|
شيء من الألوهة
رشيد
الضعيف
لا أذكر إلاّ أنني أعرف اسمَه، فليس لسماعي باسمه بداية، لكنني لم ألتقِ به
إلاّ منذ خمس أو ستّ سنوات، بعدما قرأ إحدى رواياتي وطلب من أحد الأصدقاء
المشتركين التعرّف إليّ. وصرنا أصدقاء بسرعة مُدهشة. صرنا نلتقي دوريّاً حين
يكون في بيروت. نلتقي وحدنا على انفراد، ونلتقي مع أصدقائه الكثيرين الذين
يحبّهم ويحبّونه.
في هذا الرجل من الألوهة أنّه يمدّك بالقوّة من محبّته لك. وتطمئنّ حين يشير
إليك. واللقاء المقبل به وعد جميل.
وفتح لي قلبَه كثيراً في هذه الخلوات التي كنّا نعقدها حول كأس نبيذ أبيض،
وهو مشروبه المفضّل، في مقاهي بيروت. وأخبرني ما طلب منّي أن أبقيه طيّ
الكتمان. كنت سعيداً بهذه الثقة. لم أدوّن شيئاً ممّا قاله لي لأنّ التدوين
في تلك اللحظات كان سيفسد البوح. وقد نسيتُ ممّا قاله الكثيرَ ولستُ نادماً،
لأنّ المهمّ بالنسبة إليّ كان هو، لا خلود الحقيقة.
كان دائماً يردّد أمامي أنه رجل محظوظ. كان يصرّح بأن الحياة أعطته ولم تبخل
عليه.
لم أكن قد قرأت كتابه <<الجمر والرماد>> حين تعرّفت إليه، فأهداه إليّ، وكانت
قراءتي له متعة خالصة، لم أعرف مثلها إلاّ نادراً، وكنت مدركاً لسبب انشدادي
إلى هذا الكتاب، فهو عن ماضٍ يعنيني كثيراً، وقد كتبه بحياديّة ومحبّة، وهذه
خاصيّته التي امتاز بها والتي جعلت منه لا شكّ ما هو.
قبل وفاته بأسبوعين قال لي وهو ينظر إلى شاشة التلفزيون:
لم أعد أستطيع متابعة ما يجري في فلسطين!
لم يكن يَشْكُ علناً من مرضه. لم يكن يتكلّم عليه! أشار إليه صراحة، أمامي،
مرّة واحدة فقط، حين قلت له في سياق الحديث:
الأيام طويلة!
فأجابني بما لم أكن أتوقّعه:
سنتان أو ثلاث على الأكثر!
وحين استزدته غيّر الموضوع.
بقي حتّى اللحظة الأخيرة على احترامه لنفسه وعلى كرامته. وبقي على ثقته بنفسه
وبالعقل والعلم.
أراد أن يغلب المرض حتّى اللحظة الأخيرة بمعالجته!
هذا الوديع كعشبة ربيعيّة، وقف مرّة عن كرسيّه، ورفع صوته في وجهي قائلاً لي
بغضب:
لماذا تريد أن تقنعَني؟ إشرحْ لي رأيك فقط!
كنتُ آنذاك مسترسِلاً في برهانِ رأيٍ لي أحاول أن أقنعه به، بإصرارٍ وحماس
وعناد. فاجأني بكلّ معاني الكلمة.
نَفقُدُ كلَّ يوم أناساً نعرفهم ونحبّهم فنحزن، ونفقد أحياناً أناساً تزداد
الحياة صعوبة بدونهم. |
في
الملف
|