كوادر في الحزب القومي يضغطون لعقد المجلس الأعلى
"لتصحيح الاوضاع التنظيمية والإدارية" في وضوء المتغيرات
بيروت – محمد شقير
تحاول
قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي التقليل من أهمية التحرك الذي
بادر إليه عدد من القيادات والكوادر الحزبية بدعوتهم إلى عقد مؤتمر
استثنائي للحزب لـ "تصحيح أوضاعه التنظيمية والإدارية والسياسية"
التي بدأت بوادرها مع التجديد لرئيس الحزب جبران عريجي في حزيران
(يونيو) الماضي لولاية ثانية.
وإذ
تقر القيادة بوجود مشكلة داخل الحزب، فإنها تعزو أسبابها إلى أمور
داخلية وتنظيمية ما زال الحوار قائماً في صددها من أجل التغلب
عليها، نافية أن يكون الموقف السياسي للحزب مدار أخذ ورد، ومشيرة
إلى وجود تحرك لعقد خلوة حزبية هي الثانية خلال أربعة اشهر، يمكن
أن تخصص لمناقشة كل ما هو مطروح في ضوء المتغيرات الحاصلة في البلد
والتي لا بد من أن يتأثر بها الحزب أسوة بسواه من الأحزاب
والتيارات السياسية.
ولفتت
إلى أن عقد الخلوة الحزبية مطروح على بساط البحث لكن القرار
النهائي يتخذ من جانب المجلس الأعلى بناء لاقتراح رئيس الحزب،
مؤكدة عدم وجود تداعيات يمكن أن تؤثر في وحدة الحزب كما كان يحصل
في السابق.
لكن
التكتم الشديد الذي تمارسه القيادة التي تحرص على عدم التداول في
القضايا الداخلية في الحزب في العلن ومناقشتها في إطار المؤسسات
الحزبية، تقابله مواقف معترضة من جانب القيادات والكوادر الحزبية
التي كانت قاطعت المؤتمر العام للحزب في حزيران (يونيو) الماضي
وأسست ما يسمى بالتيار الديموقراطي الذي يضم وجوها عدة بارزة يأتي
في مقدمها عايد خطار، جوزف العلم وجوزف السبعلي.
وقد
تقاطعت هذه المجموعة في الموقف، بحسب المعلومات المتوافرة لـ
"الحياة" مع مجموعة أخرى تضم أبرز الرموز التي كانت سابقاً في
قيادة الطوارئ قبل أن يصار إلى إعادة توحيد الحزب. وتتمثل هذه
المجموعة بكل من مسعد حجل، هيام محسن، منير خوري وعادل شجاع.
وقد
تداعت هاتان المجموعتان إلى اجتماع في منزل محسن في الحدث (في
الضاحية الجنوبية لبيروت) وانضم إليهما رئيس المجلس القومي في
الحزب منصور عازار وقررتا دعوة قيادة الحزب إلى عقد مؤتمر استثنائي
وذلك عبر التوقيع على عريضة تضم 25 في المئة من أعضاء المجلس
القومي البالغ عددهم 370 عضواً.
وأكدت
مصادر مقربة من المجتمعين أن اللقاء عقد ليل أول من أمس وأنهم
باشروا التوقيع على العريضة وإن الدعوة إلى مؤتمر استثنائي ستكون
ملزمة للقيادة بحسب ما هو منصوص عنه في النظام الداخلي للحزب.
وأشارت إلى أنها لجأت إلى التدبير المتعلق بالتوقيع على العريضة،
بعدما لاحظت غياب الاهتمام لدى قيادة الحزب بالدعوة التي وجهت
إليها، فضلاً عن عدم عقد المجلس الأعلى منذ تقديم رئيس الحزب
استقالته.
وأكدت
أن المجلس الأعلى، وإن أخذ علماً بكتاب الاستقالة الذي تقدم به
عريجي، لم يجتمع حتى الساعة لسببين: الأول إصراره على عدم البت في
كتاب الاستقالة، والثاني رغبته في تجنب اتخاذ أي موقف من الدعوة
إلى مؤتمر استثنائي، وهي دعوة يفترض أن تصدر عنه.
ورداً
على سؤال أوضحت المصادر أن للمطالبين بالدعوة إلى مؤتمر استثنائي
للحزب، مأخذ على الطريقة التي تدير فيها القيادة الشؤون الإدارية
والتنظيمية والسياسية، ولا سيما إن موقفها يتجاوز عريجي إلى النائب
أسعد حردان الذي يعتبر "الرجل القوي" في الحزب ويتمتع بنفوذ كبير
أتاح لرئيس الحزب العودة ثانية إلى القيادة على خلفية صفقة مباشرة
عقدها مع حردان.
واعترفت المصادر بالسطوة السياسية للنائب حردان على الحزب، التي
مكنته من الإمساك بزمام المبادرة وجعلت منه رجل الظل القادر على
السيطرة على القرار الحزبي. ورأت أن عريجي "لم يتمكن من قيادة
الحزب كما يجب" مؤكدة أن الصراع الخفي الذي دار في المؤتمر الحزبي
الأخير سرعان ما ظهر إلى العلن بعد أن لاحظ المعترضون على القيادة
أن لا أمل في إنقاذ الحزب ما دامت الذهنية التي تتحكم بمقدراته لم
تتغير. على رغم كل الهزات السياسية التي أصابت البلد.
ولفتت
المصادر ذاتها إلى "الشلل الذي أخذ يهدد الحزب في ظل عدم عقد
اجتماعات مجلس العمد (السلطة التنفيذية) منذ شهور، وقالت إن الآثار
السلبية لذلك بدأت تنعكس على منفذيات الحزب، خصوصاً في الشام وبعض
المناطق في لبنان وتحديداً في عكار.
واعتبرت أن لا حل أمام الحزب سوى الدعوة إلى مؤتمر استثنائي ليس
لاستيعاب المشكلات الحزبية، وإنما لإيجاد المناخ الطبيعي الذي يمهد
الطريق أمام انتخاب قيادة جديدة وقالت أن هناك مرشحين عدة لرئاسة
الحزب من بينهم علي قانصو، أنطون خليل، عبدالله حيدر، أسعد حردان،
توفيق مهنا وحسن عز الدين.
وأوضحت أن لا مانع لديها من أن يترشح حردان لرئاسة الحزب "طالما
أنه يدير الحزب بالواسطة"، مؤكدة أن المشكلة لا تحل باستبدال رئيس
آخر بعريجي، وإنما بإعادة الاعتبار للحزب ومؤسساته.
وأكدت
المصادر أن المشكلة تكمن في الاعتراض على النهج الذي تتبعه القيادة
والذي بات يهدد الاستقلالية التي يتمتع بها الحزب، خصوصاً بعد
موافقة القيادة على توزير محمود عبد الخالق في الحكومة المستقيلة
من دون أن تسند إليه أي حقيبة وزارية. وقالت إن الحزب تحول أخيراً
إلى جزء لا يتجزأ من السلطة اللبنانية وانغمس في تداعياتها ولم
يتمكن من أن يميز نفسه أو يحفظ لخصوصيته الهامش المطلوب انسجاماً
مع مبادئه ومواقفه.
ورأت
أن لا موقف شخصياً من توزير عبد الخالق، لكن "الشهوة الحزبية إلى
السلطة والركض من أجل الاستيزار بأي ثمن والدفاع أحياناً عن
الحكومة الذي لم يكن في محله" أضرت بالحزب وعقيدته وخلقت إشكالات
في القواعد الحزبية، فضلاً عن أنها اتبعت أسلوباً مع الاتحاد
العمالي العام أدى إلى إفراغه من محتواه النقابي والديموقراطي
والمطلبي بعد أن تحول إلى أداة بيد السلطة تديره كما تشاء.
وشددت
المصادر على الخطورة المترتبة على الحزب من جراء التغاضي عن أخطاء
السلطة، مؤكدة أن لا خلاف بين القوميين على الثوابت الوطنية
والقومية أكان بالنسبة إلى الموقف من دعم المقاومة والعلاقة بسورية
وإن التباين على هذا الصعيد يكمن في كيفية إدارة المواقف منها
والتعبير عنها.
ورداً
على سؤال، قالت المصادر أن القواعد الحزبية تأثرت بطريقة أو بأخرى
بالتداعيات الناجمة عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري،
ورأت أن في وسع الحزب أن يكون له هامش أوسع في التحرك، مشيرة إلى
"تبعية في داخل الحزب" طغت على ممارساته اليومية وكادت تفقده
شخصيته المستقلة.
وأشارت إلى أن الحزب بات في أشد الحاجة إلى وضع خطة من أجل استنهاض
أوضاعه الإدارية والتنظيمية، وقالت "إننا نطالب بذلك ليس لأننا نقف
الآن على عتبة الاستعداد للانتخابات النيابية وإنما لما للحزب من
دور قيادي بدا يهتز تدريجا". وبالتالي، فإن المعترضين أرادوا أن
يطلقوا صرخة من أجل إنقاذ الحزب قبل فوات الأوان.
"الحياة" العدد 15348 تاريخ السبت 9 4 2005