لم أكن أعرف العميد إميل لحود عندما رُشح لمنصب قائد الجيش اللبناني في عام 1989، وكنت آنذاك رئيساً لمجلس الوزراء في عهد الرئيس الياس الهراوي. طلبت التعرّف إليه قبل تعيينه قائداً للجيش، فزارني في منزلي في منطقة عائشة بكار في بيروت. فاستمعت إليه يتحدث عن تجربته العسكرية في سلاح البحرية، وأخبرني عن المناصب التــي تقلّب فيها. وقد ذكر والده اللواء جميل لحود غير مرة، وكانت لهجته عند الحديث عن والده تنضح بالاعتزاز.
سألته عن رؤيته للعمل المطلوب في قيادة الجيش في ما لو آلت هذه القيادة إليه، فأوجز التي تنتظر قيادة الجيش بأمرين: إبعاد الجيش عن السياسة وتنزيهه من أدران المذهبيـة والطائفيــة. ثم أسهب في الحديث عمـا يكتنف ذلك من معـان. معنى ذلك أن لا مكان لتدخلات السياسيين في بناء الجيش وإدارة شؤونه. ولكن الجيش يبقى بطبيعة الحال خاضعاً للقرار السياسي في توجهاته العامة وفي تنفيذ المهمات التي توكل إليه. ولا مكان للعصبيات الفئوية في تنشئة العسكريين وتعبئتهم، كما لا مكان للاعتبارات المذهبية والطائفية في تطــوير بنية الجيش. بنــاء عليه، فإنه لا بُد من إعادة دمج الوحدات العسكرية فيه، من ألوية وكتائب.
الجيش والطائفية كانت ألوية الجيش خلال الأزمة الوطنية الكبرى التي دامت خمسة عشر عاماً مدموغة بطابع طائفي، بمعنى أن قيادة كل لواء وغالبية عناصره ومكان انتشاره كانت في أكثر الحالات كلها ذات لون طائفي فاقع. فالمعروف أن الألوية ذات الطابع المسيحي الغالب هي الخامس والسابع والثامن والتاسع والعاشر، وكذلك مغاوير الجيش وأفواج المدفعية الثقيلة، والألوية ذات الطابع الإسلامي العام اثنان، الأول والثاني عشر، واللواء ذو الطابع السـني هو الثاني، واللواء ذو الطابع الشيعي هو السادس، واللواء ذو الطابع الدرزي الغالب هو الحادي عشر، واللواء ذو الطابع المختلط في حقيقة الأمر هو الثالث. أما هوية قائد كـل لـواء وهويـة منطقـة انتشاره فيتطابقان وهوية غالبيـة العنـاصر في كل لواء اللهم إلا اللواء الثالث ذو الطابع المختلط الذي توزّعت كتائبه على غير منطقة. هكذا كانت المذهبية والطائفية تطغيان على بنيـة الجيش عندمـا تسلّم العماد إميل لحـود قيادته. وقـد ساهم هذا التوزع المذهبي والطائفي لألوية الجيش في اقحام الجيش في الحرب الداخلية وبالتالي في تأجيج هذه الحرب وتصعيدها وزج الأسلحة الثقيلــة التــي يملكهــا الجيـش فيها مما ضاعف القوة التدميريـة لتلـك الحرب، وجعل الجيش عرضة للانقسـام كلما كلف بمهمة أمنية. وجعل بعض ألوية الجيش أشبه بالميليشيات الفئوية في توجّهاتها وسلوكها. وقد بلغ فرز الجيش طائفياً ذروته في فترة الانقسام التي تولّى خلالها العماد ميشال عون رئاسة ما سُمّي حكومة عسكرية بعد خلوّ سدّة رئاسة الجمهورية بانقضاء عهد الشيخ أمين الجميّل من دون انتخاب رئيس جديد، فتكوكبت وحدات الجيش ذات الطابع المسيحي تحت إمرة العماد عون في المناطق التي كانت تخضع لسلطة ما سُمّي الحكومة العسكرية، فيما تكوكبت وحدات الجيش ذات الطابع الإسلامي تحت إمرة اللواء سامي الخطيب في المناطق التي بقيت خاضعة لسلطة الحكومة التي كنت أتولّى رئاستها.
وبعد أن تسلم العماد إميل لحود قيادة الجيش نفذ خطة دمج للألوية بحيث لم تعد لأي لواء أي هوية مذهبية أو طائفية في قيادته أو بنيته أو رقعة انتشاره، مما أكسب الجيش المنعـة والصلابـة والقـوة التـي كـان يفتقر إليهـا من قبـل، فتعززت بذلـك قدرة الجيش على التدخل في فرض الأمن في الحالات التي توكل إليه فيها مثل هذه المهمات. والفضل في ذلك يعود لقائد الجيش العماد إميل لحود وهذا إنجازه التاريخي العظيم الذي فتح أمامه آفاق تبوؤ رئاسة الجمهورية في ما بعد. بعـد مـرور فتـرة من الزمن علـى تـعيين إميـل لحود قائـداً للجيش قلـت فـي حديـث صـحافي: لو لم يكن إميل لحود قائداً للجيش لعيّنته قائداً له مرتين: مرة لأنه أفضل ضابط ماروني، والمنصب ما زال حتى هذه اللحظة حكراً على الضباط الموارنة في التوزيع الطائفي لمراكز المسؤولية في الدولة، ومرة ثانية لأنه أفضل ضابط إطلاقاً بما يتمتّع به من مزايا شخصية وعسكرية وقيادية، شهد له بها القاصي والداني، هذا، لو لم يكن للطائفية اعتبار في تعيين قائد الجيش. وبعد تجربتي الغنية معه قائداً للجيش ثم رئيساً للجمهورية أقول: لو كان في لبنان رجل واحد لا طائفي ولا يعرف للطائفية معنى في فكره ووجدانه وسلوكه فهو إميل لحود. كان كذلك وبقي كذلك.
أعجبت بالرجل فلم أتردد في أن أشبك يدي بيده عندما وقع الاختيار عليّ لتبوؤ رئاسة مجلس الوزراء.
أذكر أنني تلقيت يوماً دعوة للغداء من الدكتور بشار الأسد في دمشق قبل توليه رئاسة الجمهورية العربية السورية، فتناولنا الطعام في مطعم «نادي الشرق»، وكان حديث الانتخابات الرئاسية في لبنان جارياً على كل شفة ولسان.
سألني الدكتور بشار عمن أرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية، وكان موعد الانتخاب قد أزف. فقلت لتوي: «اللحودين.. إميل لحود ونسيب لحود». والنائب نسيب لحود صديق عزيز وكان زميلي في اللقاء الوطني النيابي الذي جمع كلينا إلى الرئيس حسين الحسيني والرئيس عمر كرامي والشيخ بطرس حرب ومحمد يوسف بيضون. فكانت للقاء صولات وجولات مشهودة على مستوى النشاط النيابي من موقع المعارضة البنّاءة. ولم أكن أعلم آنذاك أن بين إميل لحود ونسيب لحود فاصلاً سـياسياً عميقاً يعود إلى زمن تنافس والديهما، جميل لحود والـد اميـل وسـليم لحود والد نسيب، علـى زعامـة منطقـة المتن. وكثيراً ما كان جميل لحود وسليم لحود يتقارعان على المقعد النيـابي فـي الانتخابات النيابيـة. وبقيت المسافة بين إميل ونسيب، ويا للأسف، كما كانت أيام جميل وسليم.
الرئيس إميل لحود رجل نزيه ومستقيم ومترفع إلى أبعد الحدود. وقد قلت عنه يوماً أنه لا يطلب أمراً لنفسه. إلا أن صورته أمام الناس على هذا الصعيد اهتزت بعض الشيء عنــدما سمح لنجله إميل إميل لحود بخوض المعركة الانتخابيـــة النيابية في دورة العام 2000، وقــد فــاز فيهــا علــى لائحة ميشال المُرّ حمي شقيقته، وكذلك عندما طالب هو بتوزير صهره، زوج كريمته الوحيدة، الياس ميشال المر، وقد تولى وزارة الداخلية والبلديـات فـي حكومـة الرئـيس الحريري وهي الحكومة التي خلفت حكومتنا في عهد الرئيس لحود. وفي كلتا الحالتين أي في حالة ترشيح نجله إلى مقعد نيابي كما في حالة تــوزير صهــره، لــم أتــوانَ عـــن نصحـــه بالإقـلاع عــن دعـم أو تبنّـي نسيب له، لأن ذلـك سينعكس سلباً على صـورته أمام النـاس.
ولكنـه مضى قدماً في الخطوتين، متذرعاً بأن نجله مصرّ على ترشيح نفسه للنيابة وهو مسؤول عن نفسه ولن يكــون هناك أي تدخــل من والده لمصلحتـه. أمـا صهره فهو مـؤمن بكفاءاته العالية وأهليته للمنصب. ولا شك في أن الرجل يتحلى بكفاءة عالية ومزايا شخصية طيبة. إلاّ أنني أقول في أي حال إن الرئيس لحود أخطاً في اعتقادي في الحالتين.
أوحى لي الرئيس لحود في هاتين المناسبتين، كما في بعض المناسبات الأخرى، أنّه في بعض الأحيان لا يتوقّف كثيراً أمام وقع قراراته علــى الــرأي العــام إذا كان مُقتنعاً بصوابيّتها أو جــدواها. وكأنمــا هــو يـراهــن فــي تلــك الحال علــى أن أي رد فعل سلبي في الرأي العــام على قــرار معيّن يتّخـذه لا بــد أن يتلاشى مع الوقت إن عاجلاً أم آجلاً. ولعل خلفيته غير السياسية ساهمت في تكوين هذا التوجّه. وهو يتفادى، كما قال لي غير مرة، قراءة الصحف اليومية إلا مساءً كي لا يتأثر سلباً في عمله اليومي بما تجود به الصحف من تعليقات وتحليلات وأخبار، خصوصاً أنّ معظم الصحف كانت تسلك سياسات معارضة للحكومة وأحياناً للعهد.
هذه المحطات كان من شأنها تعزيز انطباع آخـر كـان قد تكـوّن عنـدي، وهــو أن الرئـيس لا يميل إلى الأخـذ بنصائـح أحـد إذا مــا عقد العـزم علـى أمـر مـعين.
ولقد كانت لي تجارب أخرى مماثلة أذكر منها هنا اثنتين: الأولى كانت في مؤتمر القمة العربيـة الذي عقد في القاهرة في 21 ـ 22 اكتوبر (تشرين الاول) 2000. فلقد شاركت شخصياً في المؤتمر التحضيري لوزراء الخارجية العرب ثم في مؤتمر القمة إلى جانب الرئيس لحود. وكان آخر بند على جدول أعمال مؤتمر وزراء الخارجية إقرار جدول أعمال القمة العربيـة. وعندما انتهى النقاش إلى ترك الأمر لمؤتمر القمـة ليقرر مـا إذا كـان الكـلام سيقتصر فـي جلسة الافتتاح العلنية على الرئيـس المصـري حسني مبـارك باعتبـاره المضيف ورئـيس المؤتمر، أم يُعطى الكلام لمن يريد من القادة العرب في هذه الجلسة، اتصلت إثر اجتماع وزراء الخارجية مباشرة بالرئيس لحود، وكانت الساعة قد بلغت منتصف الليل تقريباً، لأبلغه أن ثمة احتمالاً أمامه لإلقاء خطاب في الجلسة الافتتاحية العلنــية، وأنــه قــد يــرى ضرورة إعــداد نــص الخــطـاب قبـل قدومـه إلـى القـاهـرة. فجـــاء إلـى القاهـرة في اليــوم التــالي من دون أن يكــون فــي يــده خطــاب مُــعــدّ. وهكذا، عندما أعطاه الرئيس مبارك الكلام مباشرة بعد كلمة فلسطين التي ألقاها ياسر عرفات (ولعل ذلك كان من باب التكريم باعتبار أن الانتفاضة الفلسطينية كانت هي موضوع المؤتمر)، لم يكن أمام الرئيس لحود سوى ارتجال كلمة باللهجة العامية اللبنانية التي قد لا يفهمها أكثــر القــادة العــرب. وكان الانطباع الذي خلّفه ارتجال الرئيس كلمتــه فــي الـرأي العــام اللبناني، إلى حدٍّ ما سـلبياً على ما ظهر لي. مع ذلك جاء في أحد التعليقات الصحافية أن كلمة الرئيس لحود هي الأصدق لأنها كانت عفوية.
والتجربة الثانية كانت تتعلق بمشاركته في مؤتمر القمة الإسلامي في قطر، الــذي انعقــد في 12/11/2000. فقد نصــحته تكراراً، وكنت على وشك مُغــادرة الحكــم، بالمشاركــة شخصـياً فــي المـؤتمــر. وينبغي أن لا يحــول دون مشاركتــه في مــؤتمــر إسلامــي كــونـه هــو مسيحياً، فلقد شارك الرئيس الياس الهراوي في المؤتمر السابق الذي إنعقد في إيران في عام 1997. ولكنه أصــرّ على عـدم المشاركة لأنه سبق أن أبلغ منظمي المؤتمر بأنه لن يحضر. وأنا كنت أعتقد أن المؤتمر كان يمكن أن يكون مناسبة لإطلالة طيبة للرئيــس على العالمين العربي والإسلامي يمكــن أن تصبّ في صالح القضايا التي تهمّ لبنان في تلك المرحلة وتكون سبيلاً لتوطيد علاقاته مع قادة العالمين العربي والإسلامي. هذا مع العلم أنّني في 31/10/2000 أدليت بتصــريح دعــوت فيه دولــة قطــر إلى إقفال مكتب الاتصال الإسرائيلي القائم في الدوحة، وإذا لم تستجب إلى هذا النداء فعلى الملوك والرؤساء العرب مقاطعة المؤتمر. ولم تلبث المملكة العربية السعودية أن أعلنت على الاثر مقاطعتها للمؤتمر وتبعتها إيران، وكان يمكن أن تلحق بهما دول عربية أخرى بما فيها لبــنان وسورية، الأمر الذي اضطرّ قطــر إلى إعلان إقفــال مكتب الاتصــال الإسرائيلي في الدوحــة. فعــادت الميــاه إلى مجاريها وإنعقد المؤتمر في مــوعده. ومثّل لبنان في هذا المؤتمر الرئيس رفيق الحريري.
وقد تكوّن لدي شعور بأن الرئيس لحود يصغي إلى النصح من أشخاص معينين من دون سواهم، ولعل أبرزهم نائب رئيس الوزراء ميشال المر. وكان يلتقيه أسبوعياً بفعل صلة القربى بينهما بعيداً عن الرسميات. وقد تبنى الرئيس ترشيح الأستاذ ميشال المر لعدد من الأشخاص الذين عينوا في مراكز الفئة الأولى في الدولة، في الإدارة والمجالس. فكانت الأسماء تُعرض أمامي على أنها من ترشيح الرئيس نفســـه. فاكتشفت في ما بعد أن وراءها الأستاذ المر. وبعض هذه التعيينات لم تكن موفقة. وقد خلّف هذا التوجّه من الرئيس لحود انطباعاً خاطئاً عند الناس أنّ الأستاذ ميشال المُرّ يستطيع أن يفرض تعيين من يشاء في الإدارة، فسُمي الوزير المتميّز.
تعاظم الثقة
بيني وبين الرئيس إميل لحود محبة خالصة واحترام متبادل. إنني أشعر بحرارة محبته في تعاملي معه. وهو يظهر لي الود في كل المناسبات، وأنا أبادله هذا الود. وكنت أشعر دوماً بحرصه المُتناهي على حسن العلاقة معي. وقد درج على دعوة ابنتي وداد بين الحين والآخر لتبادل الأحاديث معها بمعزل عني، وكثيراً ما كان في كلامه لإبنتي رسائل غير مباشـــرة لي كانت تنقلــها بأمانة إليّ. وقــد تبين لابنــتي مــن خلال هذه الأحاديث مقدار ما يكنّه لي من المحبة والاحترام.
كان الرئيس لحود بطبيعة الحال يترأّس كل اجتماعات مجلس الوزراء عندما كانت تعقد في القصر الجمهوري في بعبدا قبل إنشاء المقرّ الخاص لمجلس الوزراء. والمعروف أنّ من حقّه دستورياً ترؤُّس أي جلسة لمجلس الوزراء يحضرها. وبعد انتقال مجلس الوزراء إلى مقرّه الخاص أخذ الرئيس لحود يترأّس بعض الجلسات ويغيب عن بعضها الآخر تاركاً لي رئاسة تلك الجلسات. وكان ذلك مؤشّراً على تنامي عنصر الثقة بيني وبينه. ثم جاء وقــت بات يتغيّــب فيــه عــن جلسات مجلس الوزراء لفتراتٍ طويلة تاركاً لي رئاستها. إنّ تعــاظُــم الثــقــة المــتــبــادلــة بينــي وبينــه كان ثمــرة التجــربة المشتركة التي غلبت عليها الإيجابية. من عادات الرئـيس لحود الجميلـة المحببة أنــه يقبّـل كـل من يزوره على الوجنتين. وهــذا النوع من الاستقبال الحميم من شأنه إشاعة جوٍّ من الارتياح في كل لقاءاته، مما يزيل أي وازع من مهابة أو توتر في الحديث معه.
إنه شديد التمسّك بالقيم الأخلاقية، مرهف الحس إزاء أي إخلال بها. فإن لحقت بأحدهم شبهة إساءة الأمانة في شكل من الأشكال، فإن ذلك كان كافياً كي يلتزم الرئيس لحود معه منتهى الحذر لا بل والتحفُّظ. وهو شديد التقدير لنزاهة الموظف واستقامته، ولا يرحم الموظف الــذي لا يتحلى بالنزاهة والاستقامة. وهو يتألم كثيراً لحالة الإدارة العامة بما يشوب بعض أجهزتها من فساد وعقم وتسيّب. وكان يُعلّق آمالاً كبيرة على عملية الإصلاح الإداري التي باشرتها حكومتنا قبل أن تصطدم بحواجز سياسية فتوقّفت.
وسر الجفاء الذي يسود العلاقة بينه وبين أحد رجال السياسة الأثرياء، أن هذا الثري حاول تقديم مبلغ شهري كبير من المال له بعد تعيينه قائداً للجيش. فسـأل من جاءه بالمبلغ عن الغاية منه. وعندما قال له ناقل المال إن هذا المبلغ هو في تصرّفه، يستطيع أن يصرفه كما يشاء من موقعه قائداً للجيش، أجــاب: إذا كان هذا المبلغ مخصصاً لي شخصياً فأنا في غنى عنه، لأن راتبي يكفيني والحمد لله، وإذا كان هذا المبلغ مخصصاً للجيش فهناك أصول قانونية للتبرّع لمؤسسة من مؤسسات الدولة. فعلى صاحب المال أن يقدمــه عبر مجلس الوزراء الــذي يجب أن يقبــل الهبــة ويحيلها من ثم إلى الجيش إذا شاء ذلك. وقد شعر العماد لحود آنذاك أن المحاولة مسّـته في الصميم وأثرت سلباً على نظرته إلى صاحب المبادرة وسمّمت علاقته به.
يؤمن الرئيس لحود إيماناً وطيداً بالمصالح الاستراتيجية المشتركة التي تشد ما بين لبنان وسوريا، وهو يتصرف تبعاً لذلك. فالعلاقة بين البلدين الشقيقين يجب في نظره أن يحكمها الحرص على المصلحة المشتركة. وهذه العلاقة لا تحتمل أي عبث أو تعكير. من هنا كان إخلاص الرئيس لحود المطلق وشفافيته المتناهيــة وصدقه الخالص في التعامل مع سورية. ويكمن وراء هذا التوجّه إيمان بعروبة لبنان في حدود الحرص التام على استقلاله وسيادته.
من هنا كان تعاطفه مع الشعب العراقي في معاناته من جرّاء الحصار الدولـي المفروض عليه منذ حـرب الخليج في عام 1991، وكذلك تعاطفه مع الانتفاضة الفلسطينية المتجددة في خريف العام 2000.
وقد أُسيء فهم موقف الرئيس الحقيقي من العلاقة مع سورية، أحياناً عن عمد، فحُمّل أكثــر ممــا يحتمـل ووُضع أحياناً في خانة الغلو في الانفتاح. هذا الصدق في الالتزام القومي جرى في بعض الأحيان استغلاله من بعض الجهات على نحو أساء إلى الحكم، وذلك حيث ظهر في بعض الأحيان جنوح لدى الرئيس العماد إميل لحود إلى مراعاة جانب بعض الجهات السورية النافذة في لبنان في أمور تتعلق بالإدارة العامة أو مؤسسات الدولة في شكل من الأشكال. ويبدو أنّ بعض رجال السياسة وبعض المسؤولين النافذين المحسوبين على سورية لم يتورّعوا عن استغلال هذا التوجّه عند الرئيــس لحود ليجنوا مكاسب ذاتية لهم في الإدارة لا بل وفي تشكيل الحكومات، وقد أساء ذلك بعض الشيء إلى صورة الرئيس وصورة الحكومة وصورة سورية في لبنان.
من جهة ثانية كان إخلاص الرئيس لحود للشأن القومي دافعاً للمسؤولين السوريين للتعاطي معه بكل احترام، سواء في زمن المغفور له الرئيس حافظ الأسد أو بعده في عهد الرئيس بشار الأسد.
قلت في غير مناسبة ان من مآثر حكومتنا أنها ألغت صيغة لتقاسم مغانم الحكم سميت في عهد الحكومات السابقة «بدعة ترويكا الحكم»، وهي صيغة كان يشارك في قرارات السلطة التنفيذية بموجبها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء. فلم يعد يشارك رئيس مجلس النواب في قرارت السلطة التنفيذية في عهد حكومتنا. ولكن واقعيـة الرئــيس لحـود كانت تدفع به في بعض الأحيان إلى الوقوف على رأي رئــيس مجلس النــواب عنــد إجـراء تعيينـات أو مناقلات فـي إدارات الدولة أو مؤسساتها. مـن هنا كانت تسري في الأوساط الســياســية والإعلامية أحيــاناً مقولة ان بدعة ترويكــا الحكــم لــم تمت فعلاً، وأنهــا تُطبّق في شكلٍ مُستتِرّ.
أخذ على الرئيس لحود أنه غالى في استخدام ضباط من الجيش في متابعة شؤون الإدارة، وسمّت المـعـارضــة ذلــك «عسكرة الإدارة». في الواقع أن الرئيس استعان ببعض الضباط للوقوف على أوضاع معينة وكذلك لملاحقة القضــايا التي يتلقاها مكــتب الشـكاوى في القصر الجمهوري من الناس. وعندما أبلغني موظفو وزارة الخارجية (التي كنت أتولى حقيبتها) أن ضابطاً يراجعهم في شؤون الوزارة، وكان ذلك في بداية عهد الحكومة، راجعت الرئيس في شأنه فانقطع هذا الضابط بعد ذلك عن مراجعـة وزارة الخارجيــة في شيء. ولم أسمع من أي وزير من الوزراء احتجاجاً على أي تدخل من العسكر في شؤون وزارته.
لقد أساء الرئيس لحود إليّ مرتين، وكان ذلك في يقيني من حيث لا يريد ولا يقصد: مرة عندما كتب إلى أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان في 6 ابريل (نيسان) 2000 مُباشرةً، من دون المرور بي بصفتي رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية، وذلك، في موضوع إعلان إسرائيل عزمها على الانسحاب من لبنان وفق القرار 425، وذلك من دون التشاور معي على الرغم من كوني رئيساً للــوزراء ووزيراً للخارجية في آنٍ معاً. وقد عُرفت هذه الرسالة بالمذكرة الرئاسية. وعندما التقيت الرئيس بعد إعلان نص المذكرة أبديت عتبي على عدم التشاور معي في الموضوع ولفتُّه إلى أن مضمون المذكّرة يوحي وكأن لبنان متحفظ على تنفيذ القرار 425 من جانب إسرائيل، أو كأنه لا يريد ذلك.
فقد طرحت في هذه المذكّرة سلسلة من الأسئلة منها: «هل تعتبرون أن طرح تنفيذ القرار 425 من قبل إسرائيل يأتي... لحماية الشعب اللبناني المعتدى عليه أم لحماية المعتدي ؟»... و«في ما لو أن بعض المجموعات الفلسطينية حاولت القيام بعمليات عبر الحدود من ضمن حق العودة ولعدم وجود حلول مستقبلية لهم، هل تعتقدون أن القوات الدوليــة ستكون قادرة على حـروب يوميـة صغيـرة علــى الحدود؟»... وطالما أن هنالك احتمالاً لحروب صغيرة على الحدود مصدرها مجموعات فلسطينية مسلحة قادمة من المخيمات الفلسطينية في الداخل، ألا تعتقدون أن مصلحة لبنان تقضي بقيام القوات الدولية أولاً وقبل أي شيء آخر بتجريد المخيمات الفلسطينية من ســــلاحها أو بالمشاركة الميدانية في ذلك، سواء في مدن صور أو صيدا أو طرابلس أو بيروت أو بعلبك أو غيرها قبل أن تنتشر تلك القوات على الحدود؟ وهل تقبل الأمم المتحدة شرطاً لبـنانياً بعدم قبول هذا الانتشـــــار على الحدود قبل تجريد الفلســـطينيين منسلاحهم؟»... «هذه الأسئلة يعتبر لبــــنان أن من حقوقــه أن يطــلب أجــوبــة علــيــهــا مــن جــانب الأمم المتــحــدة قبــل أن يقــرر الخــوض في تفاصيل أخرى».
هذه الأســـئلة أوحت أننا نتعمّد التعقيد لنحول دون انسحاب إسرائيل وفق القرار 425 الذي ما فتئنا نطالب بتنفيذه منذ 22 سنة، كما أوحت الأسئلة المتعلّقة بتجريد الفلسطينيين من أسلحتهم في المخيمات كأنّنا نُريد هذا الشيء ونحن عاجزون عن تحقيقه. فقال لي الرئيس إنّه سلّم هذه المذكرة إلى تري رود لارسن، موفد الأمين العام للأمم المتحدة، عندما التقاه، فلم يتمكّن من اطلاعي على نصّها سلفاً. لذلك قرّرت أن تكون اجتماعاتنا مع لارسن بوجوده ووجودي معاً تفادياً لبروز أي تبايُن في الموقف اللبناني بيني وبين الرئيس. وقد كثرت اجتماعاتنا المشتركة مع لارسن للبحث في ترتيبات ما بعد التحرير.
والإساءة الثانية غير المقصودة وقعت في 11 يونيو (حزيران) 2000 عندما كتب مجدداً إلى الأمين العام للأمم المتحدة بعد الإعلان عن أن الأمين العام كوفي أنان يعتـزم تقديم تقرير إلى مجلس الأمن قريباً حول النتــائج التي توصّلت الأمم المتحدة إليها في موضوع رسم الخطّ الأزرق، أي خطّ الانسحاب الإسرائيلي بموجب القرار 425. وقد رفض الرئيس في هذه المذكّرة فكرة الخط العملــي وأصرّ على خط يتطـابق مــع الحـــدود المعترف بهــا دولياً وفق الترسيم الذي تم بموجب اتفاق بوليه ـ نيو كومب في عام 1923 والذي تم تأكيده في عام 1949 بإشراف الأمم المتحدة بعد اتفاق الهدنة.
ولا شك أن الرئيس كان على حق في ما أورد في مذكرته ولا اعتراض لي على مضمونها، ولكـن الذي ساءني أنّه أوعز لأمين عام الخارجية السفير زهير حمدان بإرسالها إلى الأمانــة العامة للأمم المتحدة من دون علمي. وعندما عرفت بالأمر حمّلت أمين عام الخارجية المسؤولية وعاتبته بشدة وقطعت علاقتي به. وعند معاتبتي الرئيس على ذلك قال إنه سـلّم المذكّرة إلى أمين عام الخارجية معتقداً أنه بطبيعة الحال سيعرضها عليّ قبل إرسالها. سـرعان ما اعتذر السـفير زهير حمدان عمّا بدر منه واعتبرت الأمر منتهياً.
العهد والحكومة
كانت علاقتي بالرئيس لحود هدفاً واضحاً للمعارضة، إذ كانت حملات الانتقاد تشن ضد الحكومة ويكال المديح «للعهد» والمقصود رئيس الجمهورية، وكذلك إذ كان يُصوّر زوراً وبهتاناً أن رئيس الجمهورية يسطو على صلاحيات رئيس الوزراء. فالهدف كان واضحاً، وهو استفزازي لافتعال خلاف مع الرئيس لحود وإحداث وقيعة بيني وبينه.
عاصرت خلال وجودي في سدة رئاسة الوزراء أربعة رؤساء للجمهورية، مترئساً الحكومة في بداية عهد ثلاثة منهم. واختلفت في أمور كثيرة مع الرئيس الياس سركيس والرئيس أمين الجميّل والرئيس الياس الهراوي، ولكنني لم أختلف حول أمر من الأمور الأساسية مع الرئيس أميل لحود.
وكنت أرد على الحملات التي تُشن على الحكومة مع التفريق بين العهد والحكومة، بالقول إن الهدف منها هو الوقيعة بيني وبين الرئيس لحود، وأُردف القول إنني لم أختلف مع الرئيس لحود لأنه لم يكن يسمح بذلك، فقد كان حريصاً في كل الأوقات، كما كنت أنا أيضاً، على تفادي الخلاف بيننا. فما كان بالإمكان الاختلاف مع الرئيس لحود، وكان الاحترام المتبادل يحكـم العلاقـة بيننــا.
وقد قـال الرئيس رفيـق الحـريـري مثـل قولي بطريقته الخـاصّـة بعــد نحـــو شـهرين من قيام حكومتـه التـي خلفت حكومتنـا في عهد الرئيس لحود. فردّاً على سـؤال من صحيفـة «السفير» في 18/12/2000 عـن علاقتــه والرئـيس لحـود قـال: «موضـوع الخصومـة هـو مـن التاريخ وليس من الحاضر. أنا أرى أن التعاون مع رئيس الجمهورية سائر في شكل جيد جداً وواضح جداً. وهو تعاون قائم على أساس أن رئيس الجمهورية يحترم الدستور وأنا أحترمه، ورئيس الجمهورية يمارس صلاحياته وأنا أمارس صلاحياتي رئيساً للحكومة، ورئيس الجمهورية يحترم هذا الأمر. إن مجال الخلاف ضيق جداً. فطالما أن كلينا يحترم الآخر على المستوى الشخصي ويحترم صلاحيات الآخر على المستوى الرسمي، لا أرى أن مجال التصادم قائم».
وقد بلغ التفريق بين العهد، أي رئيس الجمهورية، والحكومة، أقصاه بفتح المعارضة، متمثلة خصوصاً بالرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط، حواراً والرئيس لحود مع الاستمرار في مقاطعة رئيس الوزراء وتجاهل وجوده.
ولقد تكررت زيارات الرئيس الحريري لقصر بعبدا ووضعت في إطار متابعة الحوار بين العهد والمعارضة. فأصدرت في 7/11/1999 بياناً في هذا الصدد، سمته بعض وسائل الإعلام انتفاضة. وقد جاء في هذا البيان: «مثلما يكون الصيف والشتاء فوق سقف واحد، فإن ما يسمى المعارضة تسلك طريق الحوار والقطيعة في آن واحد: الحوار مع رئيس الجمهورية والمقاطعة لرئيس مجلس الوزراء. ومثلما لا يســــتقيم الحديث عن نصف حقيقة أو نصف حرية أو نصف وفاق، فإنه لا تستقيم الدعوة إلــى نصف انفتاح أو نصف حـوار. نحن نفهم أن يكون هدف ما يسمى المعارضة إزاحة الحكومة للحلول محلّها، فنهج «قم لأقعد مكانك» قديم قدم السياسة اللبنانية، ونحن نفهم أن يكون ما يسمى معارضة حريصاً على حفظ خط الرجعة مع رئيس الجمهورية، وهو الباقي ست سنوات، فالحرص على المصالح الشخصية من طبيعة البشر، ولكننا لا نفهم أن يسمى ذلك انفتاحاً أو حواراً أو ديمقراطية.
مارسنا المعارضة البناءة من بابها الواسع في الماضي ولم نقاطع أحداً كما لم نشتم أحداً ولم نختلق الشائعات المغرضة ضد أحد ولـم نطلق افتراءاً ضد أحد. إننــا نشير إلى «ما يســمى المعارضة» ولا نقول المعارضة، لأن المعارضة بطبيعتها هي اعتراف بالغير، واحترام رأي الغير، وبالضرورة الحوار مع الغير. فالحوار لا يكون إلا مع الغير، وتحديداً مع من نختلف معه.
لا مانـع لدينا أن يحلّـوا محلّنــا، ولكن القطيعة لا توصلهم إلى غايتهم. فالقطيعة هي سلاح الضعيف، سلاح من يعجز عن طرح الثقة بالحكومة مع العلم أن الحكومـة باقيـة ما بقيت ثقة المجلس النـيابـي بهـا. ولعل هدفهم هو في نهاية المطاف دق اسفين بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. وهذا ما لن يكون في أي ظرف من الظروف. نقول كـل هـذا ونـردف القـول إن الحوار مـع هؤلاء لا يغنينـا والقطيعـة معهم لا تضرنا».
إن من ينصف الرئيس لحود يعترف بأنه رجل نبيل ونزيه ومستقيم ووطني وصادق.
لا أستطيع أن أختتم الكلام عن الرئيس العماد أميل لحود من دون أن أنوّه بمن كان جسر محبة وتواصلا ووفاقا بيننا. هو عماد جودية. كان عندما تعرفت إليه صحافياً يعمل في مكتب جريدة «الاتحاد» الظبيانيــة، وكنت آنذاك أكتب لهذه الجريدة تعليقاً أسبوعياً في الاقتصاد والسـياسـة خلال الثمانيــنات. انتقـلـت بعدها إلى الكتابة في مجلة «المجلة» السعودية التي تصدر فــي لندن، ولكن صداقتــي مع عماد بقيت وطيدة.
في المرحلة التي سبقت موعد الانتخابات الرئاسية في لبنان عام 1998 كان عماد همزة الوصل بين العماد إميل لحود وبيني، وكان أكثر المتحمسين اندفاعاً لترشيح العماد لحود للرئاسة الأولى في لبـــنان، ومن أخلص المؤمنين بطاقات الرجل وكفاءاته ومزاياه. ومنذ بروز الدكتور بشار الأسد على ساحة التواصل بين لبنان وسورية في عهد والده المغفور له الرئيس حافظ الأسد، بات عماد يؤدي دور الرسول بين الدكتور بشّار وبيني من خلال أحد أعوانه المقربين.
ولدى انتخاب العماد أميل لحود رئيساً أضحى عماد مستشاراً في رئاسة الجمهورية يحتفـظ بمكتـب فـي قصـر بعبدا ويلتقـي الرئـيس يوميـاً تقريبـاً. وقد خصصته بمكتب في السـرايا الحكومية أيضاً، فتابع الدور الذي يؤديــه فــي تأمــين التواصل بيني وبين الرئيس خلال الأيام الفاصلة بين لقاءاتنــا في كل شأن لا يستوجب عقد لقاء خاص مع الرئيس، وفي كل شـأن لا يمكن معالجته هاتفياً. فكان الدور الذي أداه على صعيد تعزيز أسباب التفاهم والتعاون بيننا مشهوداً. يهمني أن أسجّل ذلك بدافع العرفان والتقدير.
