عريجي قدم استقالته بعدما شعر ان صلاحياته مصادرة ولا يمون على شيء
العاصفة
تهب على الحزب القومي
والمعارضة الحزبية تطالب بتقليص نفوذ حردان
لم يتردد أحد قياديي فريق
"المجلس الأعلى" في الحزب السوري القومي الاجتماعي عن القول عندما
رغب الانتقال الى فريق ما كان يسمى بـ"الطوارئ" عام 1989 "اذا أراد
أحدنا أن يصل الى موقع نيابي أو وزاري عليه أن ينتقل الى فريق
الطوارئ، فسوريا تقدم له كل الدعم السياسي وغير السياسي"·
وقبل ان تتم المصالحة "التوحيدية"
عام 1989 بين جناحي الحزب كان أكثر من قيادي في المجلس الأعلى قد
ترك والتحق بالجناح الآخر· وقتئذٍ كان رئيس الحزب حالياً جبران
عريجي يشغل منصب رئيس المجلس الأعلى في فريق "المجلس الأعلى" الذي
كان يرأسه انعام رعد في مقابل فريق حزب "الطوارئ" الذي كان يرأسه
عصام المحايري·
جبران عريجي كان ضمن الجناح
المطالب بإصلاح الحزب وقتئذٍ، وكان يحمل افكاراً إصلاحية، كانت
تعترض على تقليدية الحزب وجمودية نظمه، هذا من جهة ومن جهة ثانية
كان جناح إنعام رعد (المجلس الأعلى) متحالفاً مع ياسر عرفات منذ
بداية الأحداث اللبنانية فيما كان جناح عصام المحايري (الطوارئ)
متحالفاً مع سوريا·
على رغم التكتم الشديد الذي تحرص
عليه قيادة الحزب الحالية وغير الراغبة في تداول شؤون الحزب بصورة
علنية وعبر وسائل الإعلام، إلا أن الاستقالة التي قدمها رئيس الحزب
جبران عريجي لإعفائه من مهامه واعتكافه في منزله منذ اكثر من خمسة
عشر يوماً، دفعت صورة الحزب وما يدور حوله من خلافات الى العلن·
رأى مصدر قيادي في الاحزاب
الوطنية ان الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي اسسه انطون سعادة
في 16 تشرين الثاني 1932، لم يستطع خلال هذه المرحلة الطويلة ان
يعصم نفسه عن تداعيات الاحداث وتطورات الوضع السياسي العام في
المنطقة العربية، فالاحزاب مع مرور الزمن وتبدل القيادات التي
تتولى المسؤوليات فيها من الطبيعي ان تتأثر بالظروف والتحولات،
فهذه الاحزاب القائمة على مبدأ الاصلاح العام والتغيير نحو الافضل
من الصعب عليها ان تحافظ على "نقاء" النشأة، كما ان القيادات
المتعاقبة ليست نسخة طبق الاصل عن بعضها، وما يحصل الآن في الحزب
السوري القومي الاجتماعي حصل في مراحل سابقة للحزب نفسه، وحصل
ايضاً في الاحزاب الاخرى على اختلاف توجهاتها ومعتقدها"·
فرئيس الحزب جبران عريجي تولى
مهامه الرئاسية في شهر كانون الثاني 2001 بعدما تم تعيين رئيس
الحزب علي قانصو وزيراً للعمل، ونجح الرئيس عريجي في أن يترك بصمته
الميزة في العمل السياسي المشترك ضمن اطار الاحزاب الوطنية، ولكنه
عجز عن ذلك داخل حزبه، ووفقاً لمصادر موثوقة فإن عجز رئيس الحزب
عريجي عائد لمصادرة كل الصلاحيات التنفيذية الفعلية لرجل الحزب
القوي اسعد حردان (من جناح الطوارئ الذي كان يرأسه عصام المحايري)،
الذي نجح في قيادة العمل العسكري إبان الاحداث اللبنانية في جبل
لبنان وخصوصا في محور الشوير - بكفيا في مواجهة حزب الكتائب
و"القوات اللبنانية"·
وترجع المصادر قوة اسعد حردان
داخل الحزب للدعم الكبير الذي قدمته له سوريا بشخص رئيس جهاز الامن
والاستطلاع في الجيش العربي السوري في لبنان اللواء غازي كنعان
الذي كانت تربطه به علاقة قوية جداً، وهذا الدعم مهد ليحكم حردان
قبضته الكاملة على القرار الامني والمالي في الحزب وبالتالي
السيطرة على جميع المؤسسات الحزبية الاخرى من مجلس عمد الى مجلس
أعلى الى جميع المنفذيات في لبنان وسوريا·
وتضيف المصادر الموثوقة الى ان
الرئيس عريجي لمس عدم امكانية الاصلاح داخل الحزب في المؤتمر
الاخير للحزب عام 2004، فرغم ان المؤتمر اعاده الى موقع رئاسة
الحزب، الا ان الملاحظة على المؤتمر الاخير للحزب الذي شارك فيه
جماعة حردان فقط انه انجز خلال يوم واحد خلافاً للمؤتمرات العامة
السابقة للحزب، وذلك بعد ان تم لحردان ان يشكل مجلس العمد والمجلس
الاعلى من "جماعته"، فيما القيادات الحزبية الاخرى كلها جلست في
منازلها ولم تحضر المؤتمر العام احتجاجاً على ماهو سائد داخل الحزب
من مصادرة "شخصية" لصلاحيات وعمل مؤسسات الحزب خاصة وأن الحزب
القومي مشهور بأنه حزب مؤسسات·
منذ اشهر حصلت اشكالات في منفذية
دمشق فقرر رئيس الحزب جبران عريجي فصل بعض اعضاء هذه المنفذية،
لكنه عجز عن ذلك وهو رئيس الحزب بعد ان تصدى له اسعد حردان رافضاً
فصل أي حزبي من منفذية دمشق (هم من جماعة حردان)·
من هذه المظاهر ايضاً عمد اسعد
حردان الى السيطرة على منفذية عكار فأرسل جماعته وسيطروا على
المنفذية دون علم رئيس الحزب او الاخذ برأيه (وذلك تمهيداً للسيطرة
على الحزب ووفقاً للمصادر ذاتها)·
وكذلك عجز رئيس الحزب عن إقالة
مدير مديرية في بيروت، وعندما وجد ان 90 بالمائة من الاجراءات في
الحزب تتم من ورائه في حركة متعمدة لتجاهله وتخط لصلاحياته (المياه
تجري من تحته وغير شاعر) اعتكف في منزله وقدم استقالة شفهية ما زال
مصراً عليها، والمقربون من الرئيس يشيرون الى ان رئيس الحزب وصل
الى مرحلة "لا يمون سوى على سائقه، حتى حرس المقر الرئيسي في بيروت
الذي يتواجد فيه لا يمون عليهم، بل خشي في بعض الاحيان من ان
يمنعوه من دخول المقر اذا جاءتهم الاوامر···"، فهو لا يتسطيع ان
يتحمّل هذه الحالة الضاغطة بسبب كونه عاجزاً عن إدارة الحزب وفقاً
للأصول الحزبية·
وتفيد مصادر حزبية ان رئيس الحزب
عريجي ليس الوحيد المختلف مع القابض بيد من حديد على مؤسسات الحزب،
فهناك مجموعتان قياديتان تضمان كبار القياديين في الحزب اختلفتا مع
اسعد حردان وتعارضان اسلوبه·
المجموعة الاولى: ظهرت من داخل
الحزب وهي من فريقي "المجلس الاعلى" و"الطوارئ" قبل التوحيد، اعلنت
عن نفسها تحت اسم "التيار الديمقراطي" واعلنوا انهم يطالبون بأن
يكون الحزب ديمقراطياً ويعتمد ثقافة المؤسسات وفقاً لعقيدة الحزب
الاساسية ونظامه الداخلي·
المجموعة الثانية: اعضاؤها كانوا
مع حردان في فريق "الطوارئ"، وهم شخصيات معروفة ولهم تاريخ في
الحزب منهم الوزير السابق حسن عز الدين، مفيد القنطار، انطوان
خليل، النائب غسان الاشقر، مسعد حجل وهنري حاماتي·
وتضيف المصادر ان الحالة
الاعتراضة في الحزب يوجد "كباش" بينها وبين النائب اسعد حردان الذي
اصبح منذ سنوات مركز القوة الوحيد في الحزب، وان اسلوبه هذا دفع
بالكثير من القيادات لتجلس في بيوتها·
هل يوجد حل لهذه الازمة بعد
استقالة الرئيس الشفهية؟
تجيب المصادر ان رئيس الحزب يطالب
بصلاحيات ولو كانت صغيرة كي يعود عن استقالته، وهو يشعر انه بات
رهينة لمركز القوى التي تدين بالولاء لشخص واحد، ويطالب بالعودة
الى العقيدة وترسيخ عمل المؤسسات لا إلغائها كما هو حاصل·
كما ترى ان هناك عقدة اخرى اكبر
من عقدة رئيس الحزب، تتمثل بتيار المعارضة التي تطالب بحوار داخلي
شرط ان يكون صريحاً وحقيقياً لإيجاد حل لهذه الاشكالات ولإلغاء هذه
المفاهيم غير الحزبية، ومن ثم عقد مؤتمر عام حقيقي وليس "شكلي"
كالمؤتمر الاخير·
العاصفة التي تهب الآن على الحزب
السوري القومي الاجتماعي، هبت على غيره من الاحزاب الاخرى، وعليه
من اجل تصحيح اوضاع هذه الاحزاب لا بد أن تقوم بمراجعة حقيقية
لتقييم مسيرتها، وبالتالي العودة الى الاصول ووضع نظم وأسس للعمل
تتوافق والتطورات الحاصلة في لبنان والمنطقة·
سمير خليل
"اللواء" - 12 4 2005