|
2005/05/05 |
|
front |
|
| ||
| ||
| ||
ما أورده الرئيس إميل لحود في رسالته إلى مجلس النواب صحيح. إن <<قانون الألفين>> تمييزي ويؤثر على التمثيل النيابي الصحيح. لكن الرئيس إميل لحود مسؤول عن القانون المشار إليه، والمجلس الناتج عن القانون هو الذي مدّد له. فمن أين تأتيه <<الشجاعة>>، مرة، لشتم مجلس انتخبه، وثانية، للطعن في قانون أوصل مجلساً مدّد له؟ ربما هي النهاية المنطقية لمقولة <<لا أطلب شيئاً لنفسي>>... طالما أنا مرغم على القبول فأنا لا أدين لأحد بشيء!
هل يريد لحود بديلاً ديموقراطياً عن <<قانون الألفين>>؟ لا. إنه يريد البديل الذي وافق عليه كجزء مما اعتقده <<صفقة التمديد>>. ففي رأيه أن الصفقة كانت تقتضي المساعدة على تصحيح التمثيل المسيحي مقابل غض النظر عن التمديد الذي يسمح للحود بأن يكرّر خلال السنوات الثلاث ما فعله في عهده الأصلي. غير أن الطرف المحلي الثاني في الصفقة، أي البطريرك نصر الله صفير، لم يكن في هذا الوارد إطلاقاً. فهو يعترض على <<اللحودية>> واستمرارها لا على لحود شخصياً.
حصل لحود على التمديد ولم يحصل على المباركة. وحصل صفير على الانسحاب وبقي القانون الانتخابي معلقاً. ما لم يكن ممكناً في السابق بات أكثر احتمالاً الآن: المباركة مقابل القانون. هذا إذا لم نقل إنه بات في الإمكان تطوير الصفقة لتصبح <<مباركة>> مقابل إسقاط ما تبقى من <<اللحودية>> وذلك عبر مجلس نيابي جديد يحتضن دينامية ترمي إلى استكمال تطبيق 1559.
يتصرّف الرئيس لحود كمن يود شراء المتبقي من الولاية الممددة عبر تموضع طائفي يؤمّن له الحماية والاستمرار. ويلوّح، أو يفعل بعض المقرّبين منه، بأنه قد يصل إلى حد مخالفة الدوافع التي يقال إنها كانت وراء التمديد. كان رئيساً يبحث عن التمديد ببعض شروطه فبات رئيساً ممدداً له يبحث عن... طائفة! ويعني ذلك أن لبنانيين يجدون أنفسهم في ورطة الحصول على لحود وعلى نهج مرفوض في حين أنهم مدّدوا... ل<<اللحودية>>.
من المبكر الحسم في أن الرئيس حسم أمره. لكن ثمة إشارات تنذر بالسوء. منها، مثلاً، مشكلة تعيين مدير جديد للأمن العام. لقد <<استحق>> الرئيس، دعماً لموقفه، بياناً حاراً من <<الرابطة المارونية>>. ومنها، مثلاً، الحملة الإعلامية ذات النبرة الطائفية الصارخة رداً على ما يعتبر افتئاتاً على حقوق طوائف وليس رداً باسم مواطنية ما. ومنها، مثلاً، انفلات من يجري تقديمهم كناطقين باسم الرئيس. ثم يأتي الكتاب إلى مجلس النواب. ويتم التلويح بعدم التوقيع على دعوة الهيئات الناخبة. ويلاحظ أن لحود لا يتبرّأ من كلام حلفاء له يربطون علاقتهم السابقة بسوريا، حصراً، ب<<مصلحة المسيحيين>> بما يوحي أن هذه المصلحة قد تقود إلى علاقة مع عواصم أخرى كما سبق لها، ذات مرة، أن كانت مرتبطة بإسرائيل!
من المبكر الحسم. ولكن إن حصل ذلك تكون اكتملت، أو كادت، المفاعيل السلبية للتمديد. نصبح أمام الجريمة الكاملة: هناك من دفع من رصيده ثمناً غالياً للتمديد فلما حصل عليه بات عليه أن يوالي دفع الثمن ليس لحمايته وإنما للاحتماء منه! وستعزز هذه الحالة انكشاف كم أن الأمر كله كان، في جوهره، تعبيراً عن مأزق.
لم يكن الرئيس لحود مطالباً، طيلة ولايته، بسياسة (إنما بتغطية سياسة). كان مطالباً بموقف. ولقد فعل. هذا ما تقتضيه الأمانة القول. ولقد جعله ذلك في تناقض حاد مع بيئته الطائفية. واللافت أنه تكفل (مع آخرين في لبنان وسوريا) بالباقي، أي بتجويف المجتمع اللبناني وإفقاده عناصر الممانعة، وبالاستزادة في هذا التجويف بقدر صعود المشاريع الغربية المعادية إلى ذرى جديدة. وتبيّن، عند لحظة الحقيقة، أن في الإمكان الزعم بأن استمرار الخيار الإقليمي مرهون بشخص ومواقفه بدل أن يكون محمياً بمجتمع معافى يستطيع تحمّل الكلفة المتصاعدة. لذا كان التمديد فعل قوة استعراضياً في الشكل ولكنه فعل ضعف في الواقع. بدا انعدام الخيارات دليلاً على إفلاس سياسات. فكان أن جرى ارتهان قضية مصيرية إلى شخص عادى بموقفه فئات
واستعدى بسياسته فئات. قيل، في التبرير، إن لحود يمثل نهجاً وطنياً ولا طائفي وغير مساوم، وقيل، في المقابل، إن لحود إنما يمثل ممارسة تلغي الأسس التي يفترض بهذا النهج النهوض فوقها.
عانى لحود من عزلتين. عن بيئته بسبب خياره الإقليمي وعن البيئة الحاضنة تقليدياً لهذا الخيار بسبب سياسته. ولأنه كان في هذا الموقع الخاص والمميّز فإنه كان يسمح لنفسه بترف الدخول في خصومة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري مثلاً من دون خشية تحوّل الخصومة إلى توتر ماروني سني. فالموارنة، في قواهم الرئيسية، كانوا يرفضون الانتصار له باسم <<موقع الرئيس وصلاحياته>> (ولو أن قوى هامشية بينهم كانت تفعل ذلك) وهو أمر كان يؤدي، باستمرار، إلى تباين بين السنة والشيعة، أي بين السنة و<<طائفة الرئيس بالإعارة>>.
ولأن لحود كان شخصاً وموقفاً ولم يكن تياراً منظماً وسياسة (سياسة جديرة بهذا الاسم) فهو يشعر الآن بقدرته على الانتقال من موقع إلى آخر ولو أنه، مرة أخرى، من غير المحسوم به أنه سينتقل إلى الموقع النقيض. يكفي أن يقرّر الاستمرار في الولاية حتى يطلب الحماية ليس من نواب المجلس المقبل بل من تجاوز المعضلة السابقة مع ما يعنيه ذلك من دمج بين شخصه وبين مارونية المنصب.
إن الاحتمال وارد بأن يتحوّل الرئيس الممدّد له بقرار سوري، وبمجرد أن ينوي عدم طلب شيء لنفسه (الاستقالة، في هذه الحالة)، إلى رهينة في يد الولايات المتحدة الأميركية. إذا حصل ذلك فإن التاريخ قد يمد لسانه هازئاً. غير أننا في لبنان، وفي ظل ميوعة استثنائية، وفي ظل ابتلاع الطوائف كل حيز مستقل، وفي ظل مقارعة واقع الانقسام بالأهازيج حول <<حركة 14 آذار>>.
إن رسالة لحود إلى مجلس النواب تقول الكثير حول القانون الانتخابي الذي يفضّل. إلا أنه تفضيل عديم الصلة بأي همّ ديموقراطي... علماً أنه يمكن الزعم، من موقع ديموقراطي فعلي وليس من موقع الرئاسة المأزومة، أنه بين <<قانون الألفين>> و<<قانون القضاء>> فإن التفضيل يذهب، في المرة الأولى، إلى <<قانون النسبية>> فإذا استحال يصبح <<القضاء>>، على شروره ومخاطره، أكثر ضماناً لصحة التمثيل.
إلا أن لحود لا يدفع باتجاه أهون الشرين بهذا المعنى. إنه يفعل ذلك في وقت تعيش المعارضات وغيرها جدالاً حامياً حول سياسات ما بعد الانتخابات النيابية. والرسالة محاولة لاسترضاء القوى التي تعيش دينامية مستعادة وتخشى إجهاضها، والمستعدة، أكثر من غيرها، لملاقاة المشاريع الغربية الخاصة بالقرار 1559 في أقرب نقطة ممكنة إليها. أي أننا قد نكون على أهبة مغادرة السجال الماضي حول <<التمديد للحود رداً على القرار 1559>> أو <<القرار 1559 رداً على التمديد للحود>> من أجل أن نحصل على التمديد للحود المنفتح على زيادة حظوظ 1559. فهل يكون الرجل الذي جيء به، عبر التمديد، للتصدي للمشاريع الغربية هو الرجل الذي يجعل الغزل مع هذه المشاريع عنوان الجزء الثاني من الولاية؟
مرة أخيرة، من المبكر الحسم. ولكن المرء لا يتمنى أن يكون في أحد موقعين: موقع من ارتاح سابقاً إلى لحود ويخشى اليوم انقلابه، وموقع من عادى لحود ويحتاج اليوم إلى توقيعه.
| ... الى منتدى الحوار |
![]() |
| الصفحة الأولى| أخبار لبنان| عربي ودولي| اقتصاد| ثقافة |
| رياضة| قضايا وآراء| الصفحة الأخيرة| صوت وصورة |
| ©2005 جريدة السفير |