|
|
|
آخر تحديث Wednesday February 23, 2005 الساعة 09:11:51 AM |
|
كلهم شاركوا في اغتيالك أحب بيروت فدمروها. آمن بلبنان فسخروا منه. وثق باللبنانيين فقسموهم طائفياً. رعى الطائف فأهملوه. بنى لبنان فابتزوه. جمع اللبنانيين فاغتالوه! جريمة غير عادية لاستهداف شخص غير عادي. بجريمتهم تلك لم يغتالوا الحريري وحده، بل اغتالوا معه السياسة في لبنان، الحياة الإقتصادية، الحركة السياحية، النشاط المصرفي، الوحدة الوطنية، الأمن والإستقرار... باختصار قتلوا لبنان أما من تمثل هذه الـ«هم» فهي في الواقع تمثل جميع اللبنانيين بكافة فئاتهم، بمن فيهم المعارضة، الموالاة، المقاومة، السلطة اللبنانيية، والسلطة السورية. فالحريري لم تقتله نيران التفجيرات، بل قتله حسد السياسيين وصراع اللبنانيين الذين أحبّهم. وفي النهاية نحن الخاسرون. فمثل كل مرّة يستفيق اللبنانيون متأخرين على الحقيقة دون جدوى من ذلك. فها هي المقاومة اللبنانية، التي لم تبايع يوماً حكومة الحريري رغم الدعم الذي كان يقدمه لها. كما أنها لم تسانده يوما في موقف له وهو الذي جال العالم لتأمين تفاهم نيسان وشرعية مقاومتها، وهو الذي حرص على احتضانها ولعب دوراً كبيراً في إخراج المعتقلين من خلال علاقاته الدولية. ها هي اليوم تصرح عن اللقاءات السرية التي كانت تعقد بين الأمين العام لحزب الله وبين الرئيس الشهيد. تلك اللقاءات التي كان يتوجب على المقاومة أن تكشفها لجماهيرها لما لها من أثر إيجابي في تقوية العلاقة بين الشيعة والسنّة. أمّا المعارضة، فمن جهتها، لم ترحمه يوماً، لا حين كان في السلطة ولا ساعة خرج منها. فكم من مرّة كان يناصرها في مواقفها المحقة وسرعان ما يعود عناصرها لتحميله مسؤولية العديد من القرارات التي كانوا يدركون جيداً بأنه غير موافق عليها، وذلك لعدم رغبتهم بالمساس بمركز رئاسة الجمهورية المسيحي. وحتى يومه الأخير بقوا يلاحقونه و يحرجونه ليعلن معارضته (أي أنه إستشهد وهو لم يعلن بعد معارضته). وها هم اليوم ومن أمام ضريحه يستغلونه كما فعلوا دائماً (خاصة حلفاءه في المعارضة)، ويطلقون شعارات لم يتبناها يوماً ويرفعون سقف معارضتهم إلى حد قد يخنق الوطن. وهذا بالطبع ما لم يكن يريده يوماً الرئيس الشهيد. والسلطة الكريمة من جهتها لم تتوان يوماً عن مهاجمته بشتى الطرق الممكنة. ولا يمكن لأحد أن ينسى الحملة الإعلانية التي شنتها ضده في إنتخابات العام 2000 ولا حتى ما قامت به قبل أيام من إستشهاده حين تخلّت الدولة عن جميع مسؤولياتها وتفرّغت لمحاسبته على أقل هفوة، وحين لم تجد شيئاً ضده اختلقت قصة المساعدات الإجتماعية التي كان يقدمها، واتخذت منها إحدى أبرز قضاياها التي تتوقف عليها نزاهة الإنتخابات النيابية! إن من مسؤولية الدولة ان تصرف الانتاج المحلي وعوض عن شكر ذلك الرجل الذي يساعد في انعاش الاقتصاد ومساعدة المحتاجين راحت تحاربه. وفي النهاية كغيرها من الافرقاء استنكرت الجريمة ونعته شهيداً، ونعت معه مسؤوليتها ومصداقيتها. وهذا ما أعطى المعارضة حجة إضافية لتصعيد موقفها. والسوريون، من جهتهم، أخطأوا في اختيار ممثليهم في لبنان، وأعطوا هامشاً واسعاً ودعماً كبيراً لوزارائهم في لبنان للتهجم عل الرئيس الشهيد، وإطلاق حملات التخوين والنعوت التي لا تليق بمسولياتهم. وماذا بعد موته، فشل الوزراء في«الترقيع» فالفاجعة كانت أكبر من أن تداوى بكلمات الاشادة بالزعيم الراحل. إلا أن الخاسر الأكبر كانت السلطة اللبنانية التي نعتها كل الفئات. فحتى الأمن والاستقرار الذي كان عنوان العهد الوحيد ولطالما تغنى بانجازه، سقط وفشلت الدولة في الحفاظ عليه، وبدلاً من أن تقدم هذه الدولة على خطوة بمستوى الحدث وتقدم استقالتها، لم يبادر رئيسها إلى إسكات وزرائه، الذين ساهموا عن قصد أو من دونه، في زيادة الشرخ بتقسيمهم مواطني دولتهم بين موال وطني ومعارض متصهين. ووصلنا إلى معادلة صعبة لا تحلها حتى استقالة الحكومة الكرامية التي لم تحافظ حتى على اسمها. والدعوة إلى حوار وطني جاء متأخراً جداً، فكان من المفروض على رئيس الجمهورية أن يستوعب الأزمة قبل حدوثها وأن يحاور المعارضة بطرق سلمية وأن يجمع بينها وبين الموالاة. الأزمة تجاوزت حدود الوطن فلقد تمادت المعارضة في مراهنتها على الخارج وتمادت من جانبها الموالاة في الدفاع عن سوريا، حتى أنها أصبحت «ملكا أكثر من الملك» وها نحن نهرب من إنتداب سوري إلى إنتداب أجنبي. إلاّ أن الحل الوحيد الذي قد يبدو غريباً، ولكنه ضروري لمصلحة الشعبين اللبناني والسوري، إذ أن الكارثة تهز قلب سوريا قبل لبنان، فالولايات المتحدة قد تتخذ منها حجة لشن هجوم عسكري على الشام. إذاً فالحل يكمن في تدخل رأس الهرم السياسي في سوريا، ولا يحتمل الحل تدخل أي رمز آخر سواء من السلطة السورية أو السلطة اللبنانية التي فقدت شرعيتها، خاصة وأنها لم تعد تشكل حكماً بين الأطراف اللبنانية بل أصبحت فريقاً من اللعبة ولم تعد بمستوى الحوار المطلوب. والحل يقضي بتدخل الرئيس السوري لعقد مفاوضات مع المعارضة بصفته يختزل الأطراف الموالية ويتم الإتفاق على وضع برنامج زمني لسحب القوات السورية ووضع أسس سليمة لإعادة جمع رفات العلاقة اللبنانية التي ساهمت وبشكل فاضح الإنتهاكات المتكررة للمخابرات السورية في السياسة الداخلية اللبنانية في زعزعة هذه العلاقة. ومن جهة ثانية فإن الرئيس السوري يدرك جيداً الخلفيات الإنتخابية لبعض المواقف (الوطنية!) للمعارضة فهذه المواقف لم تكن مطروحة في وقت كان بعض أركان المعارضة في السلطة ومستفيدين من هذه العلاقت الشائبة. وبالتالي يمكّنه ذلك من إخفاض صوت المزايدات الوطنية لدى المعارضة. الجميع أخطأ. ولقد كنت، أيها الشهيد، الضحية الكبرى. ضحية الخوف من إلغاء زعاماتهم على أثر التوحد وإلغاء الطائفية، ضحية سعيك لإحلال المساواة بين اللبنانيين. ما زالوا يحاولون جعلنا نبحث عن الخفايا التي تفرقنا وننسى القضايا الواضحة التي تجمعنا. ستكون قضيتك إحدى أبرز القضايا التي تجمعنا فلقد عشش حلمك في بناء وطن في نفوسنا وسنسعى لإكمال مسيرتك. وكما قالت إحدى مشيعيك: «لو دفنوك تحت سابع أرض رح تبقى قيمتك عرّاس». لمى إزرافيل
|