|
|
|
آخر تحديث Friday March 11, 2005 الساعة 01:21:22 PM |
|
المعارضة اللبنانية تحت مجهر المعادلات بقلم : أسامة سمعان يشهد لبنان انقساماً داخلياً خطيراً، وهو يتحضر لولوج انتخابات نيابية عامة في أيار 2005، بين المعارضة اللبنانية المستقوية بالقرار رقم 1559 الصادر عن الأمم المتحدة، ومن ورائها الأمم المتحدة وفرنسا وإسرائيل، والقوى الوطنية والقومية المتمسكة بالخيارات المتمثلة باتفاق الطائف، ومعاهدة الأخوة والتنسيق بين لبنان وسوريا. ومعها معظم الشعب اللبناني وقواه السياسية. وقد بلغ مستوى التصريحات، من قبل الطرفين ما كشف نوايا وأهداف كل منهما، فبات واضحاً تورط المعارضة اللبنانية بضبط حركتها على إيقاع المواقف الأميركية والفرنسية والإسرائيلية حيال لبنان وسوريا. وإذا ما وجد بعض المتفائلين بما يحدث هو مجرد عمل ديمقراطي طبيعي لا يخرج عن دائرة التحالفات والانتخابات، فلا يمكن مجاراتهم بما هم ذاهبون إليه، وذلك بسبب المعادلات التي تتحكم بمستقبل لبنان وتطوره. - المعادلة الأولى: لبنان ومواثيق التعايش من المعروف أن تطور نشوء الكيان اللبناني الحالي، كان نتيجة لتطورات إقليمية ودولية، ولم يكن نشوءه بفعل إرادة لبنانية، إذ أن القرار الذي اتخذه الجنرال غورو بقيام لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، لم يكن بناءً لرغبة شعبية لبنانية ناتجة عن استفتاء شعبي أو ما شابه، بل كان بناء لرغبة البطريرك الياس الحويك ووعد كليمنصو رئيس وزراء فرنسا له، خلافاً ونقضاً لإرادة اللبنانيين الحقيقية المعبر عنها أمام لجنة كينغ كراين 1919، والمؤتمر السوري الذي شارك فيه ممثلون لبنانيون عام 1920، والذي أعيد التعبير عنه في مؤتمر الساحل عام 1933. فالخلاف اللبناني- اللبناني حول نشوء لبنان كان قائماً منذ ولادته، ولذلك كان اللبنانيون بحاجة دائمة إلى مواثيق للتعايش معاً ضمن الكيان، ولهذا كان ميثاق 1943 الذي سقط، وكان اتفاق الطائف المهدد، حسب إعلان الموقف الفرنسي، بالسقوط بفعل القرار 1559. وترك اللبنانيين بدون تفاهم يعيشون في نفق الخلافات المظلم. المعادلة الثانية : لبنان والتجاذب الإقليمي. ومن الثابت تاريخياً، أن جبل لبنان منذ انضمامه إلى الدولة الإسلامية لم ينشأ فيه كيان سياسي مستقل عن الدولة، وجل ما شهده هو نظام الإمارة الذي كان جزءاً من التشكيل الإداري- الإقطاعي للدولة الذي كان معمماً فيها. وهذا التشكيل كان يفرض تبعية الدولة إلى دائرة أوسع هي الولاية، باستثناء فترة المتصرفية التي كانت فيها التبعية لمركز السلطنة العثمانية. ولهذا كان لبنان يتبع الولاية الأكثر جذباً سواء كان اسمها ولاية دمشق أو ولاية عكا. وقد تجلى ذلك في العصر العثماني إبان الإمارتين المعنية والشهابية. وعلى الرغم من تكبير مساحة متصرفية جبل لبنان في العام 1920 إلى ثلاثة أضعافها، فإن هذه المعادلة لم تتغير، ولنا في الأحداث التي تلت الحرب العالمية الثانية في المنطقة ما يؤكد هذا المشهد. المعادلة الثالثة: الاستقرار في لبنان رهن التفاهم الشرقي- الغربي: ونتيجة لتطور الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية، المترافق مع ضعفها المعبر عنه بالتدخلات الغربية في شؤونها الداخلية، قامت متصرفية جبل لبنان نتيجة لتوافق غربي متمثل بدول غربية أوروبية في طليعتها فرنسا، وبريطانيا، ومن الجانب الشرقي الدولة العثمانية، نتج عنه ما عرف ببروتوكول المتصرفية لعام 1861. بقي الاستقرار في لبــنان قائماً طيلة فترة التفاهم بين الأطراف الموقعة على البروتوكول، ولكنه سرعان ما انهار مع بداية الحرب العالمية الأولى 1914 وتوزع أطراف التفاهم بين جبهتي الحرب، فألغي نظام المتصرفية وسقط بالإجراءات التي قام بها جمال باشا من تعيين متصرفين مسلمين وصولاً إلى إلغاء الامتيازات إلى غير ذلك. وعندما انهار التفاهم الشرقي- الغربي عام 1958 انفجر الكيان مجدداً ليعود الاستقرار إليه بعد التفاهم المصري- الأميركي، ليستمر حتى العام 1967 عندما انهار التفاهم مرة أخرى بسبب الحرب العربية – الصهيونية، واستمر هذا التفاهم معطلاً حتى العام 1989 ليتجدد بين سوريا – والولايات المتحدة الأميركية حيث استعاد لبنان استقراره الأمني والسياسي. فالكيان اللبناني هو نتاج لتفاهم غربي- شرقي والاستقرار فيه هو رهن هذا التفاهم، فإذا ما سقط التفاهم تعرض الكيان لهزات داخلية دراماتيكية. المعادلة الرابعة: نظام التمييز الطائفي والحرب أهلية. لعل الجذور الطائفية في لبنان تغوص في أعماق التاريخ الحديث إلى الفترة التي الواقعة ما بين 1931 و1940، يوم تعرضت بلاد الشام للغزو المصري إبان عهد الأمير بشير الثاني الذي انحاز إلى الغزاة المصريين، وعمل على تحقيق سياستهم في محاربة الإقطاع، وقد تمثل ذلك بتجنيد الشباب الموارنة في ضرب الإقطاع الدرزي، حيث أسفرت النتيجة إلى تغيير ديمغرافي في منطقة الشوف من جبل لبنان لصالح الفلاحين الموارنة الذين تملكوا ما خسره الإقطاعيون الدروز. وقد تجلى النظام الطائفي في أبهى صوره منذ تطبيقه في بداءة عهده أيام القائممقاميتين، الدرزية والمارونية، والذي استعيض عنه بنظام المتصرفية الطائفي الذي نص على ديانة المتصرف العثماني كما نص على التمثيل الطائفي في مجلس الإدارة الاستشاري، وهذا ما حدا بوالي القدس عثمان باشا في معرض تعليقه على توقيع البروتوكول الطائفي إلى القول: "لقد وضعنا الحرب الأهلية في صلب الدستور". ولئن حافظ لبنان على الاستقرار الداخلي طيلة فترة المتصرفية، فإنما بفضل التفاهم الشرقي – الغربي وليس بفعل نظامه الطائفي، ولذلك وجدناه عندما ترك وحيداً بعد جلاء الجيوش الأجنبية عن أرضه في العام 1946 سرعان ما عاد إلى الحرب الأهلية في العام 1958 مستنجداً بالأسطول الأميركي لمساعدته على وقف الحرب، ولئن توقفت الحرب الأهلية يومذاك إنما لتعود عام 1975 بوتيرة أقسى هولاً وأشد بلاءً. ولذلك لا يستطيع أحد تبرئة النظام الطائفي من صفته كمشروع حرب أهلية دائمة. لسنا هنا في معرض إملاء الدروس على أقطاب المعارضة اللبنانية، فالجميع يعرف هذه الحقائق، وليس لدينا شيء نقوله لهم سوى العتب الكبير لقعودهم عن تنكب العمل والنضال من أجل تغيير هذه المعادلات. لهذا كان على المعارضة اللبنانية، بدل المطالبة بخروج السوريين من لبنان والاستقواء بفرنسا، أن تسعى لدى فرنسا التي "أحبت" لبنان، كما سعى البطريرك الياس الحويك إلى توسيع حدود لبنان، وتطلب المزيد من التوسيع حتى يضم لبنان كل أراضي سوريا الحالية. وهذا ما لا يرفضه السوريون. وبذلك يخرج لبنان من دائرة التجاذب الإقليمي ويصبح جاذباً لغيره غير مجذوب بغيره. وكان على المعارضة بدل استجداء الدعم الخارجي على الداخلي، تحت صخب المطالبة بقانون انتخابي يعمق الشرخ الطائفي، الضغط على المجلس النيابي لإلغاء الطائفية من الدستور اللبناني بكل أشكالها، فتقضي بذلك على شبح الحرب الأهلية الماثل دائما أمام الشعب اللبناني. وكان على أقطاب المعارضة اللبنانية بدل العودة إلى شعار قديم أطلقه أباء بعضهم "قوة لبنان في ضعفه" أن يستقووا بالمقاومة الوطنية اللبنانية التي أصبحت رمز حرية لبنان وشرفه وكرامته، لا أن يطالبوا بمطالب الأعداء في تجريد المقاومة من سلاحها. وكان على المعارضة، بدل تهديدها السلم الأهلي بتصاريحها الرنانة، أن لا توقع لبنان وشعبه، عندما كانت في الحكم، في فخ المديونية العالمية التي أصبحت سبباً رئيساً في خلق أزمة اقتصادية عاصية على الحل وتنذر بكارثة اجتماعية قل نظيرها. بقى علينا أن ندعو المعارضة اللبنانية إلى صحوة ضمير، إذا ما كانت عاجزة عن فعل ما ندعوها إلى فعله. فتكف عن الاستقواء بالخارج وترضخ لإرادة الداخل فتنتصر وينتصر كل لبنان.
|