![]() |
|
هشام شرابي |
|
ملف خاص |
|
|
المثقف "المغترب"مطاع صفديكل صوت يحمل مفاجأته, وهو القدر المحتوم على كل مخلوق. لكن موت المفكر يظل غير متوقع. إنه الحادثة التي تلغي الشخص, وتعجز عن إلغاء إنسانه, هشام شرابي لن يلتقيه اصدقاؤه الكثر, بعد اليوم, في الوطن والمهجر. لكن قراءه بالأمس وغداً سيظلون يعايشون افكاره. فهي التي تولد مرة من دون ان تعرف لها نهاية, حياة الأفكار لحظات لامعة تذكّر بالحقيقة الممنوعة من الوجود, تجعلها حاضرة ومبذولة, لكل من يفتح قلبه أو عقله لها. هشام شرابي كان واحداً من جيل النكبات, من جيل اولئك المثقفين المغتربين ليس عن الأوطان فحسب لكنه كان موغلاً في تلك الحال الاستثنائية التي يصير فيها المثقف ليس مجرد ضحية لعصر الانتكاب المستدام, وإنما شاهداً على فظاعاته, ومبشراً كذلك بأسباب انقضائه. فهو بقدر ما كان ساعياً الى الشهادة الصادقة على فواجع العالم العربي, بقدر ما كان متحرراً من التعليلات الجاهزة. لم يجد في (العدو الخارجي) المغتصب والمداهم سبباً كافياً لاستدامة النكبة وعقابيلها, بل بحث عن العلة كذلك في عمق التكوين المجتمعي. كانت نظرية (السلطة الأبوية), كما جاء بها مؤسس التحليل النفسي فرويد وزميله اريك فروم. تجد لها حقلاً خصباً في تفكيك البنية الاتباعية المتوارثة في آلية المجتمع العربي واستقالة اجياله من ثقافة الحرية والمبادهة الذاتية, والاحتماء بالموروث السلطوي, كما دأب على تـحــليــله هــشام شـرابـي مـن كـتـاب الى آخر. هذه المساحة الفنية من التطبيق النفسي التحليـلي للنظرية الفرويدية العالمية, افـتـتـحها شرابي بأصـالة الأستاذ الخبير والمفكر الملتزم بأصول الإصلاح الحقيقـي, التي حجـبـتـها دائماً الأدلجـات السيـاسويـة طـوال النهضة العربية الثانية خلال النصف الآخر من القرن الماضي. المجتمع العربي الموصوف بكل السلبيات الحضارية والإنسانية, ما زال مجهولاً بالنسبة الى الوعي العلمي. ولقد كان مفكرنا الراحل رائداً حقيقياً في ابتكار احد المفاتيح المهمة المهملة لمغارة علي بابا وأسرارها الغثة والثمينة... وهو في ذلك يعيد التكامل بين الفكر والعلم. فلا تصح التصورات القليلة من دون حواملها الواقعية. وسواء قبلنا بالتراث الفرويدي التحليلي او اعترضنا على بعض مسلماته, فقد اشتق منه شرابي بعض اطروحاته وأخضعها لتعديلات الفكر وجعلها تقارب حدود المشكلات المستعصية في الأداء الاجتماعي العربي. وقد تكون هذه الريادة الخصبة والذكية لأعمال مفكرنا الراحل, فاتحة تحول حقيقي في عادات الفكر العربي السائدة, والمحتاجة اخيراً الى هذا النوع من صدمات الثقافة المعرفية شبه المجهولة والمهملة غالباً من جامعاتنا وندواتنا وطروحاتنا النظرية المتهافتة. فوداعاً للإنسان النبيل الذي عرفناه وأحببناه, وعسانا نحب افكاره ونعايشها اكثر وأعمق في ثقافتنا الجديدة. |
في الملف
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||