2005/02/16

logo.jpg (5438 bytes)

 

 

front




لحظة الانقطاع

جوزف سماحة
هناك من فعل كل شيء، كل شيء حرفيا، حتى يكون متهماً باغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يعد باقياً إلا ضبط الجاني الملطخة يده بالدماء. وحتى لو سلمنا ب<<نظرية المؤامرة>> الرائجة (الحقيقة الحقيقية هي غير ما يبدو الأمر عليه)، فإن ذلك لا يغيّر شيئاً في النتيجة الواقعية: ان السلطة متهمة إلى أن تثبت براءتها. هذا إذا ثبتت. إن هذه القناعة راسخة لدى قطاع واسع جداً إلى حد انه لو تبنى أسامة بن لادن شخصياً العملية لقيل انه <<عميل>> عند خصوم الحريري.
لا أحد يملك قياساً لمعرفة اتجاه الرأي العام. غير ان الانطباع السائد يقول إن المعارضة باتت تمثل أكثرية شعبية. لم يحصل مرة أن كانت السلطة معزولة إلى هذا الحد، وصدقيتها موضع شك، وقاعدة ارتكازها بمثل هذا الضيق. لو كان هذا هو المعيار لوجب على هذه السلطة ان ترحل. فمن المفزع جداً ان يعيش المواطنون في ظل قناعة مؤادها أن <<الدولة>> تقتل مواطنيها، وتسخّر مؤسساتها للطغيان على من لا يقول قولها.
يتأسس على هذا الانطباع استنتاج سياسي شديد الدلالة: ثنائية الشرعية. ثمة شرعية أولى معزولة ومدانة ومتهمة وتعاني من خلل تكويني. وثمة شرعية ثانية شعبية، صاعدة، دينامية، تنتظر التداول. لقد استهدف <<المجتمع الدولي>> الأولى لأسباب خاصة لمصالح الدول النافذة فيه. ويأتي اغتيال رفيق الحريري ليعزل الشرعية نفسها عن المحيط العربي. فالرجل يمثل، في العمق، حضوراً عربياً في لبنان وجسراً من جسور علاقة البلد بمحيطه.
سيكون اليوم مناسبة لترجمة هذه العزلة الداخلية والخارجية ولتأكيد الخلل ضمن الثنائية. ففي يوم الجريمة عقد اجتماع في بعبدا قابله اجتماع في قريطم، وأعلن حداد من بعبدا وإضراب من قريطم، ودعي إلى مأتم وطني من بعبدا، وإلى مأتم شعبي من قريطم يستبعد مشاركة السلطة رسمياً فيه. خطان متوازيان يتنازعان النطق باسم بلد واحد. إن اليوم يوم اختبار. من سيأتي من الخارج؟ من يستقبله؟ من يرافقه؟ إلى أين يتوجه؟ هل تحصل مقاطعة لرموز الحكم؟ هل يزور المعزّون أهل السلطة المتهمة من جانب أهل الفقيد؟ هل يزكّي الزوّار المعارضين وحدهم؟ وفي السياق نفسه يتجه <<المجتمع الدولي>> إلى التصرف وكأنه وصي تصدر مواقفه عن انقسام تمثل المعارضة فيه أكثرية مهددة من قبل حكومتها.
لا شك في الاستهدافات الخاصة لقوى خارجية. ولكن لم يعد ممكنا السكوت عن الجهات التي لم تترك وسيلة إلا واعتمدتها من أجل إسناد أي تدخل خارجي إلى مرتكز محلي تزداد، يوماً بعد يوم، قوته وحجته!
يدخل لبنان في لحظة انقطاع حاد. نحن، اليوم، على عتبة الوصول الى المرحلة التي لن يعود ممكناً فيها انقاذ أي شكل إيجابي من العلاقات اللبنانية السورية. إن المحاولة المستميتة، والمميتة، والمستحيلة لتثبيت الوضع القائم ولدت اعتراضاً يدعو، عن صدق أو خبث، إلى صيغة أخرى للعلاقات الثنائية، مختلفة لكن أخوية. إن هذا النوع من الاعتراض هو قيد الانهيار. من كان يؤمن به بات، اليوم، أقل إيمانا. ومن كان يضمر غير ما يعلن بات في موقع القدرة على الجهر.
إن المسؤولية عن هذا التحول الزاحف تقع، بدرجة حاسمة، على الحكمين اللبناني والسوري. لقد أتيحت لهما فرصة مديدة من اجل بناء روابط عميقة، شعبية، اقتصادية، سياسية، استراتيجية. غير انهما أسقطا هذه الفرصة
وغلبت السلبيات الايجابيات بما لم يعد مسموحاً اعتباره مجرد أخطاء متكررة.
يبدو أن العطب بنيوي، ولا علاج له، إذا كان ثمة علاج، الا بتحولات جذرية... جذرية في الاتجاه المعاكس تماماً للعلاجات الجذرية المتبعة.
الأزمة اللبنانية إلى تفاقم. ثمة أكثرية شعبية تريد التحول إلى أكثرية سياسية، وثمة أقلية متحكمة بالمؤسسات وتعاند أي تغيير. كل ما يحصل في العالم والمنطقة يدفع نحو مزيد من الاحتدام ويعزز موقع فريق على حساب فريق. ولا شيء يضاهي عنف الضغط الخارجي على سوريا ولبنان للتنازل عما هو شرعي في مواقفهما إلا بؤس الأداء في الرد والممانعة والتصدي.
يقال إن الواجب الأول لرجل واقع في حفرة هو أن يكف عن الحفر. هذه البديهية لا تبدو بديهية. هناك، من يحفر، في لبنان، قبراً للوطنية والعروبة مستغرباً أشد الاستغراب سلوك من يتردد في القفز إليه لدفن نفسه فيه. ويطال الاستغراب تجرّؤ البعض على التأكيد بأنه يسير إلى الهاوية بعيون مفتوحة ومن يعلن أنه أسير مواقف ومواقع ما يمنع <<وعي الخسارة المحتومة>> من إرغامه على زيادة منسوب الانتهازية في خياراته.
إن لبنان الذي سيولد من الأزمة المتفاقمة هو لبنان المعارضة. هذا هو الافق. وتتشكل معالم هذا البلد الجديد أمام أعين الجميع من غير أن يسمح غباء الحكام بقياس جدي لكفاءة خصومهم. لا نعرف موازين القوى في هذا <<اللبنان>> المستولد علماً ان غياب رفيق الحريري يدخل عليها تعديلاً دراماتيكياً لحساب الجناح الأكثر تشدداً في المعارضة، والاكثر ابتعاداً عن أي وص5فة للعروبة، والاكثر جذرية في السلبية حيال المحيط. لا نعرف، كذلك، برامج القوى الصاعدة، ولا حلولها.
إلا أن هذا المسار يطرح سؤالاً ويثير قلقاً.
أما السؤال فيتعلق بكلفة المخاض. ستكون عالية على الارجح. أما القلق فهو على مصير المقاومة وما تعنيه من تجسيد لخيار إقليمي يعاند إعادة هيكلة المنطقة وفق المشروع المعبر عن اندماج العدوانية الأميركية بالتوسعية الإسرائيلية.
ومن اللافت أن المقاومة هي التي تدفع أثماناً فادحة بدلاً لأخطاء يرتكبها غيرها باسم حمايتها. لقد باتت، بعد 14 شباط، في موقع أكثر هشاشة نتيجة المعطيات الناتجة عن جريمة اغتيال الحريري.
... الى منتدى الحوار
Discussion Forum
 
الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة
رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة
 
©2005 جريدة السفير