موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث mardi avril 25, 2006 الساعة 11:55:50

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

 

قصة صعود وانهيار «العائلة» التي ورثت الاتحاد السوفياتي (1 من2)

بيريزوفسكي أطاح خليفة يلتسن عبر شريط خلاعي

وحروب أصحاب البلايين الروس على تخوم الامبراطورية المنهارة

موسكو - رائد جبر

«انهيار الاتحاد السوفياتي كان اكبر كارثة شهدها العالم خلال القرن العشرين». هكذا وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تفكك الدولة العظمى في السابق متجاهلاً انتقادات عاصفة انطلقت في الغرب ضد عبارته. وعلى رغم ان الاصلاحات التي بدأها الرئيس الذي ظهر فجأة على المسرح السياسي الروسي في العام 1999، قوبلت باستياء واسع في الغرب ووصفها بعضهم بأنها تراجع عن مسار الديموقراطية، فإن اللافت ان معدلات تأييد بوتين داخلياً حافظت على مستويات قياسية طوال السنوات السابقة. وبالنسبة الى كثير من الروس فان سياسة اعادة هيكلة السلطات وتركيز الصلاحيات بيد الكرملين وملاحقة «حيتان المال» ومحاكمة بعضهم، وغيرها من السياسات التي أثارت حفيظة الغرب، شكلت تلبية لمطلب حيوي يجمع عليه كثيرون في روسيا رأوا في السياسات الحالية لبوتين على الصعيدين الداخلي والخارجي توجهاً لرد الاعتبار لروسيا والمحافظة على ثرواتها ومحاسبة المسؤولين عن نهب مقدراتها خلال مرحلة الانهيار.

والأكيد ان بداية التسعينات من القرن العشرين كانت عاصفة في روسيا، والاحداث المتسارعة بوتيرة غير معهودة تزامنت مع تداخل في التفاصيل القى بظلال معتمة على كثير من الاحداث والشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في هذا الجزء من تاريخ روسيا المعاصر، فالانهيار الدراماتيكي للاتحاد السوفياتي والتداعيات المأسوية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تركت آثاراً عميقة ما برحت روسيا تعاني منها، وصنعت في الوقت نفسه هياكل سلطوية جديدة او بالأصح اشباه هياكل سلطوية كان ابرزها ما عرف وقتاً طويلاً باسم «العائلة» وهي بعبارة اخرى مجموعة من المسؤولين وأصحاب النفوذ والاثرياء الذين حكموا روسيا وتحكموا بثرواتها نحو عشر سنوات كانت حافلة بالاحداث... والمصائب.

«الحياة» تفتح صفحات مرحلة ظلت في كثير من جوانبها غامضة بالنسبة الى كثيرين، والأكيد ان سنوات طويلة اخرى ستمر قبل ان تتضح كل معالم الدور الذي لعبه افراد قلة في تحديد مصير البلاد.

في كانون الثاني (يناير) 1999 نشرت احدى الصحف الروسية مقالاً مثيراً حول نشاط شركة «اتول» التي تجسست على مدار سنوات بحسب المقال الذي أثار ضجة كبرى في حينه، على افراد عائلة الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن. وشملت اعمال المراقبة والتنصت تحركات الرئيس نفسه، واللافت ان المقال الذي جاء على شكل رسالة مفتوحة الى النيابة العامة الروسية، طالب بفتح تحقيق عاجل واجراء تفتيش لارشيف الشركة المذكورة.

بعد ذلك بنحو شهر واحد اجرت النيابة العامة الروسية تفتيشاً دقيقاً في مقر شركة «سيب نفط» الروسية وهي واحدة من كبريات شركات النفط التي انتقلت من القطاع العام الى ايدي مجموعة محددة من المستثمرين.

في يوم التفتيش نفسه، وجه يلتسن رسالة الى مجلس الفيديرالية (الشيوخ) اقترح فيها اقالة النائب العام الروسي يوري سكوراتوف من منصبه.

هذه الاحداث الثلاثة تبدو متفرقة ولا يجمع بينها ظاهرياً الا مرور اسم النائب العام في كل منها، لكن كثيراً من التفاصيل التي عرفت لاحقاً أظهرت ان الواقع لم يكن بهذا القدر من البساطة!

فشركة «اتول» هي مؤسسة خاصة ظهرت في منتصف التسعينات وتخصصت في مجال اعمال الحراسة، ولم يكن نشاطها ليثير اهتمام احد لو لم تكتشف الصحيفة التي نشرت المقال ان صاحبها هو البليونير بوريس بيريزوفسكي، احد اركان «العائلة» والشخصية الاكثر نفوذاً في روسيا كلها. ولم يكن سراً، حتى في ذلك الوقت، ان علاقة وثيقة تربط بيريزوفسكي بالرئيس يلتسن، وان الاول كان يستخدم نفوذه لحل كثير من المشاكل التي تعترض كبار رجال المال من المقربين اليه حتى ان احدهم وصف الوضع قائلاً ان «حيتان المال» كانوا يقفون على ابواب بيريزوفسكي للحصول على مساعدة في تسوية كثير من المسائل المالية او، مثلاً، لوضع اليد على غنيمة ما من مصانع الدولة السوفياتية او المؤسسات التي وجدت طرقها مثل غيرها الى مقاصل التخصيص العشوائي.

اما «سيب نفط» فهي تعود بملكيتها لبوريس بيريزوفسكي نفسه مع شريكه رومان ابراموفيتش، وقصة ملكية هذه الشركة بسيطة وهي مماثلة لمئات القصص الاخرى: في عام 1997 اعلنت الدولة اجراء مسابقة لبيع 51 من اسهم الشركة النفطية، وبعد فتح المظاريف «فازت «شركة «الاتحاد الاقتصادي النفطي» التي يملكها بيريزوفسكي وشريكه في المسابقة، ودفعا مبلغ 110 ملايين دولار ثمناً للاسهم المذكورة (تشير تقديرات الخبراء الى ان الثمن الفعلي للاسهم يصل الى بلايين عدة).

المهم في الموضوع ان اصحاب «سيب نفط» علموا بتحضيرات تقوم بها النيابة العامة في مطلع شباط (فبراير) 1999 لاجراء تفتيش موسع والتدقيق في نشاطات الشركة، ولم يكن الوقت كافيا لالغاء قرار التفتيش، على رغم السلطات الواسعة بيد «عراب العائلة».

وتشكلت على الفور صــــورة مثيــــرة، اذ ان المقال حول نشاط «اتول» التجسسي، وعملية تفتيش «سيب نفط» شكلا ضربة موجعة لبوريس بيريزوفسكي، وغدا من الواضح ان ثمة من يقوم بتحريك حملة منظمة ضد الرجل. والاكيد ان بيريزوفسكي الذي كان على دراية واسعة بـ «المطبخ السياسي» في روسيا انذاك، ادرك ان المسألة لا تتعلق بالصراعات السياسية الدامية والمتواصلة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي بين المجموعات ومراكز النفوذ المتنافسة، وسرعان ما اكتشف ان شخصاً واحداً يقف وراء هذه التحركات، لهدف لم يكن معروفاً بعد، هذا الشخص هو يوري سكوراتوف، المدعي العام الروسي.

وليس خافياً، ان يلتسن الذي كان المرض اشتد عليه، وهبطت مستويات شعبيته الى ادنى درجاتها منذ سنوات، بدأ اواسط عام 1998 البحث عن خلف له يكون قادراً على تقديم ضمانات بعدم تعرض يلتسن وافراد عائلته وحاشيته الى ملاحقات قضائية بعد خروج الاخير من الكرملين. وعندما وقع الرئيس قرار تعيين سكوراتوف نائباً عاماً، سادت قناعة انذاك عند جزء كبير من النخبة الحاكمة، بأن نجاح سكوراتوف في ادارة منصبه الجديد سيؤهله لتسلم قيادة البلاد، لكن النائب العام نفسه اتخذ طريقاً آخر، اذ اعتبر ان قيامه بملاحقة «ملف خطير وساخن» سيضمن له طريقاً معبّداً الى رأس الهرم السلطوي في روسيا، وعندما امسك المدعي العام باطراف ملف «النشاط التجسسي» ضد الرئيس وافراد عائلته، كانت فكرته قد نضجت تماماً، خصوصاً ان رائحة الفساد المالي لأفراد «العائلة» كانت بدأت تزكم الانوف، واعتبر سكوراتوف ان مسألة التجسس والاختلاسات الجارية في «سيب نفط» كافية لتكون «الملف الساخن» الأساسي الذي يستحق اهتمام الرئيس ويفتح الطريق امامه الى الكرملين.

المشكلة كما يشير اليه بعضهم البعض في موسكو، ان سكوراتوف لم يقدّر جيداً قدرات «الحوت المالي» او لم يدرك ان يديه طويلتان بما يكفي للنيل من منافسيه وأعدائه، فأصدقاء بيريزوفسكي واعداؤه يجمعون على انه ليس ذلك الشخص الذي يمكن «المرور فوقه» للوصول الى السلطة، كما انه لا يمكن ان يترك هجوماً من هذا النوع من دون رد ساحق، والاحداث التي تسارعت بعد ذلك اظهرت ذلك بوضوح.

لم يكد يمضي بعض الوقت حتى اعلن المدعي العام فجأة ومن دون مقدمات انه مصاب بمرض خطير وان حاله الصحية في تدهور مستمر ما يستوجب تقديم استقالته للرئيس يلتسن، ولا داعي للاشارة الى ان قصة المرض المختلق ذابت بعد ذلك بسرعة ولم يعد احد يذكرها اذ ما زال سكوراتوف يتمتع بصحة جيدة حتى الآن وهو يدير مكتباً للخدمات القانونية في احد احياء موسكو الفاخرة، لكن الأهم، التداعيات التي جرت في ذلك الوقت، اذ بعد فترة قصيرة جداً، هزت فضيحة من نوع جديد النخبة الحاكمة في روسيا، بعدما سرب مجهولون شريط فيديو ظهر فيه سكوراتوف في وضع مشين مع عدد من بائعات الهوى، ووجه سكوراتوف اصابع الاتهام بتلفيق الشريط الى «جهات معينة»، واعتقد بعضهم انه يقصد بها اجهزة امنية تحركت بأوامر من دوائر الكرملين. وبحسب مصادر كانت قريبة من بيـــريزوفسكي في ذلك الوقت فان ما حدث كان كالآتي: تلقى المدعي العام اتصالاً هاتفياً من بيريزوفسكي ابلغه فيه بوجود الشريط في حوزته وحدثه عن «شيء آخر مثير للاهتمام» واقترح عليه ان يقدم استقالته فوراً و «بارادته».

والمؤكد ان المدعي العام حاول ان يرمي آخر سهامه، وجاء ذلك على شكل ضربة طائشة سعى الى تسديدها في ربع الساعة الأخير المتاح له، ففي آخر يوم له في وظيفته اصدر امراً بتفتيش شركة «سيب نفط» مجدداً، على امل ان يصادر النسخة الاصلية للشريط، لكن المفتشين الذين قلبوا مكاتب الشركة رأساً على عقب لم يجدوا شيئاً، واستقال الرجل محملاً بالخيبة والفضيحة، وأقفل ملف القصة الى الأبد.

طبعاً هذه قصة بوليسية من الطراز الأول، وهي في الوقت نفسه من الواقع الروسي في مرحلة جمعت فيها التطورات عناصر الاثارة والرعب واحياناً... الكوميديا.

وكثيرون في روسيا في الوقت الراهن يرفضون التعليق على مجريات الاحداث في تلك المرحلة لأسباب مختلفة، ويذهب بعضهم الى وصف تتابع الاحداث فيها بأنه وليد صدف متشابكة نسجت خيوط احداث غريبة بوقائعها ومدهشة بتسلسلها، لكن ما يجمع عليه كثيرون هو ان من الصعب ان تجد في روسيا شخصاً آخر كان قادراً على التلاعب بمصير الموظفيين القياديين «مثل بيادق على رقعة يعتقد انه مالكها» بحسب وصف احد البرلمانيين.

ولم يكن كثيرون يحبذون الاشارة الى دور بيريزوفسكي في السياسة الروسية قبل ان يصدر البليونير جورج سوروس كتابه «من اضاع روسيا» الذي حوى مقاطع تفصيلية عن الرجل، وكتب سوروس مثلاً:«... بيريزوفسكي وافراد عائلة الرئيس يلتسن بحثوا طويلاً عن وسائل لتأمين حصانة لهم وضمان امتيازات حصلوا عليها خلال فترة حكم يلتسن، (...) الاكيد ان وضع بيريزوفسكي اصبح يائساً بعدما نشرت صحف اميركية تفاصيل فضيحة غسل الاموال (...) لقد ادرك بيريزوفسكي تماماً انه لن يجد ملجأ في الدول الغربية يمكنه من المحافظة على امبراطوريته المالية في روسيا، وان الحل الامثل له ان يعمل على ايجاد خليفة موثوق ليلتسن يكون ضمانة اكيدة له».

كما انه اورد تفاصيل عن مسائل ما برحت تعد بالغة الحساسية بالنسبة الى روسيا اليوم، مثل علاقة بيريزوفسكي بالمقاتلين الشيشان ودوره في تأجيج الحرب في القوقاز وهو يقول في أحد فصول كتابه ان بيريزوفسكي «تفاخر عندما كنا على متن طائرتي متوجهين من منتجع سوتشي الى موسكو بعلاقاته الوثيقة مع المقاتلين وكيف انه اشتراهم».

الحياة (24 04 2006)


قصة صعود وانهيار «العائلة» التي ورثت الاتحاد السوفياتي (2 من 2)

البليونير حامل الجنسية الاسرائيلية يموّل الانفصاليين الشيشان ويهرب الى بريطانيا

 

هذا المقال

 

العنوان:

 

الكاتب:

 

المصدر:

 

تاريخ النشر:

 

 

مقالات أخرى للكاتب

 

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | المكتبة | بأقلامهم اليافعة