|
2005/04/06 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
التقت قوى كثيرة في ساحة الشهداء. لكن <<التيار الوطني الحر>> يتميّز عنها جميعاً بميزة ونقيصة.
إذا سلمنا بأن ما شهدناه هو <<انتفاضة استقلال>> (حيال سوريا)، وإذا سلمنا بتوحّد الشعب اللبناني للمطالبة ب<<الحرية، والسيادة، والاستقلال>> (والحقيقة)، فإن <<التيار>> يختلف عن الباقين بأمرين يجمعهما وحده:
الأول هو الأقدمية. إن الشعارات شعاراته منذ عقد ونصف. ولا يقلل من أهمية ذلك أن المرء يكون مخطئاً في السياسة إذا كان <<مصيباً>> بشكل مبكر. يبقى أن الحشد حصل في <<ساحة>> التيار. الباقون، معظم الباقين، انضموا إلى هذه الوجهة بعده: المعارضة المسيحية، الكتلة الدرزية، بعض اليسار، تيار <<المستقبل>>... أكثر من ذلك يستطيع <<التيار>> أن يدعي المبدئية في موقفه في حين أن كثيرين دفعتهم <<الممارسات>> إلى اكتشاف متأخر ل<<الحقيقة>>.
الثاني هو الطموح الوطني. والمقصود بذلك التوق إلى النطق باسم الوطن كله واللبنانيين كلهم وذلك بغض النظر عن الرقعة الطائفية التي يقف فوقها الناطق. ولعل جلاء موقف <<التيار>>، في هذا المجال، لا يستقيم إلا بالمقارنة مع الطرف الأقرب إليه في التطلب السيادي والذي يليه مرتبة من حيث الأقدمية: <<القوات اللبنانية>>. إن ما قيل في وصف حدث ساحة الشهداء الممتد على أسابيع يوحي أن اللحظة هي لحظة <<عونية>> أكثر منها لحظة <<قواتية>> وذلك على الأقل لجهة أن الاحتشاد حصل باسم الشعب الواحد في الوطن الواحد لا باسم <<المجموعات الحضارية التي يفترض بها تنظيم تعايشها في الوطن الواحد>>. إن <<التيار>> يبدو أكثر تصالحاً مع نفسه عندما تغلب <<الوطنية>> (هذه الوطنية تحديداً) <<التعايش الطوائفي>>. ويمكن القول إن <<القوات>>، مثل <<الشماعنة>> أو <<الكتلويين>>، يرتاحون أكثر في الحالة الثانية.
لا يعني ما تقدم أن <<التيار>> وحده، في ساحة الشهداء، كان متميزاً بالطموح الوطني. ففي وسع الحزب التقدمي كما <<المستقبل>> أن ينسبا إلى النفس ما يتجاوز القاعدة الاجتماعية المذهبية. ولكن، للأمانة، يتوجب القول إن همّ توكيد البعد الوطني (حرقة هذا التوكيد) هو <<عوني>> بصورة أوضح وربما لاختلاف صدور <<التيار>> عن البيئة التي يصدر عنها كل من <<التقدمي>> و<<المستقبل>>. ربما يشترك <<التيار>> في هذه الصفة مع <<اليسار الديموقراطي>> و<<حركة التجدد>>.
<<الأقدمية>> و<<الطموح الوطني>> عنصرا تمييز ل<<التيار>> عن قوى ساحة الشهداء. ولكن السؤال مشروع عمّا إذا كانت لحظة الذروة <<العونية>> هذه هي، بالضبط، لحظة ذبول <<العونية>>. لماذا التساؤل مشروع؟
نلاحظ من عقد ونصف تقريباً أن برنامج التيار هو كناية عن كلمة واحدة بثلاثة مترادفات: حرية، سيادة، استقلال. وسيكون في وسعنا الحصول على مجلدات إذا جمعنا كل ما قيل في شرح هذا البرنامج، ولكننا لن نحصل إلا على صفحات قليلة إذا أردنا أن نعرف <<ماذا في اليوم التالي>>. وفي كل مرة كان السؤال يطرح كان الجواب جاهزاً: نحن حركة تحرر في مرحلة تحرير ولسنا مطالبين فعلاً بأكثر من إنجاز هذا الهدف الأسمى. ثم نرى.
إن الجواب مصادرة على الواقع. فهو يصح، إذا صح، في حالة وجود إجماع وطني على الهدف وليس في حالة بلد عانى تشوّهاً بنيوياً أدى إلى جعل أزماته الوطنية الكبرى شديدة الارتباط بهويته، وموقعه الإقليمي، وسياسته الخارجية، وموقفه من العروبة وإسرائيل، ودوره في الصراع المندلع في المنطقة، وهواه العربي أو الغربي، إلخ.
وحتى في الحالة الفلسطينية حيث الأمور أوضح، نجد أن خلافات اندلعت حول قطرية المعركة أو قوميتها وحول المرحلية أو لا... كذلك ثمة حركات تحرير أخرى كانت هويتها الإيديولوجية مؤشراً إلى ما تنويه لاحقاً. وفي المثال الجزائري أدى إرجاء الأجوبة عن أسئلة مماثلة إلى سلسلة أزمات بدا معها أن التاريخ عاد فثأر من <<جبهة التحرير>> التي لم تكن واضحة كفاية حيال عناوين: الوطنية، العروبة، الإسلام، المضمون الاجتماعي، المسألة اللغوية، المسألة العرقية، إلخ...
لم يكن جواب <<التيار>> عن <<اليوم التالي>> مقنعاً. لم يكن <<الالتباس البنّاء>> بنّاءً بالفعل. ولكن الغموض الذي أمكن التعايش الصعب معه لسنوات لم يعد التعايش معه ممكناً في هذه الأيام بالذات: إن ساعات فقط تفصلنا عن إنجاز ما يوازي 95 في المئة من برنامج
<<التيار الوطني>>. ويعني ذلك عملياً أن تياراً شعبياً لبنانياً ذا حضور مؤكد سيكون، في الغد، من دون برنامج واضح إلا إذا كان هناك من يعتبر أن <<معالم على الطريق، وهي قليلة، تصلح برنامجاً جديراً بهذا الاسم في بلد يعاني ما يعانيه لبنان من أزمات. على التيار وقائده معرفة أن القليل مما هو جلي لا يشفي أي غليل. لا يصلح لمعارضة <<التيار>> فكيف لتأييده.
تتعزز أهمية هذه الملاحظة من أن حركة ساحة الشهداء، سواء كانت استقلالية أو ديموقراطية أو الاثنتين معاً، لم تتوسع مثل بقعة زيت تنتشر. لقد تحولت إلى ما هي عليه عبر الانضمام التدريجي لكتل بشرية إليها. إنه انضمام <<دوغما>>. وهذه الكتل قد لا تقبل الاعتراف بالوكالة الحصرية ل<<التيار>> على <<السيادة>> فكيف على ما بعدها، كما أنها قد لا توافق على منح الجنرال <<براءة اختراع>> الشعار ناهيك عن التسليم له بأطروحات المرحلة اللاحقة.
لقد انتهت <<العونية>> فهل يولد <<التيار الوطني الحر>>؟ وإذا كان سيولد فبأي اسم وأي برنامج؟ وما هي وجهة توظيف الطاقات المختزنة؟
كل ما ذكر سابقاً ينطلق من فرضية أن الملاحظات إنما موجهة من قلب هذه الحركة الواسعة. ولكن الانتقال إلى موقع انتقادي وعقلاني حيالها لا يفعل سوى زيادة التساؤلات وتحويل بعضها إلى مخاوف.
ليكن في علم <<التيار>> أنه، بالنسبة إلى كثيرين، ذو ماض مثقل. ذكريات <<حرب التحرير>>، إذ وضعت الشعارات على محك الممارسات، باقية. لا تمحوها دعوات غير جدية إلى <<لجنة تحقيق>> (ثمة منها ما يكفي). قد تمحوها مراجعة شجاعة تعرف كيف تتحمّل مسؤوليتها.
كذلك الإشارات السريعة والعابرة إلى <<اتفاق الطائف>> تبقى أقل مما يستدعيه هذا الظرف الحرج حيث يشهد الوضع اللبناني ميوعة استثنائية، ومخاطر جمة، وحيث يبدو كأنه أمام إعادة تأسيس.
ثم إن هناك ما يقلق في تصريحات <<العونيين>> لجهة تعريف السياسات الغربية، الأميركية تحديداً، في المنطقة، واستهدافاتها. ويزداد القلق من <<التشارك>> الذي حصل في <<قانون محاسبة سوريا>> والقرار 1559. لا يبدّد القلق كلام مشوّش عن المصادفة التي حصلت بين المصلحة الوطنية اللبنانية والمصلحة الوطنية الأميركية لأن الأوزان والأحجام هي، في الحقيقة، مدعاة إلى مزيد من القلق. وكذلك فإن <<التيار>> لا يوحي بما يكفي بما سيكون عليه موقع لبنان الإقليمي في مرحلة ما بعد السيادة المستعادة (لا ضرورة لتكرار <<مزحة>>: لبنان آخر من يوقع!). وإذا سلمنا بأن موضوع المقاومة وسلاحها هو أحد المواضيع المركزية في المرحلة اللاحقة، وإذا اعتبرنا أنه قد يكون معياراً للاصطفافات والتحالفات، فإن المواقف منه، لدى التيار، تشير إلى أن المضمون المعطى للوطنية اللبنانية والتزاماتها قد لا يرضي الحريصين على قدر من الطليعية اللبنانية في هذا المجال.
ثم إن من المشروع طرح علامات استفهام حول الهرمية التنظيمية في التيار، وحول النبرة الحداثية لخطابه الذي يشبه <<خطاب قسم>> شهدنا كيف عرف تحولات لم تبق فيه شيئاً من الإصلاح الموعود.
باختصار ثمة نقاط سوداء ورمادية. ثمة ثغرات عديدة. ثمة حاجة إلى أن نعرف أكثر عن <<اليوم التالي>>. إن ما في أيدينا قليل. والاستدلال هنا لا يكفي. الاستدلال بمعنى التعرف على المشروع من خلال قراءة سوسيولوجية لناشطي <<التيار>> ودورهم النقابي. نحن أمام كتلة تؤكد على علمانيتها، ووطنيتها، وتتبرأ من إسرائيل وتجنح نحو الانفتاح على فكرة المواطنية. ونحن أمام كفاحية واضحة، وحنق على الفساد والفاسدين، وشغف إلى دولة جدية ومؤسسات، وحس عدالي. ونحن، أيضاً، أمام مَن يتحمّل تبعات التميّز عن البيئة المباشرة من دون القطع معها... ومع ذلك فإن الاستدلال لا يكفي حتى لو كانت القوى الأخرى، في ساحة الشهداء، مكشوفة سواء في السلطة، أو المعارضة، أو السلطة ثم المعارضة. فهذه القوى تملك أفكاراً، ومشاريع، وممارسات، وفي الإمكان تحديد موقف منها. أما <<التيار>>...
إذا كانت عودة <<الجنرال>>، كما يقال، قريبة، وهي مأمولة، فإنها تفقد الكثير من قيمتها إن لم يرافقها هذا <<الوضوح البرنامجي>>.س
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |