارات في ادارة بوش الحالية. والا فكيف نفسر الاجراءات العقابية التي اتخذتها الادارة الاميركية، بعد انتخاب "حماس" ونيلها اكثرية في المجلس التشريعي؟ هذه الاجراءات المضحكة المبكية التي تمنع اي علاقة مع مسؤولين في السلطة الفلسطينية، كيف تفسّر؟ ما الذي يبرر استمرار مكتب منظمة التحرير في واشنطن؟ هل هو "صلة وصل مع الرئيس محمود عباس"؟ الا تعني مثل هذه الاجراءات واضحا لتبشير الرئيس بوش بالتزامه الديموقراطية؟ واستطرادا، لم يسمع احد اخيرا بكارن هيوز التي عهد اليها في بيع الديموقراطية وتسويق حرية الانتخابات للعرب والمسلمين! كيف نفسر اجهاض بيان رئاسي في مجلس الامن، مما دفع مندوب قطر الى عقد جلسة علنية لاصدار قرار يحمي شرعية سلطة "حماس" من استمرار الاجراءات التعسفية، ناهيك بالانتهاكات؟ واذا كان من قرار قد يصدر الاسبوع المقبل ونقضته الولايات المتحدة، فماذا سيكون موقف الانظمة العربية؟ هل تخترق جدار الصمت؟ هل يمكن ان يقرر "المطبِّعون" فيها تعليق العلاقات مع اسرائيل؟ ام ان الواقعية تعوق مرة اخرى مساءلة العرب في مخاض مطلوب؟ هل تبقى خروق اسرائيل واستباحة الحقوق الفلسطينية بلا حساب ثم يدعو النظام العربي الى ان يبقى العرب خارج المخاض وسجناء اللاحسم؟ النهار (16 04 2006) |
|
|||||||||||||||||||||||
|
الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة" |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||