موقع جديد يهدف إلى إطلاق حوار فكري سياسي لتعميق مفاهيم النهضة القومية الاجتماعية وتفعيل دورها في مواجهة التحديات المصيرية

آخر تحديث Saturday January 14, 2006 الساعة 05:22:17 PM

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

خريطة الموقع

قضـايـا

ملفـات

مقـالات

دراسـات

شؤون حزبية

التيار الديمقراطي

قالوا في أنطون سعادة

من تاريخ الحزب

المكتبـة

بأقلامهم اليـافـعـة

 

قضينا على بدعة «ترويكا الحكم» إلى غير رجعة

وأعطينا الدليل للمرة الأولى على أن العملة اللبنانية

لا ترتبط بشخص معين

من المحاور التي تناولتها الحملات الاعلامية الدعائية أن الحكومة لم تفعل شـيئاً. وقد صدّق كثير من الناس هذه المقولة لكثرة ما رددتها وسائل الاعلام. فلا بد من التذكير ببعض أعمال الحكومة وضعاً للأمور في نصابها:

أولاً، كانت تمارس في عهود الحكومات السابقة بدعة سميت «ترويكا الحكم»، وهي صيغة مشاركة في قرار الحكم بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، وقد اتخذت هذه البدعة شكل المحاصصة بين أركان الحكم في التعيينات الادارية وفي توزيع التراخيص وأحياناً المشاريع. كان منها توزيع تراخيص وسائل الاعلام المرئي والمسموع. وبعض هذه الأعمال يقع تحت طائلة قانون الاثراء غير المشروع بما تنطوي عليه من تضارب في المصالح.

قضينا على هذه البدعة الى غير رجعة.

وقد كانت هذه البدعة ظاهرة لا دستورية ولا ديمقراطية، فضلاً عن أنها مسـخت الحكم الى معادلة للتقاسـم والمحاصصة. كانت لا دستورية لأن الدستور يقضي بالفصل بين السلطات، ولا سيما السلطة الاجرائية والسلطة التشريعية، فيما بدعة ترويكا الحكم أسفرت عن تداخل وتشابك بين السلطات. وكانت لا ديمقراطية لأن أركان الحكم اختصروا المؤسـسات في أشخاصهم. وكانت حائلاً دون الاصلاح السياسي ومن ثم الاصلاح الاداري، فهما لا يستقيمان الا في كنف دولة القانون والمؤسسات.

كان من محاور الحملة الاعلامية الدعائية التي كانت تُشن ضدي شخصياً منذ لحظة تسلمي مسؤوليات رئاسة مجلس الوزراء، مقولة مغرضة كاذبة مفادها أنني فرطتُ في صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء أو أنني تنازلت عنها أو أنني تخليتُ عنها، وقد تناولتُ هذا الزعم في جولاتي الانتخابية الأخيرة فقلت ان الذي فرّط فعلاً بصلاحيات رئاسة مجلس الوزراء ومكانتهـا هو ذاك الذي انغمس حتى الأذنين في ممارسة بدعة ترويكا الحكم، اذ أن هذه البدعة ما هي الا صيغة لاشراك الآخرين في صلاحيات رئاسة الوزراء واختصاصاتها، وفي هذا منتهى التفريط في موقع رئاسة مجلس الوزراء.

ولا بد من الاعتراف أن التعيينات التي أجريناها شابها شيء من المحاباة والمحسوبية، ولو أنني شخصياً حرصت في كل الأوقات على الترفّع عن الانغماس في لعبة التقاسم. فقد عبرت أو تسربت أسماء في التعيينات روعي في اختيارها جانب رئيس مجلس النواب، ولم أكن أنا الذي شاورته في شأنها أو حاولت الوقوف على رأيه فيها، بل كان رئيس الجمهورية العماد لحود هو الذي فعل خصوصاً أثناء اللقاءات الأسـبوعية التي كانت تتم بينهما. كما روعي في بعض التعيينات جانب نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية ميشال المر، الذي يمتّ الى الرئيس لحـود بصلـة قربـى ويتمتـع بثقتـه المطلقـة، فكـانـت الأسـماء التـي تهم نائـب رئيس الوزراء تُعرض عليّ بأنها من ترشـيحات رئيس الجمهوريـة، وكان الرئيس لحـود يتبنّاها أمامي ويزكيهـا. هكـذا دخـل علـى الادارة وبـعض المجالس في زمن حكومتنا، من حيث لـم أكن أريد، موظفون أو أعضاء فـي مجالس لـم يكونوا هم الأفضل من حيث الكفاءة أو الأهلية للمناصب التي أنيطت بهم. ومن هنا كان اتهام بعض السياسيين المعارضين لنا بأننا نمارس المحاصصة في شكل مسـتتر بما يـذكّر بصيغة الترويكا، ولو أنني شخصياً لم أطلب لنفسـي يوماً حصة في التعيينات.

ومن هنا اكتسب ميشال المر صفة الوزير المتميز. وقد لوح النائب نسـيب لحود يوماً الى هذا الواقع في تصريح لـه قال فيـه ان التعيينات التي تمت لا تخلو من المحاصصة ولو أن رئيس مجلس الوزراء سليم الحص لم تكن له فيها حصة. وأحياناً ما كان يُراعى في التعيينات جانب جهات سورية كانت تمر في قناة رئيس الجمهورية.

ثانياً، عندما تسلمنا المسؤولية في الشهر الأخير من عام 1998 لم تكن الحكومة السابقة قد أعدت موازنة العام 1999، مع أن الدستور يوجب على الحكومة صراحةً تقديم مشروع الموازنة الى مجلس النواب مع بدء دورة اكتوبر (تشرين الأول) من كل سـنة. فكان علينا أن نضع خلال العام الأول من عمر حكومتنا القصير مشروعين: مشروع موازنة العام 1999 ومشروع موازنة العام 2000. والتزمنا في اعدادهما مبدأ ترشيد الانفاق.

تناولت هذا الموضوع في جولاتي الانتخابيـة فقلت ان الحكومة السـابقة لحكومتنا لم تجرؤ على وضع موازنة العام 1999 في موعدها الدستوري مع أن تلك الحكومة استمرت حتى الشهر الأخير من العام 1998. وقد خالفت بذلـك نصاً دسـتورياً صريحاً. ولا تفسير لهذه المخالفة سوى أن المسؤولين لو أقدموا على وضع تلك الموازنة قبل رحيلهم لفضحتهم وفضحت بأرقامها الخلل المالي الفادح الذي خلفته تلك الحكومة لحكومتنا والذي تجسد في دين كبير جداً تترتب عليه فوائد سنوية تكاد تكون المصدر الأساسي بل الوحيد لعجز الخزينة المتفاقم، وعجز الخزينة يكاد يكون مصدر كل علة في الاقتصاد الوطني اللبناني.

ثالثاً، أرفقنا بموازنة العام 1999 برنامج عمل للتصحيح المالي. ومثل هذا البرنامج هو الأول من نوعه. فمع أن مشكلة تفاقم عجز الموازنة وتعاظم الدين العام هي مشكلة مزمنة تعود لسنوات خلت، فان أي محاولة لم تُبذل في الماضي لوضع خطة للتصحيح المالي. ومهما قيل في البرنامج الذي وضعناه، فالحقيقة السـاطعة أنه الأول من نوعه وأنه يشكل خطوة جدية على طريق الاصلاح المالي ومن ثم الاقتصادي.

هذا البرنامج وُضع برسم التنفيذ على امتداد خمس سنوات ادراكاً منّا أن أزمة المديونية المتفاقمة لا تحل بكبسة زر أو بعصا سحرية، وأن الوضع يتطلب اصلاحه اجراءات بعضها هيكلية بطبيعتهـا. وقـد اسـتهدف البرنامج تخفيض نسبة الدين العام الى اجمالـي الناتج المحلـي من نحو 125 في المائة، وهو المسـتوى الذي كانت عنده، الى ما دون 96 في المائة بعد خمس سنوات، وبالتالي تخفيض نسـبة خدمة الدين العام الى الناتج المحلي من نحو 15 في المائة، كما كانت، الى ما دون خمسة في المائة بعد خمس سنوات. وكان يرجى أن ينشط الاقتصاد الوطني اللبناني في هذه الأثناء فتغدو نسبة نمو الناتج المحلي أعلى من نسبة نمو الدين العام فيتدنى عبء الدين العام على الاقتصاد الوطني سنة فسنة. وقد لحظ في البرنامج دور مرموق لخصخصة بعض موجودات الدولة في توفير موارد جديدة تستخدم في تخفيض مديونية الدولة. هذا البرنامج أُنجزت صياغته في منتصف العام 1999، وأرفق بمشروع موازنة ذلك العام. الا أن الحكومة لم تتمكن من تحقيق الأهداف المحددة في هذا البرنامج خلال السنة الأولى التي أعقبت اعلانه لأسباب عديدة منها أن لبنان تعرض خلال هذه السنة لثلاثة اعتداءات اسرائيلية مدمرة استهدفت بناه التحتية ولا سيما منها المنشآت الكهربائية.

كانت غارة اسرائيلية جوية مدمرة في يونيو (حزيران) 1999، وثانية في فبراير (شباط) 2000، وثالثة في مايو (أيار) 2000. وقد ترتب على هذه الاعتداءات الغاشمة الكثير من الخسائر والنفقات، فضلاً عما كان لها من انعكاسات سلبية جسيمة على حركة الانتاج والاستثمار والحركة الاقتصادية العامة.

ومن مسـببات قصور الحكومة عن تحقيق كل أهداف برنامج العمل للتصحيح المالي في سنته الأولى أن إعداد مشروع القانون الذي يرعى سياسة الخصخصة ومناقشته استغرقا من الوقت أكثر مما كان متوقعاً، ثم تأخر مجلس النواب في اقراره بعد اشباعه درسـاً في اللجان النيابية، فصدر بتاريخ 31/5/ 2000، أي قبل أقل من خمسة أشهر من رحيل الحكومة. ومما ساهم في تعثر البرنامج ظهور نزف مالي لم يكن في الحسـبان اذ كان على الحكومة أن تسدد فواتير مستحقة على أعمال منجزة سابقاً وهي تتعلق بالمطار ومرفق الكهرباء وبعض العقود، كما أن فاتورة المحروقات ارتفعت بارتفاع أسعار النفط في العالم.

رابعاً، جهدت الحكومة الى معالجة آثار الضربات الاسرائيلية سريعاً، والى صون مقومات صمود الشعب في وجه هذه الاعتداءات الغاشمة. وقد قمت شخصياً، ومن خلال وزارة الخارجية التي توليت حقيبتها، بحملة دبلوماسية واسعة وفاعلة دفاعاً عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال وردعاً لاسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها على لبـنان. فكان أن دعونا الى عقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في بيروت، في مارس (آذار) 2000، عقب العدوان الاسرائيلي الثاني على البنى التحتية في فبراير 2000، فكان هذا المؤتمر حدثاً تاريخياً. وقد صدر عنه موقف تاريخي يدعم بكل صراحة ووضوح حق لبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لأرضه، ويدين العدوان الاسرائيلي، ويدعو الدول العربية الى اعادة النظر في علاقاتها مع اسرائيل في حال تجدد العدوان على لبنان.

خامساً، عندما كان الحديث يدور حول احتمال قيام حكومتنا، كانت مصادر فاعلة تروج لمقولة أن أي تغيير في رئاسة الحكومة سـوف يؤدي الى الانهيار الاقتصادي وبصورة خاصة الى هبوط لا حدود له في قيمة الليرة اللبنانية في السوق النقدية. فكان أن صمدت الليرة اللبنانية طوال وجودنـا في الحكـم ولـم يطرأ عليهـا أي تغيير أو تعديل. فأعطينا الدليل الدامغ للمرة الأولى على أن العملة اللبـنانية لا ترتبط بشـخص معين. وكـان هـذا شـاهداً على منعة الاقتصـاد الـوطنـي الـذي صمد أيمـا صمود على الرغم من الاعتداءات الاسرائيلية شبه اليومية على أرض لبنان وشعبه، وعلى الرغم من ثلاث غارات اسرائيلية غاشمة في أقل من سنة اسـتهدفت البنى التحتية، وكذلك على الرغم من الحملات الدعائية المنظمة التي كانت تشنها بعض وسائل الاعلام، وبخاصة منها محطة «المستقبل» التلفزيونية الفضائية، والتي كانت تصور الحالة العامة في لبنان في أبشع صورة. ولو كان الاقتصاد الوطني مرتبطاً بشـخص معين كما كان يروَج لكان ذلك شاهداً على وهنه. ولقد تعززت احتياطات مصرف لـبنان من العملات الأجنبية وانخفضت الفائدة على سندات الخزينة اذ هبط معدلها على استحقاقات السـنتين من 16 في المائة الى 14 في المائة سنوياً.

سادسـاً، للمرة الأولى وضعنا الادارة في أجواء المسـاءلة والمحاسـبة، ومهما قيل في حصيلة هذه العملية فان الواقع الذي لا مراء فيه أن عملية المساءلة والمحاسبة كانت قبل ذلك غائبة فيما التسيّب يتفشى والفساد يستشري.

أعترف بأن القرارت التي اتخذها مجلس الوزراء في اطار عملية الاصلاح الاداري لم تكن كلها موفقة، لا بل كان بعضها غير صائب. فبعض الذين أُقيلوا من مناصبهم ووضعوا في تصرف رئاسة الوزراء، تبين في ما بعد أن الاجراءات المتخذة في حقهم لم تكن مبنية على معطيات مكتملة أو على أدلة قاطعة. والسبب أن ملفات هؤلاء لدى وزارة الدولة لشؤون الاصلاح الاداري أو لدى هيئات الرقابة لم تكن وافية. وبعض التعيينات التي أجريناها لملء الشـواغر في الادارة، كما سبقت الاشارة، لم تكن أيضاً في محلها، اذ تبين لي في ما بعد أن وراء بعضها مراعاة لسـياسـيين نافذين، أو تدخلات معينة. ثم ان عمليات الاقالة والوضع في التصرف توقفت في مـا بعـد عند أعتاب بعض أركـان النظـام النافذيـن والمـدعومين اقليميـاً، وقد أمسـى الاتفاق في ما بيننـا داخـل الحكم على اقصاء بعض كبار الموظفين المحسوبين على هؤلاء متعذراً. ومما يذكر أننا لم نستطع اجراء تبديل في رئاسة احدى المؤسسات الكبرى لأن رئيسـها القائم كان يحظى بحماية جهة سورية، كما أننا لم نستطع تعيين مجلس ادارة جديد لمؤسـسة كبيرة تساهم فيها الدولـة لأن أحـد النافذيـن اعترض على اسمين رشـحناهما لرئاسة هذا المجلس. وفي مثل هذه الحالات يغدو الاتفاق بيننا داخل الحكم على اسم معين متعذراً.

أشاع أصحاب الحملات المذهبية الموجهـة ضـدي أن عمليـة الاصلاح الاداري لـم تطـل الا المسلمين السنّة. ومع أن الانتماء الطائفي أو المذهبي لم يكن له أي اعتبارٍ على الاطلاق في القرارات المُتّخذة، فان الواقع أن من أصل 23 من المسؤولين في وظائف الفئة الأولى أُنهيت مهامهم أو وُضعوا في التصرف، كان هناك خمسة فقط من السنّة. وأشاع أيضاً أصحاب المآرب الخبيثة أن عملية الاصلاح لم تتعرض للمحسوبين على رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، مع أن الواقع أن ثلاثة من المحسوبين عليه مباشرةً وُضعوا في تصرف رئاسة الوزراء وهُم مدير عام التعليم المهني والتقني ومدير عام الاعلام ومدير عام المكتب الوطني للدواء، وهذا الأخير أوقف قيد التحقيق لمدة من الزمن. الى ذلك فقد أحلتُ رئيس مجلس الجنوب، وهو أيضاً من المحسوبين على رئيس مجلس النواب، على التفتيش المركزي، في قضية ثبُت فيها أنه أودع مبلغاً لا يُستهان به من أموال مجلس الجنوب في أحد المصارف الخاصة واستدان شخصياً من ذلك المصرف في المقابل مبلغاً لا يُستهان به، فبدا وكأن في الأمر صفقة استفاد منها رئيس مجلس الجنوب شخصياً، الا أن تقرير هيئة التفتيـش المركزي جاء لمصلحته فبرأ ساحته واعتبر العمل الذي قام به قانونياً ومشروعاً. أمام تعثر عملية الاصلاح الاداري بادرنا الى اتخاذ خطوتين: الأولى وضع نظام دائم لتقويم أداء الموظفين، وقد توخينا من هذا النظام أن يغدو الاصلاح الاداري عملية منهجية ومستمرة تديرها هيئات الرقابة، وهي مجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة والمجلس التأديبي العام. ولكن هذه الخطوة لم تسجل النجاح المؤمل منها لأن هيئات الرقابة ذاتها كانت تتطلب شيئاً من الاصلاح.

أما الخطوة الثانية فكانت محاولة لتبسيط مسار المعاملات في دوائر الدولة ومؤسساتها. فالبيروقراطية العقيمة آفة من آفات الادارة المستحكمة في لبنان، وهي احدى العقبات الأساسية التي تحد من حركة الاستثمار في البلاد وتنعكس سلباً على حركة نمو الاقتصاد الوطني اللبناني وعلى نشـاط بعض القطاعات الاقتصادية.

فبادرتُ الى تشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس الوزراء تضم الى وزير الدولة لشؤون الاصلاح الاداري الدكتور حسن شلق مجلس الخدمة المدنية وهيئة التفتيش المركزي وادارة الأبحاث والتوجيه، مهمتها دراسة مراحل سير المعاملات في مختلف ادارات الدولة ومؤسساتها بقصد وضع اقتراحات لاختصار مراحل المعاملات وتقليص عدد التواقيع المطلوبة في كل معاملة. وقد شملت الدراسة في مرحلة أولى دوائر المالية والجمارك والتنظيم المدني والدوائر العقارية ووزارة العمل. وقد آلت هذه الأعمال الى وضع قرارات لتبسيط مسار المعاملات وقعها الوزراء المختصون. وقد أصررت على هذه اللجنة منذ انطلاقها بأنني لا أريد تقارير، وانما أتوقع أن يتوج عمل اللجنة بمشروع قرار يوقعه الوزير المختص أو مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء أو مشروع قانون يحال على مجلس النواب. وكان وزير الدولة لشـؤون الاصلاح الاداري قد بدأ بالقول في أول اجتماع عقدته اللجنة ان ثمة تقارير موضوعة حول هذا الشأن منذ زمن بعيد.

سابعاً، حرصنا أشد الحرص على صون الحريات العامة، بما فيها حرية الرأي والمعتقد والتعبير والعمل، وحفظنا الحريات الاقتصادية كلها بما فيها حرية المبادرة الخاصة وحرية تحويل العملة وحرية انتقال الرساميل وحرية الاستثمار في البلاد فضلاً عن احترام الملكية الخاصة. ونحن لم نتعرض مرة واحدة لصاحب قلم أو صاحب رأي أو صاحب كلمة مهما قسى علينا. لا بل اننا مضينا أبعد من ذلك فأطلقنا حرية التظاهر. وكان التظاهر محظوراً قبلنا كلياً. وقد قامت تظاهرات كثيرة في عهد حكومتنا وضدها. كاد أن لا يمر يوم من أيام الأربعاء، وهو يوم انعقاد مجلس الوزراء، من دون أن تكون هناك تظاهرة بالقرب من مقر مجلس الوزراء، في شأن من الشؤون. ولعل أكبر التظاهرات التي انطلقت في عهد حكومتنا كانت تلك التي دعا اليها الاتحاد العمالي العام احتجاجاً على تدهور الحالة الاقتصادية الاجتماعية. وقد رفعت خلالها شعارات تندد بحكومتنا. ولم تسجل أي من هذه التظاهرات أي حادث يذكر، ولم تجرِ أيـة محاولـة لقمعها، بل ان القوى الأمنية واكبتها من دون التعرض لها.

ثامناً، أخرجنا مشروع المجلس الاقتصادي والاجتماعي من الادراج التي كان مدفوناً فيها لسنوات خلت، فشكّلنا هذا المجلس بحسب الأصول، علماً بأن قانون انشاء هذا المجلس صدر في 12/1/1995 وجرى تعديله في 24/7/1996. تاسعاً، أنشأنا مقراً خاصاً لمجلس الوزراء، حيث يجب أن تعقد اجتماعاته عملاً بأحكام الدستور (المادة 65 البند الخامس). وكان هذا الموجب الدستوري مهملاً في ظل تناوب كيفي على استضافة مجلس الوزراء بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. وكان هذا الموضوع أحد مواضيع الخلاف بيني وبين الرئيس الأسبق الأستاذ الياس الهراوي في عام 1990.

عاشراً، تمثل لبنان على أعلى مستوى في القمة الفرنكوفونية، التي ترأس رئيس الجمهورية العماد اميـل لحود وفد لبنان اليها، وفي افتتاح دورة الهيئـة العامـة للأمم المتحدة في عامي 1999 و2000، وقد ترأست شخصياً وفد لبنان في الحالتين، وكذلك في القمـة العربيـة غير العاديـة التـي انعقدت في اكتوبر 2000 لدعم الانتفاضـة الفلسـطينية فمثلت لبـنان فـي مـؤتمر وزراء الخارجيـة العرب التحضيري ثـم شـاركت في القمة الى جانـب الرئـيس اميـل لحـود. وقـد اسـتغللت هذه المناسبات لعرض مواقف لبنان المبدئية من مختلف القضايا التي تهم لبنان، لا سـيما ما يتعلق منها بالعدوان الاسرائيلي على لبـنان، كما القضايا العربية، ولا سيما منها قضية فلسطين وافرازاتها وتشـعباتها، والقضايا الدولية. واستثمرت هذه المناسـبات أيضاً لتوطيد علاقات لبـنان مع الدول الصديقة. وقد استقبل لبنان مسؤولين كباراً من مثل هوبير فيدرين وزير خارجية فرنسا، ومادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركيـة، ولمبرتو ديني وزير خارجية ايطاليا، وكوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، وخافيير سولانا المسؤول عن العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، والرئيس حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية، والأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية، واستضاف لبنان مؤتمراً استثنائياً لوزراء الخارجية العرب صدر عنه موقف تاريخي اثر الاعتداء الاسرائيلي على البنى التحتية في لبنان في فبراير 2000.

حادي عشر، كان للحكم والحكـومة موقف مسؤول من تحرير بلدة أرنون ومنطقة جزين، فكنت شخصياً ورئيس الجمهورية العماد لحود أول الوافدين اليهما بعد جلاء الاحتلال الاسرائيلي عنهما. وكذلك كان الأمر عند جلاء الاحتلال الاسرائيلي عن أرض الجنوب والبقاع الغربي، فقمت بجولتين على المناطق المحررة برفقة ابنتي وداد وحفيدي سليم، الأولى عبر الطريق الساحلي مروراً ببنت جبيل والخيام ومرجعيون، والثانية عبر البقاع الغربي مروراً بحاصبيا وشبعا وكفرشوبا.

ثـاني عشر، أعدنا النظر في قانون الاثراء غير المشروع وأحلناه على مجلس النواب فصدقه بعد ادخال تعديلات طفيفة على المشروع. ووضع هذا القانون للمرة الأولى موضع التطبيق العملي فطلب من جميع المسؤولين في الحكم التصريح عن أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وكذلك طلب من جميع النواب وجميع موظفي الدولة، على أن يقدم هؤلاء تصاريح مماثلة عند انتهاء مهماتهم وفق ما نص عليه القانون.

ثالث عشر، عملنا دائبين علـى تعزيز المناخ الاسـتثماري في البلاد، لعلمنا أن في تنشيط حركة الاستثمار، وبخاصة منها تلك الوافدة من المحيط العربي والاغتراب اللبناني، السبيل الأنجع لاعادة تنشيط الحركة الاقتصادية العامة في البلاد وايجاد فرص جديدة للعمالة فيها، خصوصاً في ظل حالة الركود المستحكمة التي ما فتئت البلاد ترزح تحت وطأتها منذ بضع سنوات.

لهذا الغرض حولنا المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمار الى محطة وحيدة أو مكتب موحد لانجاز معاملات المستثمرين، وذلك تجنيباً لهؤلاء من مغبة التيه في مجاهل الادارات والمؤسسات العامة الى أن يتم اصلاح شأن الادارة جذرياً.

وفي هذا الاطار أيضاً وضعنا نصوصاً تشريعية بتنظيم السوق المالية والائتمانية وكذلك تنظيم العمليـات والمعامـلات والأوراق والسـندات التي تقوم عليها السـوق.

وفي اطار تشجيع حركة الاستثمار وتوطيد علاقة لبنان المقيم بلبـنان المغترب، دعونا، من خلال وزارة المغتربين، الى مؤتمر لرجال الأعمال المغتربين، عُقد في يونيو 2000 وشارك فيه نحو 650 رجل أعمال من الاغتراب اللبناني وعدد وفير من رجال الأعمال اللبنانيين المقيمين.

رابع عشر، وضعت حكومتنا خطة خمسية للانماء والاعمار ذات أولويات واضحة ومبنية على مبدأ الانماء المتوازن، أي مع مراعاة حاجات المناطق الأقل نمواً. وقد لحظت الخطة انفاقاً اجمالياً يزيد على المليار دولار سنوياً على امتداد خمس سنوات. أقر مجلس الوزراء هذه الخطة في جلسة عقدت برئاسة رئيس الجمهورية في 17/5/2000. خامس عشر، جهدت حكومتنـا لتأمين عقد مؤتمر للدول الممولـة (أو الـدول المانحة كما تعرف عادة) اثر تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي وذلك من أجل تأمين التمويل اللازم لبرنامج الانماء والاعمار مع التركيز على انماء المناطق المحررة حديثاً. وقد عقد مؤتمر للدول والمنظمات المانحة في يوليو (تموز) 2000 على مستوى السـفراء في بيروت. وشـاركت في هذا المؤتمر 38 دولة وعشر منظمات وصناديق اقليمية وعدد من المنظمات المتفرعة عن الأمم المتحدة. واعتبر هذا المؤتمر تحضيرياً لمؤتمر يعقد في ما بعد على مسـتوى الوزراء (وزراء التنمية الدوليـة أو مـن يماثلهم فـي مختلف الدول) على أن تعلن الجهـات الممولـة التزاماتهـا حيال لبنان في هـذا المؤتمر الأخير.

ولكننا شعرنا بتلكؤ عواصم القرار في العالم ومماطلتها في تحديد تاريخ لانعقاد هذا المؤتمر، مما أوحى الينا بأن ليس هناك ارادة حقيقية لدعم لبنان في الوقت الحاضر، لا بل ساورتنا ظنون بأن المجتمع الدولي يعاقبنا على المواقف الوطنية التي اتخذناها خلال مسيرة التحرير، فحملنا لواء المقاومة للاحتلال، واكتسبت حركة المقاومة في عهد حكومتنا شرعية عربية ودولية، في الوقت الذي كانت فيه عواصم القرار، وبخاصة واشـنطن، تصر على نعت المقاومة بالارهاب.

سادس عشر، توجنا أعمال الحكومة بالموافقة على مشروع ضمان الشيخوخة بشقيه: الشق المتعلق بالضمان الصحي للمسنين، والشق المتعلق بمعاش التقاعد بديلاً لتعويض نهاية الخدمة. هذا المشروع سيكون له وقع اجتماعي طيب جداً، كما سيكون له أثر طيب على الاقتصاد الوطني نظراً الى أن نظام تعويضات نهاية الخدمة كان دوماً موضع شـكوى من الهيئات الاقتصادية. هذا مع العلم أن تطبيق هذا النظام الجديد لا بد أن يكون تدريجياً وأن يستغرق وقتاً طويلاً كي يؤتي كامل ثماره.

سابع عشر، أجرت حكومتنا انتخابات شهد القاصي والداني، حتى الذين لم يحالفهم الحظ فيها، بأن عملية الاقتراع فيها حرة ونزيهة. لم تسجل أية حوادث أمنية تذكر في أي مكان من لبـنان يـوم الانتخـاب، وكانـت عملية الاقتراع منتظمة وسـليمة. وكان سقوطي في هذه الانتخابات.

 

 

فصول من كتاب

الحقيقة والتاريخ

 

قصة نهاية العمل السياسي وبداية العمل الوطني

قضينا على بدعة «ترويكا الحكم» إلى غير رجعة وأعطينا الدليل للمرة الأولى على أن العملة اللبنانية لا ترتبط بشخص معين

أعظم إنجاز حققه لبنان في عهد حكومتنا هو تحرير الجنوب والبقاع الغربي

الرئيس لحود أساء إلي مرتين وهذه هي التفاصيل

شرحت للرئيس حافظ الأسد أسباب عدم قبولي التحالف مع الحريري فلقيت منه تفهماً وقبولاً

الحريري نصح لحود بعدم تكليفي تشكيل الحكومة لأنني «عنيد ورأسي يابس»

ارتكبت خطأ حين رحبت بخطوة توقيف وزير النفط السابق شاهي برصوميان

تصريحات كلينتون وأولبرايت بررت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

أبيت على نفسي مجالسة الإسرائيليين في حال استئناف المفاوضات فكلفت المر بهذه المهمة

أبلغني القادة السعوديون أن المملكة تتعامل مع لبنان بمنطق العلاقة بين دولة ودولة وليس من خلال شخص معين

مجلس النواب شرّع التنصت على الجميع باستثناء المسؤولين الكبار

أروع ما أسفر عنه جلاء الاحتلال أنه لم يستتبع انفجار فتنة بين الناس

«قوة خفية» جعلت مجلس الوزراء يجمع على إقرار قانون الانتخاب رغم معارضتي له

نشرت هذه الفصول من كتاب "الحقيقة والتاريخ" للرئيس الدكتور سليم الحص، في جريدة "الشرق الأوسط" ابتداء من أول شباط 2001

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي صاحبه فقط، ولا تلزم بالضرورة "منتدى النهضة"

 

الصفحة الرئيسية | منتدى الصحافة | تفقّد بريدك | للاتصال بمنتدى النهضة | أبلغ صديقك بهذا الموقع

قضايا | ملفات | مقالات | اتجاهات | الحزب | التيار الديمفراطي | من آثار سعادة | قالوا في سعادة | تاريخ الحزب | دراسات | قراءات | المكتبة | المكتبة | مناسبات | بأقلامهم اليافعة | المنتدى