|
|
|
آخر تحديث Thursday April 28, 2005 الساعة 10:17:45 PM |
|
في الذكرى الـ 50 لاغتيال عدنان المالكي الحزب القومي في الشام من جحيم المعتقلات إلى "جنة" الجبهة الوطنية الدكتور جورج جبور
1
-
كان اغتيال العقيد عدنان المالكي، نائب رئيس هيئة
الأركان العامة في الجيش السوري والضابط البارز، يوم
22/4/1955، أثناء حضوره مباراة
بكرة القدم في دمشق بين فريق الجيش السوري وفريق مصري، كان
نقطة تحول هامة في تاريخ
سورية السياسي الحديث. وأتى اغتيال العقيد المالكي تتويجاً لنشاط سياسي مكثف شهدته دمشق منذ مطلع عام 1955. ففي 18/1/1955 وصل إلى دمشق سفيراً لمصر لدى سورية، السيد محمود رياض الذي كان له دوره المؤثر في السياسة السورية حتى قيام الوحدة. وبعد وصوله بأقل من ثلاثة أسابيع سقطت آخر وزارة شكلها الرئيس فارس الخوري، وكان سقوطها مدوياً إذ تم نتيجة ضغط سياسي من الشارع نظراً لما شاع وقتها من تلكؤها في اتخاذ موقف مناهض لمحاولات عراقية هادفة إلى جر سورية للتحالف مع الغرب، ذلك التحالف الذي تجسد لاحقاً في حلف بغداد. ثم في 13/2/1955 شكل الرئيس صبري العسلي وزارته التي خلفت وزارة الرئيس الخوري، وشارك فيها- ولأول مرة منذ 1949- حزب البعث العربي الاشتراكي، مشاركة رمزية بشخص الوزير الدكتور وهيب الغانم، الذي سمي وزيراً للدولة ولكنه تولى- وهو الطبيب- ، وكالةً، وزارة الصحة. ولا ريب أن تسمية الغانم وزيراً للدولة إنما كانت ذات دلالة: إنه يعاين مدى انسجام سياسة الوزارة مع سياسة حزبه، ولا سيما في منعرجات السياسة العربية لسورية. ثم أنه، في شباط 1955 أيضاً، تم تعيين العقيد عبد الحميد السراج رئيساً للمكتب الثاني ( الاستخب! ارات) في الجيش، وهو المعروف بصداقته مع مصر وقربه من سفيرها محمود رياض. باغتيال المالكي قضي على الحزب السوري القومي الاجتماعي في الجيش، وكان لهذا الحزب مجموعة من الضباط ذوي النفوذ، ومعهم عدد كبير من ضباط الصف. كذلك باغتيال المالكي انتهى النقاش الفكري الذي عرفته الساحة السورية منذ أوائل الثلاثينات واشتد طيلة الأربعينات وفي النصف الأول من الخمسينات بين القائلين بأمة سورية والقائلين بأمة عربية واحدة. نؤرخ لهذا النقاش الفكري بمولد الحزب السوري القومي الاجتماعي ومولد عصبة العمل القومي العربي، أوائل الثلاثينات. وبالطبع تابعت حركة البعث العربي، التي أصبحت حزباً، هذا النقاش، وطورته، منذ أوائل الأربعينات. وبدا التحليل الذي قدمته دمشق الرسمية لمغزى اغتيال المالكي واضحاً جدّاً ومنطقياً جدّاً: تدور في المنطقة معركة الأحلاف. وفي هذه المعركة وقف الوطنيون، ساسةً وضباطاً، ضد الأحلاف الغربية المتجسدة في حلف بغداد، بينما كان موقف الحزب السوري القومي الاجتماعي ملتبساً، بل أميل إلى الوقوف مع الأحلاف. الاستنتاج الواضح المنطقي هو إذن كما يلي: قام الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتيال المالكي لكي يضعف جبهة مناهضي الأحلاف، بل ربما أيضاً ليبني على الاغتيال خطة انقلابية تأتي به إلى الحكم. إلا أن الاتجاه الوطني استطاع مباشرةً، وبقوة، إنهاء كل نفوذ للحزب السوري القومي الاجتماعي في الجيش وفي الشارع السوري. وتم تبني التحليل الذي قدمته السلطة، وهي قدمته مباشرة، إثر الاغتيال، وقبل القيام باي تحقيق فيه، تم تبنيه من قبل المحكمة العسكرية التي نظرت في الاغتيال، والتي أصدرت أحكامها بشأن المسؤولية عنه، والتي اعتبرت الحزب السوري القومي الاجتماعي جمعية سرية غير مرخصة ينبغي إيقاع العقاب بكل منتسب إليها. وبالفعل فقد عرفت سورية، منذ نيسان 1955 ولمدة تزيد عن عشر سنوات، اضطهاداً منظماً لأعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، بل ولكل من اشتبه بأنه منهم. ثم إن ثمة من يرى أن الاضطهاد استمر لأكثر من المدة السابقة بكثير- وسأعود إلى هذه النقطة في موضع لاحق- . تمثل هذا الاضطهاد في حرمان السوريين القوميين الاجتماعيين من الوظائف العامة، وفي أحيانٍ كثيرة في حرمانهم من مغادرة سورية. وكانوا طيلة سنوات معرضين أكثر من غيرهم للاعتقال كلما اهتز حبل الأمن في الدولة. باختصار: أصبح أعضاء حزب سعادة، ولمدة طويلة، مواطنين من الدرجة الثانية بل الثالثة. كم طال الاضطهاد؟ بدأ الاضطهاد حاداً عام 1955، واستمر كذلك حتى انتهاء حكم الوحدة عام 1961. ثم ضعف شيئاً ما أثناء حكم الانفصال الضعيف في كل حال. ثم لعله اشتد في العهد الأول لثورة آذار بين عامي 1963و1966، وتراخى بدءاً من العهد الثاني لثورة آذار في شباط 1966. ثم لعله لم يتلاشى نهائياً إلا في أواخر الثمانينات. في كل حال: هذه تخمينات أقدمها للقارئ دون أن أعرفها يقيناً، والمجال مفتوح لمن يشاء أن ينقح، وهو مفتوح خاصة لأهل " تحيا سوريا" ، وهم الذين عانوا، وفيهم نخبة من أقطاب التذكر والتفكر. 2 - من اغتال المالكي؟ من الثابت الآن أن السيد جورج عبد المسيح، رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي آنذاك، كان المسؤول عن الاغتيال، وأنه تصرّف على نحو انفرادي دون قرار حزبي. وقد حاكمه الحزب على فعلته هذه عام 1957 وطرده. ومن الثابت أن بعض أعضاء الحزب تعاون مع عبد المسيح في التخطيط للاغتيال وفي تنفيذه. إلا أن مسألة " وحدانية" مسؤولية عبد المسيح ، ومن معه عن الاغتيال، وهي مسألة يقينية لدى المحكمة العسكرية، أخذت تتعرّض للتشكيك، ربما منذ الأيام الأولى للاغتيال. وبلغ التشكيك حدّاً لا بأس به من القوة بدءاً من عام 1972، حين نشر المحامي الأستاذ رياض المالكي، شقيق العقيد، مذكراته تحت عنوان : ذكريات على دروب الكفاح والهزيمة (دمشق، مطبعة الثبات، 1972). يمتاز الأستاذ رياض المالكي بالصدق والاستقامة والاستقلالية. وكانت له تجربة مؤلمة أيام حكم الشيشكلي إذ اعتقل وعذب. كما كانت له تجربة سياسية بلغت ذروتها حين فاز بالنيابة عن دمشق في الانتخابات التكميلية التي جرت في الشهر الخامس من عام 1957 ( وكان منافسه الدكتور مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية). ثم بلغت ذروة ثانية حين عيّن وزيراً للثقافة في سورية يوم 8/10/1958 أثناء حكم الوحدة. و نظراً لشخصيته الاستقلالية كانت له مشكلاته مع حكم الوحدة، فأعفي من منصبه في أيلول 1959. و لم أعرف له نشاطاً عاماً يذكر منذ ذلك الوقت. قلت إن الأستاذ المالكي يمتاز بالصدق والاستقامة والاستقلالية، وبالفعل فقد سجل في ذكرياته وقائع توحي كلها بأنها تجسيد لتلك المزايا. وهذا لا ينفي طبعاً أن اتجاه مذكراته سلبي إزاء حكم الوحدة الذي أعفاه من منصبه الوزاري لأسباب تختص بابتعاد رؤية الحكم عن رؤيته، وهو البعثي المقرب من أكرم الحوراني. ضمن سقف التيقظ للتوجه السلبي الذي تأخذه مذكراته إزاء حكم الوحدة، ينبغي أن نقرأ ما خطه في الفصل التاسع من كتابه تحت عنوان "جناية كبرى وطابور خامس" (ص173-196). ينسب الأستاذ المالكي إلى السيد محمود رياض، سفير مصر، دوراً في المؤامرة على حياة العقيد المالكي. كان دور السيد محمود رياض إقناع العقيد عدنان المالكي بحضور مباراة في كرة القدم بين فريق الجيش السوري وبين فريق خفر السواحل المصري تجري يوم الجمعة في 22/4/1955. وحضر العقيد المالكي المباراة واغتيل. يرى الأستاذ المالكي بأن جريمة الاغتيال "لم ترتكب لصالح الحزب الذي خدع أعضاؤه بسراب السلطة.... بل إنما خططت بدقة من قبل دوائر المخابرات الاستعمارية، وقد هيأ الجو لارتكابها، وفي وضح النهار، خونة وعملاء كان بعضهم يحتل مركز السلطة أو القيادة العسكرية هنا في دمشق، وكان البعض الآخر يحتل مكان الزعامة والصدارة في بعض الأقطار العربية. ولذلك سهل على زعيم العصابة وشركائه الكبار الهرب من قبضة العدالة، وقد قامت بحمايتهم في لبنان ذاته.... دول وسفارات من بينها من كان يرفرف على مبانيها العلم العربي" (ص 182-183 ).
ثم في صفحات
تالية يوجه المؤلف، وبكل وضوح، تهمة السكوت عن تدبير جريمة
الاغتيال، يوجهها إلى العميد شوكة شقير، رئيس هيئة أركان الجيش
السوري (ص 183-188). ويسهب الأستاذ المالكي في تبيان ما رآه محاولة من العميد شقير لتحميل العقيد المالكي مسؤولية تسريح غسان جديد، رغم أن العقيد المالكي كان ضد التسريح. ويؤكد الأستاذ المالكي أن قرار التسريح إنما يحمل توقيع رئيس الأركان العامة ووزير الدفاع ورئيس الجمهورية، وأن هذا التسريح " كان حلقة من حلقات مؤامرة الاغتيال..." (ص 190). ثم إن الأستاذ المالكي يرى أن رئيس الجمهورية السيد شكري القوتلي كان "أحد المستفيدين من اغتيال أخي عدنان..." ( ص 193). هكذا إذن يبدو الأستاذ المالكي متأكداً أن ثمة في جريمة اغتيال العقيد المالكي شركاء للسيد جورج عبد المسيح. إنه يجعل من السيد محمود رياض والعميد شوكت شقير شريكين في التخطيط والتستر، كما يعتبر الرئيس القوتلي مستفيداً من الاغتيال. بل لقد أعلمني بعض أصدقائه المقرّبين أنه يعتبر الرئيس جمال عبد الناصر مسؤولاً شخصياً عن الجريمة (حديث مع نسيبه السيد ر. في 17/11/1991/). لم يتح لكتاب الأستاذ المالكي انتشار واسع، وهكذا فإن التشكيك بالتحليل الرسمي السوري عن الاغتيال بقي محصوراً في فئة ضيقة من قرّائه. إلا أن هذا التشكيك انتقل إلى شريحةٍ واسعة من المجتمع إثر نشر العماد مصطفى طلاس (وزير الدفاع السوري) الجزء الأول من كتابه "مرآة حياتي" (دمشق، دار طلاس، عام 1991). خصص العماد طلاس لاغتيال المالكي فصلاً من كتابه أسماه: "مصرع النسر" ( ص 465-484). في هذا الفصل وجه طلاس اتهامه بالضلوع في مؤامرة الاغتيال إلى ثلاثة هم: العقيد عبد الحميد السراج وهو آنذاك رئيس المكتب الثاني في الجيش، والسيد محمود رياض، والسيد أكرم الحوراني. ركز العماد طلاس على دور السفير رياض فكتب: "لا شك أن المخابرات الأمريكية لجأت إليه (أي إلى محمود رياض) أكثر من مرة وخصوصاً في اللحظات الأخيرة من هذه السويعة التي سبقت مباراة كرة القدم...لجأت إليه ليصر على المالكي بوجوب حضور المباراة" (ص477). ثم إن طلاس يبرئ الرئيس عبد الناصر من معرفة موضوع مؤامرة الاغتيال ويثبت في هذا الشأن استفهاماً استنكارياً هو التالي: "متى كان الرئيس مسؤولاً عن أعمال مرءوسيه وخصوصاً عبد الناصر الذي لم يبل الله! أحداً من عباده بمثل ما ابتلى به عبد الناصر من بطانته " (ص478-479). وتأتي كلمات طلاس منسجمة مع أسلوبه العام في الكتابة: ثمة جاذبية، لكن الدقة فيها ليست بالأمر المؤكد. وثمة إلى جانب ما ذكره كل من الأستاذ المالكي والعماد طلاس كتابات أخرى كثيرة تنحو منحى التشكيك في وحدانية مسؤولية السيد جورج عبد المسيح ومن معه من الحزب عن جريمة الاغتيال. وقد أطلق كتاب العماد طلاس المجال، دون خوف، أمام من يود أن يجتهد في الموضوع، مخالفاً وجهة النظر الرسمية السورية. لكن ماذا يبقى من وجهة النظر تلك التي تبنتها محكمة عسكرية شكلها وزير الدفاع، إن عارضها وزير الدفاع بالذات؟ وفي الحقيقة، ونحن على عتبة الذكرى الخمسين للاغتيال ،يمكننا القول أن الجريمة خطط لها فرد كان رئيساً لحزب، وآزره في التخطيط والتنفيذ عدد من أفراد حزبه، إلا أن عملية التخطيط والتنفيذ لم تكن سرّاً مكنوناً بالكلية، بل عرف بها وتغاضى عنها كثيرون، ولكل منهم سبب (شخصي في بعض الأحيان) جعله يعرف ويتغاضى. لقد كان للعقيد المالكي محبوه المتحمسون له، فليس غريباً أن يشعر العقيد السراج بأنه سيكون من دواعي ارتياحه إزاحته من الطريق. وليس غريباً أن يتشارك معه في هذا الشعور سفير مصر. كان المالكي أقرب إلى البعث، إذن ليس غريباً أن يشعر كل من السفير محمود رياض والعقيد عبد الحميد السراج أن إزاحة المالكي إضعاف للبعث عسكرياً، وأنها تمهد في مرحلة لاحقة لتحجيم البعث. في كل حال، ذهب أناس تلك الحقبة إلى بارئهم، ولم يبق لنا إلا الركون إلى استنتاجات مهما بدت منطقية إلا أنها لا ترقى إلى مرتبة الإقرار. و يبقى مطلوباً كل تدقيق تاريخي يبين جلية ما جرى في 22/4/1955 وما سبقه من تخطيط. 3 - كيف تمت رحلة الحزب من جحيم المعتقلات إلى "جنة" الجبهة الوطنية التقدمية التي أعلن الدكتور محمد زهير مشارقة، نائب رئيسها (ورئيسها رئيس الجمهورية) يوم 27/12/2004 أنها حققت إنجازات عديدة منذ انطلاق مسيرة التطوير والتحديث، ذكر منها /12/ إنجازاً كان نص آخرها كما يلي: " معاملة الحزب السوري القومي الاجتماعي معاملة أحزاب الجبهة، وتمثيله في مجالس الإدارة المحلية والسلطة التشريعية والمنظمات الشعبية وما إليها". لقد تمت تلك الرحلة بتدرج بطيء جداً بسبب صعوبات عقائدية وسياسية.
في عام 1950
كرست الجمعية التأسيسية السورية دستورية تعبير الأمة العربية
حين نصت الفقرة /3/ من المادة الأولى من الدستور على أن "الشعب
السوري جزء من الأمة العربية". وفي دستور 1950 نفسه الذي قطع الجدل –نظرياّ- في موضوع وصف الأمة، وردت إشارة إلى حق السوريين في تأليف أحزاب سياسية "على أن تكون غاياتها مشروعة ..." . كانت تلك أول إشارة في أي من الدساتير السورية إلى إمكان إنشاء أحزاب. أما القيود على ذلك الإنشاء فقد جاء النص عليها في ذات مادة حق التأليف، والنص الكامل للمادة كما يلي: " المادة /180/ (1) للسوريين حق تأليف أحزاب سياسية على أن تكون غاياتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم ديمقراطية". وليس في علمي أن أحداً اعترض، بعد إقرار الدستور، على شرعية الحزب السوري القومي الاجتماعي بدعوى أن غاياته غير مشروعة لأنه يؤمن بالأمة السورية لا العربية. وأتى، أيام الرئيس الشيشكلي، دستور عام 1953 ليكرر حرفياً، في المادة /17/ (1) نص المادة /180/ (1) آنفة الذكر.
وأيضاً ليس في
علمي أن أحداً اعترض على شرعية الحزب السوري القومي الاجتماعي. وبالطبع حين أتى حكم الوحدة عام 1958 ثم حكم البعث عام 1963، اشتد الإصرار على القول بأمة عربية، واشتد بالتالي النقض العقائدي للقول بأمة سورية. ولعل أحد أهم تجل ٍبعثي واضح معلن ضد القول بأمة سورية هو ما ذكره رئيس مكتب الإعداد الحزبي في القيادة القطرية السورية يوم 17/5/1992 تعقيباً على محاضرة لصاحب هذه الأسطر ألقيت في ندوة أقامتها القيادة. دعت المحاضرة ،(وقد نشرت مؤخراً على هيئة كتيب بعنوان: الحياة الحزبية في سورية ومستقبلها، دمشق، 2004، 78 صفحة من القطع الصغير)، إلى النظر في إمكان "إعطاء الشرعية للحزب السوري القومي الاجتماعي ذي الوجود الفعلي في سورية"، فعقب القيادي الحزبي بما يلي: "أقول للجميع أن حزب البعث العربي الاشتراكي أخذ موقفاً من الحزب القومي السوري الاجتماعي عندما أعلن هذا الحزب وجود الأمة السورية" (ص/65/ من الكتيب آنف الذكر). وما تزال الصعوبات العقائدية حائلاًً هاماً دون الحزب السوري القومي الاجتماعي ودون ضمه الواضح إلى الجبهة الوطنية التقدمية التي بني ميثاقها على أساس الأيمان بأمة عربية واحدة. وحاول صاحب هذه الأسطر، في محاضرته المشار إليها أعلاه، تخفيف حدة الصعوبات العقائدية بشأن تعبير الأمة، فذكر أن لبعض قياديي الحزب السوري القومي الاجتماعي "كتابات تقترب كثيراً من مفهوم الوحدة العربية، كتابات تكاد تحيل الخلاف حول معنى تعبير الأمة وحول المجموعة البشرية التي ينطبق عليها التعبير، تكاد تحيله إلى خلاف سيمانتيكي، أي لفظي" (ص 48-49 من الكتيب). ومما يذكر أنه لم يتم حتى الآن أي تنازل عن الموقف العقائدي الثابت من قبل أي من الحزبين: حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي. هل يمكن فض الاشتباك العقائدي بين الحزبين، وهو أمرٌ مطلوب؟ جوابي: نعم، بالإصرار على لفظية الخلاف، أي تجاهل مضامينه العقائدية، وهو ما أفضله. والأمر سهل عملياً. يمكن للحزب السوري القومي الاجتماعي الابتعاد عن استعمال تعبير الأمة السورية، والاستعاضة عنه باستعمال تعبير "السوريون" كلما أمكن ذلك. كذلك يمكن لحزب البعث العربي الاشتراكي القيام بخطوة موازية فيستعمل تعبير العرب كلما أمكن ذلك، بديلاً عن تعبير الأمة العربية. وجوابٌ ثانٍ بنعم، ويكون ذلك بمحاولة إقامة بناء نظري جديد للفظة الأمة، يوفق بين العقيدة البعثية فيها وبين حقائق الوضع على الأرض، تلك الحقائق التي تجعل "اللحمة" أشد تماسكاً بين سكان بلاد الشام. وهذا بالطبع هو الحل الأمثل ولكنه يستغرق مناقشات قد لا تنتهي ووقتاً قد يطول. ثم إنني أكتفي بهذين الجوابين، مناشداً كل من يرى أن لديه جواباً (أو إجابات) أفضل أن يتكرم بما لديه. ولكن: لماذا مطلوب فض الاشتباك العقائدي؟ لأن حالة تحالف قوية قامت بين حزب البعث والحزب السوري القومي الاجتماعي منذ بدايات تدهور الوضع الداخلي اللبناني عام 1975 وما نتج عن ذلك التدهور من تدخل سوري استمر فاعلاً رغم اعتراضات خافتة حتى صدور القرار /1559/ في أيلول 2005. كذلك مطلوب فض الاشتباك العقائدي لأن مسألة الوحدة العربية، ولا سيما منها الوحدة السورية- المصرية، لم تعد مطروحة نهائياً في ساحة السياسة والفكر السياسي. بدأت زيارة الرئيس السادات إلى القدس عام 1977 مرحلة جديدة في العلاقات السورية-المصرية عنوانها التباين في كيفية النظر إلى إسرائيل. ولم تستطع عودة العلاقات الدبلوماسية السورية- المصرية، قبل عقد ونصف، من أن تعيد إلى سورية ومصر نزوعاً ولو محدوداً إلى وحدة بينهما. انقضاء إمكان قيام وحدة سورية مصرية يجعل أمام سورية خياراً وحدوياً واقعياً (أو شبه واقعي) واحداً هو خيار الوحدة مع بقية بلاد الشام. وهكذا فإن البعث تعلم، عبر دروس قاسية، أن الوحدة إنما ستكون مع جيرانه المباشرين في بلاد الشام إن كان لها أن تكون. ثم إن الحزبين يتفقان في موقفهما من النضال العربي في مواجهة الصهيونية. وهما أيضاً حزبان علمانيان أساساً، مع ميل أشد لدى الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى علمانية واضحة القول بفصل الدين عن الدولة. فك الاشتباك العقائدي بين الحزبين يتيح لهما آفاق عمل مشترك أوسع في مجابهة عديد من المشاكل الخارجية والداخلية. ثم لا ريب أن للأحداث دورها في تحديد المسارات والصيرورات. لقد وجد الحزب السوري القومي نفسه حليفاً للبعث في سورية ولبنان، بل وفي كل بلاد الشام، كما وجد نفسه حليفاً له في بلدان الاغتراب. وتقبل حزب البعث دور الحزب السوري القومي الاجتماعي كحليف، لم يعوقه عن ذلك خلاف عقائدي حول معنى كلمة "أمة" ولا عن حدود المجتمع السياسي الذي يرجى بناؤه: هل هي حدود الوطن العربي أم حدود بلاد الشام أم حدود الهلال الخصيب ونجمته قبرص. ضمن أجواء تطور العلاقة بين الحزبين تقرر في 27/12/2004 أن يعامل الحزب السوري القومي معاملة أحزاب الجبهة. ولكنه بالتأكيد لم يصبح حتى الآن عضواً في الجبهة، له حق المناقشة في جلسات اتخاذ القرارات. وفي تقديري أن الأسابيع القليلة القادمة ستشهد انضمام الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الجبهة عضواً كامل العضوية، كما كنت اقترحت عام 1992. هذا بالطبع إن استمر نظامنا السياسي على حاله في خطوطه الأساسية، أي إذا استمر على أساس وجود جبهة بقيادة البعث توسع قاعدتها بضم أحزاب جديدة إليها. وتبقى المشكلة القضائية. هناك حكم صدر ضد الحزب السوري القومي الاجتماعي باعتباره جمعية سرية، ولم يتم إلغاؤه قضائياً بعد. هل ثمة مكان لدعوى إعادة اعتبار تنقض الحكم السابق؟ هل مثل هذا الأمر ضروري؟ أرى أن دعوى إعادة الاعتبار "حذلقة" يمكن الاستغناء عنها. ولعل من الأفضل أن يصدر بيان من وزارة الدفاع (وهي مرجعية المحكمة العسكرية التي أدانت الحزب السوري القومي الاجتماعي) يوضح رسمياً موضوع اغتيال الشهيد المالكي ويبرئ الحزب كمؤسسة من ارتكاب تلك الجريمة ويتطرق إلى موضوع الحكم القضائي بعبارات مناسبة. كذلك يمكن أن يصدر البيان عن قيادة الجبهة بمناسبة ضم الحزب السوري القومي الاجتماعي إليها. وفي كل حال يحسن أن يتم صدور أي من البيانين أو كليهما، في الذكرى الخمسين لاغتيال المالكي، أي في 22/4/2005. هكذا ينزع ذلك اليوم عن كتفيه رداء البؤس ليحل محله رداء تجاوز البؤس إلى مزيد من الوحدة الوطنية. · الدكتور جورج جبور : عضو مجلس الشعب السوري
أستاذ محاضر في
الدراسات
العليا،
كلية حقوق جامعة حلب. تم نشر المقال في نشرة "كلنا شركاء" (21/4/2005)
|