|
المشهد العراقي
بعد عامين من الإحتلال:
الــدولــة
والـهـويــة والــمـواطــنـة
عبد الحسين
شعبان
في 9 نيسان 2005 يكون قد مرّ عامان على
احتلال العراق. الحرب المحسومة النتائج سلفا لم تستمر أكثر من ثلاثة
أسابيع، فقد بدأت بالقصف الاميركي صباح 20 آذار وانتهت باحتلال بغداد.
وبذلك لم ينته النظام الذي حكم العراق طوال 35 عاما فحسب بل انتهت
الدولة العراقية بحل مؤسساتها العسكرية والأمنية بعد تدمير
بنيانها التحتي ومرافقها الحيوية ومنشآتها الإقتصادية، وامتدت يد
الهدم لتصل الى المتاحف والمكتبات والجامعات ودور العلم وغيرها.
وفي غياب مرجعية الدولة ومؤسساتها عاد
العراقيون، وربما اضطرارا، إلى مرجعيات تقليدية، وإن كانت موجودة الا
انها ليست بديلا من الدولة ذات البعد الشمولي، مثل المرجعية
الدينية والمذهبية والعشائرية والمناطقية والجهوية والعائلية وغيرها.
الى درجة أصبح التشظي في المرجعيات وغياب مرجعية مؤسسية موحدة هو
الشكل الذي يعبر عن واقع حال مرير. اذ اتخذت بعض القوى الطائفية
والاطراف الاثنية مكانها في “التركيبة الجديدة” التي لم ترغب في
مبارحتها أو الاستغناء عن امتيازاتها، خصوصا ان حكم الاستبداد،
وفي ما بعد الاحتلال، لم يترك لهم خيارات اخرى. هكذا تشكلت ملامح صورة
ربما ضبابية لعراق قديم انهار ولعراق جديد لم ينهض بعد!
مرّ العراق خلال العامين الماضيين من الاحتلال
بثلاث مراحل. وإذا كانت المرحلة الأولى قد شهدت حكما مباشرا بواسطة
الحاكم العسكري الاميركي الجنرال جي غارنر، فان المرحلة الثانية شهدت
حكما اميركياً ولكن بمشاركة شكلية من جانب قوى عراقية. واتسمت المرحلة
الثانية التي دامت نحو عام بتحديد صورة العراق النمطية التي جرى رسمها
من جانب الدوائر السياسية والاستراتيجية الاميركية والغربية عموما منذ
أكثر من عقد ونيف من الزمان.
المرحلة الثانية اتسمت بقيادة حاكم مدني اميركي
للعراق ذاع صيته وتندر العراقيون بـ”سجاياه” وأعني به بول بريمر الذي
كان حاكما بأمره، كما وصفه بعض السياسيين ممن كانوا قريبين من
المشهد السياسي بمن فيهم بعض اعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذي
عينه هو نفسه. شهدت هذه المرحلة فساداً مالياً وادارياً وخضوعاً
وضعفاً من جانب الجهات العراقية التي تعاملت مع المحتل، حتى اصبح
القول ان الحكومة الإنتقالية الأولى والثانية هي “حكومة لكنها لا تحكم”
امرا واقعا، وليس مبالغة أو اتهاماً زادته حال الفوضى والانفلات الامني
واعمال ارهاب، ناهيكم عن اتساع اعمال مقاومة المحتل.
بول بريمر الذي جاء ليؤسس صورة العراق
المستقبلية ويعد مثل الرئيس بوش بحلول نعيم الديموقراطية وربيع الحرية،
حاول تكريس الاحتقان الطائفي والتوتر الاثني عبر تركيبة مجلس الحكم
الانتقالي، وذلك بتوزيع محاصصات ونسب على الفئات المختلفة مما
اثار تداعيات واشكالات قديمة - جديدة بخصوص الطائفية السياسية وتبعاتها
في الماضي والحاضر.
التشظي في رسم صورة العراق وتكويناته لا
يشمل الشيعة والسنة والكرد فحسب، بل اخذ الحديث يكثر عن تكوينات
واقليات اخرى مثل التركمان والكلدو آشوريين وغيرهم من
اديان صغيرة كاليزيدية والصابئة.
واذا كان الموزاييك العراقي مصدر اثراء وقوة
واجتماع للعراق على مدى تاريخه السابق والمعاصر، فان تلبية حقوق
الجميع مسألة اساسية ولا يمكن تجاوزها وفقا لمعايير حقوق الإنسان
ومنظوماتها، إلا أن الصورة الغربية استهدفت شيئا آخر أرادت له أن ينغرس
في الواقع الحالي، حيث اللهاث وراء الإمتيازات والتدافع والإلغاء بهدف
الحصول على أكبر قدر من المكاسب، وإن جاءت على طبق المحتل.
المجتمع العراقي الذي اريد الحديث عن مكوناته
قُسَّم تقسيمات غريبة، فاذا ارادوا الحديث عن الكرد يتم الحديث عنهم
كقومية وهذا امر مشروع، فهم مكون اساسي من مكونات الشعب العراقي
والعراق، ولا يمكن استقرار العراق وتقدمه دون حل القضية الكردية حلا
سلميا ديموقراطيا وانسانيا عادلا بالاعتراف لهم بحق تقرير المصير
واختيار الصيغة الملائمة لعلاقتهم بالشعب العربي شقيقهم الاكبر في
العراق سواءاً كانت الفيديرالية أم غيرها. اما اذا اريد الحديث
عن العرب فيتم عبر التمذهب والطائفية، فهم سنة و شيعة وليسوا عربا
يجمعهم الشعور بالانتماء العروبي والوطني والقومي. وهنا نعيد استذكار
أن الشيعة ليسوا عربا فحسب بل فيهم الكرد وبخاصة “الفيلية” وبعض
التركمان أيضا والسنة كذلك.
يمكنني القول: العراق وفقا لتقسيمات قومية
واثنية يتألف من عرب، وهم يشكلون غالبية سكان العراق (حوالي
80%)، وطبعوا هويته التاريخية والمعاصرة، وكرد، وهم قومية ثانية
اعترفت لهم الدساتير العراقية منذ العام 1958 بجزء من حقوقهم، “شركاء
في الوطن العراقي” (دستور عام 1958)، و”العراق يتألف من قوميتين
رئيستين هما العربية والكردية” (دستور عام 1970)، وهم يطالبون حاليا
بضمانات أكبر طبقا لصيغة الإتحاد الفيديرالي، بدلا من صيغة الحكم
الذاتي السابقة لعام 1974. كما يتألف من قوميات أخرى أصغر مثل
التركمان والكلدو آشوريين. العراق إذن يتألف من العرب وهم
القومية الكبرى والكرد وهم القومية الأساسية الثانية، إضافة إلى
التركمان والكلدو آشوريين وغيرهم. وبدون ضمان الحقوق القومية للأكراد
والحقوق الثقافية والادارية للتركمان والكلدو آشوريين وغيرهم، لا يمكن
الحديث عن التآخي القومي والاثني في العراق خصوصا ان الحكومات السابقة
تجاوزت على حقوق الأقليات ناهيكم عن تجاوزها على حقوق الإنسان، مما عزز
بعض الإتجاهات الإنعزالية والتي زادتها تركيبة بريمر.
اما اذا اردنا تقسيم العراق على اساس
ديني، فهو مؤلف من مسلمين (حوالى 95%) من السكان، ويشكل الاسلام
الهوية الغالبة للمجتمع العراقي، كما يتألف من مسيحيين كجزء من النسيج
العراقي لعبوا دورا مهما في تاريخه المعاصر، ويزيديين وصابئة وديانات
صغيرة اخرى. ويعتبر الاسلام مكوناً اساسياً منذ اكثر من 1400 عاماً
وشكل مركزا للحضارة العربية - الاسلامية. إن ضمان حقوق الأقليات
الدينية وتطمينها سيساهم في لحمة المجتمع العراقي، بدلا من تشجيع بعض
النزعات الضيقة، خصوصا ان حقوق الأقليات تعرضت في الماضي إلى التجاوز
والهدر السافر أحيانا.
حسب تقديري هذه هي الصورة الواقعية لعراق موحد،
جامع، وليس مفترضاً، بمعنى عراقات، وبلدات ومناطق وطوائف واثنيات، وان
كان الاعتراف بالتمايز والخصوصية مسألة مهمة. اذ ان تلبية الحقوق
الخاصة هو رفد وتعزيز لحق المواطنة، الجامع للحقوق العراقية،
خصوصا بإقرار مبدأ المساواة، الذي لا غنى عنه للمواطنة الكاملة وغير
المنقوصة طبقا لمواثيق حقوق الإنسان.
أما المرحلة الثالثة فيمكن اعتبارها المرحلة
الاميركية – الدولية بمشاركة “عراقية”. كان وفي مقدمها سن قانون إدارة
الدولة العراقية الموقت في 8 آذار 2004 وتسليم “السلطة” إلى
العراقيين في 30 حزيران وصدور قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1546
الذي أكد على دور القوات المتعددة الجنسية ولكن بقيادة اميركية، وهيأت
هذه المرحلة لإجراء الإنتخابات في 30 كانون الثاني 2005.
اتسمت هذه المرحلة بقلق وهواجس من الأطراف
المختلفة. الأطراف التي حصلت على امتيازات طائفية، تحاول تكريسها سواء
عبر الشارع أو في انتخابات غير شاملة ولكنها قانونية لأنها أجريت ضمن
قرار مجلس الأمن الرقم 1546 وقانون إدارة الدولة العراقية. وهي لم تكن
إنتخابات تتمتع بالشرعية الكاملة بسبب مقاطعتها في بعض المحافظات من
جانب بعض القوى والفئات وكذلك الإنتقادات الشديدة للقانون الإنتخابي
وعدم تمثيل المحافظات وبعض التجاوزات والإعتراضات. أما القوى الممانعة
والرافضة فإن بعضها يريد تحسين مواقعه، ويبدو أنه لا يهتم كثيرا بجدولة
الإنسحاب وإنهاء الإحتلال وإيجاد بدائل من الإحتقان الطائفي والتوتر
الإثني، عبر حوار وطني ومصارحة ومصالحة، يمكن أن تكون عبر الأمم
المتحدة وإشرافها،إضافة إلى جهات عربية ودولية تمهيدا لإنهاء الإحتلال.
المرحلة الثالثة للإحتلال الاميركي شهدت مقاومة
من جهة وأعمال عنف وإرهاب وتفخيخ للسيارات وقطع للرؤوس وجز للأعناق من
جهة اخرى، جعلت الولايات المتحدة والقوات المتعددة الجنسية تعيش ظرفا
صعبا، خصوصا الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها بشريا وماديا. الآن لم
تستطع إحكام قبضتها على الوضع العراقي الذي ما زال معوّما. فمنذ أكثر
من شهر ونصف جرت الإنتخابات وحتى الآن تحول التوزيعات الاثنية
والطائفية دون إعلان تشكيل الحكومة وربما عند الإعلان ستواجه إعتراضات
كثيرة، لا من القوى الممانعة والمعارضة بل من القوى الموالية والمؤيدة
بحيث تجعل مهمتها عسيرة لكونها لا تمثل كامل الطاقم الذي تعامل مع
الإحتلال ناهيكم عن عدم تمثيلها فئات وقوى مانعت واحتجت أو عارضت
المشاركة منذ البداية، وهي تيارات واسعة.
التوزيع الاثني والطائفي سيشكل هما رئيسيا
للحكومات المقبلة. صحيح انه غير منصوص عليه، لكنه سيشكل عرفا يصبح من
الصعب تجاوزه، ولعل الوضع اللبناني يمثل صورة صارخة للمحاصصة الطائفية.
كل ذلك سيزيد الاحتقان الطائفي والاثني وسيعاظم من حالة التشظي وضعف
المواطنة، واحلال المرجعيات المحلية، الجزئية، الصغيرة، محل الهوية
العراقية، والوطنية العراقية، العنصر الجامع للوحدة الوطنية.
أعتقد ان الاحتلال يتحمل المسؤولية الاساسية في
الوقت الحاضر عن تكريس هذه الظاهرة وتعميمها بفعل إلغاء مؤسسة الدولة
بما فيها القوات المسلحة وشرطة مكافحة الجريمة وحرس الحدود وشرطة
النجدة وغيرها. ولعل التمييزات السابقة والتعكز على الطائفية السياسية
احيانا كان وراء التمترس الطوائفي الذي لم يكن في معزل عن دعم خارجي
دولي واقليمي.
---------------
باحث قانوني عراقي مقيم في لندن
|