|
ابن الفلسفة
عبدالله
قبرصي
أعتقد أنه لتعرف
هشام شرابي على حقيقته عليك أن تقرأ كتابه <<الجمر والرماد>>. كان في لبه ابن
الفلسفة يكتب فلسفيا ويفكر فلسفيا إلا أن هذا لا ينفي أن يكون لما كتبه مسحة
أدبية طريفة وعميقة الفكر، أي لم يكن مسطح أبدا.
في حزبنا، كان هشام شرابي من الأمناء وقد عينه سعادة ناموسا له وكلمة ناموس
تعني سكريتيره الخاص أي كان سعادة يثق به ثقة عمياء، وقد اطلع على جميع ما
كان يقوم به. كان المؤتمن على جميع تفاصيل حياته اليومية وعلى جميع أفكاره
واتجاهاته. وأعتقد أن سعادة عين مع شرابي أستاذا هو اليوم في أميركا يعمل في
مكتبة الكونغرس واسمه جورج عطية.
صحيح أن هشام شرابي ترك الحزب، أي لم يعد ملتزما لا بنظامه ولا بسياسته، ولكن
رأيي أن هذا الرجل ترك الحزب شكلا لأنه في ما كتب وعلم بقي ينطلق من عقيدة
الحزب وفلسفته.
إن عددا قليلا من الأدباء والمفكرين يشبه هشام شرابي في عقليته وطريقة حياته
وتفكيره. صحيح أنه درس في جامعات أميركا إلا ان ما كان يغلب عليه في ما يتحدث
ويكتب كما في سلوكه اليومي أن مستعل ومستكبر، أي لم أحس يوما انه يمزح او
يعيش حياة مألوفة. في سلوكه اليومي دائما هناك طابع الجدية. هذه الجدية
المستمرة وأستطيع أن أقول الدائمة، جعلتني اعتقد أنا على الأقل لأني لست من
عشرائه، أن في تصرفاته شيئا من الاستعلاء.
عسير عليَّ ان احدد كيف ينظر الحزب اليه، والسبب في ذلك الزمن الطويل الذي
فصلني عن قراءاتي لهشام شرابي، إلا ان الذي لا يزال عالقا في ذهني هو الصفحات
الأخيرة من كتابه <<الجمر والرماد>> التي يشير فيها الى لقاء شاهده بنفسه بين
عساف كرم وبين انطون سعادة. اذا استطعت أن تقرأ هذه الصفحات تتأكد من أن هشام
شرابي كان ينظر الى انطون سعادة وكأنه مزمع على تغيير مسار التاريخ في هذه
البلاد.
في أول أذار من العام 1949 القى انطون سعادة خطابا حضره هشام شرابي وتكلمت
فيه انا أيضا، وقد سماه هشام خطاب الوداع، وكان خطابا تأسيسيا، إذ رسم فيه
سعادة خطته لتسلم زمام الأمور في البلاد وأطلق في عباراته، جازما، انه سينتصر
بعقيدته. أذكر ذلك اليوم الذي كان وداعا في الواقع، وتصورت فيه ان الحزب
بقيادة سعادة استطاع أن يحقق عقيدته في وحدة الهلال الخصيب، وأن سعادة على
ظهر حصانه في بغداد كان يخطب وكأنه حقق مبادئه.
العالق في ذهني أن هشام شرابي علامة وبصورة خاصة في الشأن الفلسفي. كم أتمنى
لو أنني أملك مقالتي عن كتاب هشام شرابي <<الجمر والرماد>>، تلك المقالة التي
شرحت فيها أين أجاد وتفوق وأين ارتكب بعض الأخطاء، لم تكن مقالتي تقريظا
للكتاب بقدر ما كانت مقالة نقدية.
لا أعرف كيف أرد على مقولة أن هشام ترك الحزب بعد مقتل سعادة. لم يكن هناك في
الحزب أي شخص يسد الفراغ، لذلك بقي سعادة هو القائد الفعلي للحزب رغم غيابه.
أسلوبه وأفكاره بقيت هي التي تشع وتقود هشام شرابي لأنه عاش قريبا جدا من
سعادة بصفته أمين سره، لذلك كان أقدرنا على فهم سعادة والتحدث عنه وخصوصا
كتابةً. |
في
الملف
|