![]() |
|
هشام شرابي |
|
ملف خاص |
|
|
جسد يتهاوى وقلب يزهرعيسى مخلوفحتّى اللحظة الأخيرة من حياته ظلّ هشام شرابي يركّز على مسألتَين أساسيّتَين: الدين والمرأة, ويعتبر أنّ العالم العربي لا يمكنه أن يخرج من عصور الظلامية ويدخل العصر الحديث من دون التعاطي الصحيح مع هاتين المسألتَين. لكنه كان يدرك, في الوقت ذاته, أنّ مثل هذا التعاطي يقتضي رؤية سياسيّة غير موجودة في الوقت الراهن في عالمنا العربي, بل أنّ الرؤية الوحيدة السائدة منذ أن نالت الدول العربيّة استقلالاتها الوطنيّة حتّى اليوم تعمل, بخلاف ذلك, على تغذية التعصّب الديني في ظلّ نظام استبدادي ذكوري متسلّط, كان يحلو لشرابي أن يسمّيه النظام الأبوي أو البطركي. وراء مشاغله الفكريّة والسياسيّة, كان هشام شرابي مسكوناً بنزعة رومانسيّة حالمة, وكان يتميّز بابتسامته الرحبة وبِطاقته على الكرم بالمعنى الجميل لهذه الكلمة. في لقاءاتي معه, كلّما كان يمرّ في باريس آتياً من الولايات المتّحدة, وكلّما كنتُ أجيء في السنوات الأخيرة إلى بيروت, وكذلك في تلك اللقاءات التي جمعتنا يوماً في غرناطة, كنتُ أكتشف دائماً غلَبة الجوانب الإنسانيّة في شخصه, وهذا أمر نادر لمن يتعاطى الشأن السياسي, بل وحتى الثقافي في زمننا هذا. وكنتُ أكتشف عاماً بعد عام, كيف كان يعيش تناقضاً, يعبّر عنه أحياناً بخفَر, بين الجسد الذي يشيخ ويمرض ويتهاوى, وبين القلب الذي لا يفتأ يُبرعِم ويُزهِر ويُحِبّ. وطالما لفتني ولعه بالصور, وكان شديد التعلّق بها. يضمّنها كتبه, يصفها بدقّة, ويتعاطى معها بافتتان, كأنّها شباكه يلتقط بها لحظات من الوقت الهارب. والصور, لا سيّما صور الماضي, كانت تفضح حنينه العارم إلى أماكن وأشخاص, وإلى محطّات مهمّة في حياته. صور لأفراد عائلته ومدرسته وجامعته ورفاقه وميناء يافا وعشيقاته الأولى, وخصوصاً الصورة الشهيرة التي تجمعه بأنطون سعادة وهما يسيران معاً على الكورنيش في بيروت عام 1949 . كلّ تلك الصور تبدو الآن كأنّها آتية من زمن آخر كان هو شاهداً عليه, وكان يعرف, في قرار نفسه, أنّه زمن ينتمي إلى الحلم لا إلى الواقع.
|
في الملف
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||