![]() |
|
هشام شرابي |
|
ملف خاص |
|
|
المفكر الذي شكّل جزءاً من تكويننا الثقافيفخري صالحشكلت كتابات هشام شرابي جزءاً من تكويني الثقافي, فقد قرأت كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي" في طبعته الثانية التي ظهرت عام 1977, وكنت حينها في سنتي الجامعية الثانية أدرس الطب الذي تركته في ما بعد. كان ذلك الكتاب, الذي يضم ست محاضرات ألقاها شرابي على طلبته في جامعة جورجتاون الأميركية وفصلاً أخيراً حول "التثقيف الاجتماعي والتلفزيون", إضافة إلى الطبعة الثانية, فتح عيني على أسباب التخلف التي تعانيها المجتمعات العربية, والأهم من ذلك أنه عرفني على أسباب الهزيمة والانهيار بعد 1967, وهي نفسها التي غيرت مسار هشام شرابي الفكري والثقافي ووجهته للبحث في البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تقيم في قاع هذه الهزيمة. اللغة المشبوبة المتحمسة, التي تمزج في الوقت نفسه بين العام والخاص, بين التجربة الجماعية والسيرة الذاتية, هي ما جذبني إلى كتابات شرابي وجعلني أتابع ما يكتبه من مقالات في الصحافة العربية, وما يؤلفه من كتب بالعربية والإنكليزية. كان في ظاهره رجلاً بسيطاً متقشفاً في الكلام, على رغم غنى عالمه, وتوجهه إلى قراءة المفاصل الأساسية التي تحكم التجربة العربية المعاصرة, في السياسة والاجتماع والثقافة. من هنا كان كتابه "المثقفون العرب والغرب", الذي أصدره بعد ثلاثة أعوام من الهزيمة قارئاً فيه كيف تواصل المثقفون العرب في ما سماه سنوات التكوين (أي ما بين عامي 1875 و1914) مع الغرب بسبب التحدي الذي فرضه الغرب في نهايات القرن التاسع عشر على العقل العربي على مستويات الوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والنفسي. وقد مثل هذا الكتاب, مثله مثل كتاب "مقدمات لدراسة المجتمع العربي", تفتيحاً لأفق الوعي لديّ على الشروط الاجتماعية والتاريخية التي يتكون فيها الفكر وتنشأ المحرضات الفعلية للتغيير في المجتمعات الراكدة التي تغط في نوم عميق على رغم التحديات الوجودية التي تفرض نفسها عليها. ولعل كتابي شرابي الآتيان: "البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر", و"النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين", وغيرهما من الأبحاث والدراسات التي كتبها بعد ذلك, تكون مواصلة لبحث المركبات نفسها التي تحكم المجتمع العربي وتسيره في الزمان المعاصر. إنها توسيع, أو تطوير للأفكار التي بحثها في دراستيه المؤسستين عن علاقة المثقف العربي بالغرب, والمجتمع العربي, وهما الدراستان اللتان وضعتا أسساً راسخة لقراءة معضلة العلاقة بالغرب من وجهة نظر كاتب عربي يقيم في الغرب ويعلّم في واحدة من الجامعات الأميركية الكبيرة المؤثرة في التوجهات السياسية الأميركية. من بين كتب شرابي التي لفتت انتباهي, ونبهتني إلى أن المفكر الفلسطيني الراحل لم ينأ بنفسه عن العمل الميداني, وعن فن الحوار الصحافي الذي يهدف إلى قراءة تجربة نضالية كبيرة, كتابه "صالح برانسي: النضال الصامت, ثلاثون سنة تحت الاحتلال الصهيوني", الذي نشرته دار الطليعة عام 1981 . في هذا الكتاب الوثيقة, الذي شجع آخرين على كتابة سير مناضلين فلسطينيين واستخلاص المسارات المتعددة لكفاحهم من أجل فلسطين, يستعيد هشام شرابي سيرة حياة واحد من المناضلين الكبار الذين غطت الهزائم المتوالية نشاطهم الكفاحي على أرض فلسطين, وثباتهم في وطنهم على رغم كل مؤامرات التهجير القسري الذي تعرض له مواطنو فلسطين طوال ما يزيد على نصف قرن. لكن هشام شرابي معروف أيضاً بكتابته لسيرته الذاتية, وعودته إليها من حين لآخر في محاولة لاستعادة مراحل من حياته وحياة الفلسطينيين لئلا يغيبها النسيان, وحتى يحافظ على الذاكرة الفلسطينية حية فتتمكن الأجيال التالية في العودة إليها والبناء عليها. وقد أقبلت على قراءة كتبه المثيرة للخيال والفكر: "الجمر والرماد", و"صور الماضي", و"عكا, بيروت وواشنطن" التي يروي فيها شرابي قصة ثلاث مدن عاش فيها. |
في الملف
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||